رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التراث الوطنى ومعارك الاستمرار فى الحياة اليومية.. إنشاء هيئة وطنية لصون التراث المصرى وحمايته من الاندثار


27-3-2026 | 10:58

.

طباعة
كتبت: أمانى عبد الحميد

وسط إحدى قرى الصعيد الهادئة، تجلس امرأة ستينية أمام نول خشبي، تتحرك خيوطه وفق إيقاع أصابعها التى تبدو عليها علامات قديمة حفرتها آلاف الخيوط عبر سنوات عمرها، تلك هى حرفة مارستها منذ نعومة أظافرها، لكنها ليست مجرد وسيلة رزق فقط، بل ذاكرة ممتدة ورثتها من أمها، كما ورثتها الأم من الجدة، تلك السيدة التى هرمت أمام نولها الخشبى لا تعرف أن ما تصنعه قامت مصر بتسجيله على قائمة التراث غير المادى بمنظمة اليونسكو، قد لا تعبأ بالأمر أو بالاعتراف الدولي، لكن ما يعنيها هو أكثر بساطة وأشد قسوة على أرض الواقع، فالسؤال الذى يتردد داخلها دوما: هل ستواصل ابنتها حرفة الجدات؟ وهل ستنتهى حكاية عائلتها عندما ترحل هى عن عالمنا؟

 

معاناة تلك السيدة الصعيدية لا تختلف عن معاناة الكثيرين ممن حملوا تراث مصر غير المادى والشفاهى على عاتقهم، تساؤلاتهم بسيطة تكشف عن قلقهم على ما ورثوه من آبائهم، وهى نفس التساؤلات التى تدور حول مستقبل التراث الثقافى غير المادى فى مصر، نحاول عبر صفحات مجلة المصور البحث عن مسببات القلق والتعرف على وجهات نظر حاملى شعلة التراث المصرى الأصيل، خاصة أنها مشاعر وتساؤلات تتردد فى ذهن كل من يجوب أقاليمها التى تملك ثروة غير مسبوقة من الممارسات الموروثة بكل أنواعها وأشكالها، التى تتجلى فى أقاصى الصعيد، وفى عمق الصحراء الغربية وواحاتها، فى وسط سيناء وشمال، وجه بحرى ومدن القنال، أسوان والنوبة، ومدن البحر الأحمر وحتى حلايب وشلاتين، كلها مدن وقرى وواحات تتوارث كل ما يخص طرق عيشتها وتواصلها مع الآخرين، حتى باتت طرق معيشتهم وحفاوتهم متوارثة جيلا بعد جيل، وأصبحت بمرور الزمن كائنا حيّا وليس مجرد ذكريات جميلة، يتنفس بوجود البشر المحبين، ويختنق ويموت عندما يهجره المبدعون والمؤمنون بدوره فى تخليد الذكريات، يعيش بسبب طقوس الحياة اليومية، وحفاوة البشر الذين فضلوا العيش وفق عاداتهم وتقاليدهم المتوارثة من الأجداد.

«الجزء الحيّ من الهوية الثقافية» على حد تعبير منظمة اليونسكو، يتشكل بمرور الزمن مع الممارسات الاجتماعية، والأمثال الشفهيّة، والفنون، والطقوس، والحرف، والمعارف التقليدية التى تنتقل عبر الأجيال وتمنح المجتمع إحساسه بذاته وتاريخه، وهو جزء لا يتجزأ من التراث الإنسانى ويستحق الحماية والمعرفة والترويج، أى أن كل ما يرثه الأبناء من الأجداد من حرف وعادات وتقاليد وطقوس واحتفالات وأكلات وملابس وزينات وفنون وإبداعات من غناء ورقص وأداء وألعاب وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية، وهى التى نسمع تفاصيلها فى صوت راوٍ يروى سيرة أبو زيد الهلالي، ونلمسها مع وقع عصا التحطيب التى تتماهى مع صاحبها وأصابع كفه الخشن، ومع رقصات الأراجوز وضحكات الأطفال من حوله، أو مع مذاق وصفات طعام تحتفظ بها ذاكرة سيدات الدار ويقمن بتقديمها فى المناسبات والأعياد والاحتفالات القريبة من القلب.

إلا أن الأيادى التى صنعت، والأصوات التى روت، والعقول التى أبدعت، والبشر الذين مارسوا تراثهم الحيّ، يحتاجون للحياة أيضا، يحلمون بميراث يتجدد مع كل جيل، لا يفنى بموتهم، غاية أمانيهم أن تظل شعلة الموروث الشعبى مشتعلة تنير الطريق من بعدهم، وهو حال الكثيرين فى أقاصى مصر كلها.

تلك مشاهدات متكررة تلخص مأزق التراث غير المادى فى مصر، فهو حاضر بقوة فى الذاكرة، لكنه ذو واقع مرير، معلق دوما ما بين الاحتفاء والاندثار، فهو على خلاف الآثار ومبانيها ومواقعها، لايمكن حفظه داخل أسوار ولا فاترينات زجاجية، لكنه يعيش بالإنسان، ويموت إذا لم يرثه الأبناء، حيث إنه تراث هش يحوى طقوسا وممارسات وعادات وتقاليد وفنونا، كلها موروثات شعبية لا مثيل لها، تملكها مصر دون غيرها من البلاد.

ومن أجل ذلك، تأسست فى ربوع البلاد جمعيات أهلية، مراكز إنتاجية وأخرى متخصصة فى التدريب، كما نشطت وزارات وهيئات ومؤسسات حكومية، بنوك وشركات محلية ودولية، البعض يقوم بعمليات التوثيق والتأريخ والتسجيل، البعض الآخر يقوم بإنتاج وبيع وتسويق منتجاته، مواقع تستضيف عروضا وفنونا وألعابا من التراث، لكنها تعمل كالجزر المنفصلة بلا هيكل أو كيان يحتضنه ويرعاه بشكل متكامل.

وبالرغم من أن مصر نجحت فى تسجيل عشرة عناصر على القائمة التمثيلية للتراث الثقافى غير المادى العالمى شملت الأدب الشفاهي، الألعاب التقليدية، الحرف والفنون، الاحتفالات الدينية والمجتمعية، والمعارف المرتبطة بأدوات الغذاء والطعام، حيث عكست ثراء الثقافة الشعبية المصرية: السيرة الهلالية، التحطيب ولعبة العصا، الخط العربي، النخلة وما ارتبط بها من معارف ومهارات وممارسات، فنون النقش على المعدن، فنون الحناء ، فن السمسمية، وأخيرا كان الكشرى وأهمية الاعتراف بالطعام كتراث ثقافى حيّ، فى حين نجحت فى تسجيل الأراجوز المصرى ومسرح العرائس اليدوية التقليدية وفنون النسيج اليدوى فى صعيد مصر على قائمة الصون العاجل للتراث، ذلك طبقا لاتفاقية اليونسكو الخاصة بصون التراث الثقافى غير المادى لعام 2003 والتى تشجّع الدول على تسجيل وحماية عناصر تراثها، وتعمل على نشر الوعى العالمى بشأنها.

للأسف النجاح الخارجى قد لا توازيه حماية داخلية حقيقية، فالقضية أن تلك الممارسات الموروثة مهددة بالاندثار بالرغم من دورها فى خلق هوية البشر والمكان، بل هى أكثر عناصر الهوية هشاشة بالرغم من كونه الأقرب من الحياة اليومية، وبالرغم من الاحتفاء الدولى إلا أن مسؤولية الحفاظ عليه واستمراره داخل حياتنا اليومية لا تزال غير محددة أو واضحة ؟ فهل يكفيه التسجيل الدولى أم أن طرق الصون تحتاج لجهود أكبر حتى لا تتحول كل عادات المصريين وتقاليدهم وطقوسهم مجرد موروثات بالية فقدت الصلة بالأجيال الجديدة؟.

وهنا يتبادر للذهن تساؤل آخر: كيف يمكن لتلك الدولة أن تعيد تقديم تراثها وطقوس ومظاهر احتفالاته وممارساته الشعبية وإحيائه بطريقة تحافظ على استمراريته وتمنعه من الاندثار، من يحمل راية الحفاظ عليه كى يستمر فى الحياة اليومية كجزء أصيل من هوية شعبية بناها ناسها على مدار آلاف السنين، خاصة أنه تراث ينتقل شفهيا من جيل إلى جيل، غير قابل للتجميد ، سريع التأثر بالظروف الاقتصادية، ومعتمد بشكل كلى على حامليه.

حيث يواجه التراث الثقافى غير المادى المصرى عددا من المخاطر تؤثر على استمراريته، وقدرته على الانتقال بين الأجيال، ما يعرضه لخطر الاندثار، طبقا لتقرير صادر من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، والذى أكد أن أخطرها هو تراجع التقاليد الشفهية داخل المجتمعات بسبب التوسع الحضرى والهجرة، والتأثير السلبى لوسائل التواصل الاجتماعية خاصة شبكة الإنترنت التى أضرت بالتعبيرات الشفهية ضررا بالغا، كذلك العولمة وتأثيرها السلبى على أساليب الحياة التقليدية وأنماطها مما تسبب فى طمس بعض القيم الثقافية المحلية، وتزايد انتشار وفرض الثقافات الغربية، علاوة على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى تقلل الاعتماد على المعرفة التقليدية.

وإن ظل عدم الاهتمام بالكنوز الحية هو أخطر ما جاء فى التقرير، ويعترف بعدم توجيه الرعاية اللازمة للأشخاص الذين يملكون المعرفة أو المهارة اللازمة لممارسة حرف توارثوها عن أجدادهم، ما أدى إلى تراجع عدد ممارسى هذه الحرف التراثية المدرجة على قائمة التراث العالمى غير المادي، وبالتالى بات من الضرورى وضع قوانين تهدف إلى العناية والاهتمام بالكنوز الحية بالنظر إلى ما تحمله من ثقافة متجذرة ومتوارثة، كما تحدث عن مخاطر التهديدات الإدارية والقانونية فى ظل غياب استراتيجيات وطنية لحماية التراث الثقافى غير المادي، وغياب التشريعات القانونية التى تنظم العمل فى مجال التراث غير المادى وتحافظ عليه.

ومن أجل حماية تراث هؤلاء المبدعين حاضني تاريخ مجتمعاتنا الإنسانية لابد من توفير مظلة رسمية تقيها شر الضياع والاندثار، فلماذا لا نجد حتى اليوم كيانا شرعيا قانونيا يحتضن هذا الكم الضخم من تراث الأجداد، يخلق له مظلة حماية، قوانين منظمة، يضع اشتراطات التعامل مع التراث وما ينتج عنه من ممارسات أو منتجات أو عروض وفنون، لماذا لا يوجد قانون متكامل لحماية التراث غير المادى كما هو حال قانون حماية الآثار، لماذا لا يملك تراث الأجداد هيئة أو مجلسًا أعلى متخصصاً يضم جهابذة التراث والفلكلور والثقافة الشعبية، يقوم بالحماية والتنظيم كما هو حال المجلس الأعلى للآثار، لماذا حتى اليوم تتفرق دماء التراث غير المادى بين الوزارات والجهات الحكومية والجمعيات الأهلية، الثقافة، التضامن الاجتماعي، الصناعة، الاستثمار، عدد لا حصر له من الجمعيات والمؤسسات الأهلية؟.

مع العلم أن مصر تمتلك «بيت التراث المصري» كما أسمته وزارة الثقافة، ويقوم بتأسيس الأرشيف الوطنى للتراث الثقافى غير المادى عن طريق الصون والحفظ والتوثيق والنقل والترويج وإعادة الإحياء، لكنها خطوة رمزية فى مسار غير ممهد يصعب السير فيه بشكل منفرد دون التعاون مع جهات أخرى داخل الحكومة المصرية، فالطريق لا يزال طويلا ويحتاج تكاتف جهود كل الجهات داخل الدولة المصرية.

وهناك نماذج ناجحة يمكن الاحتذاء بها فى التعامل مع التراث غير المادى فى عدد من دول العالم التى اعتبرت التراث جزءا من سياسات الدولة وليس مجرد ثقافة هامشية، أهمهم المغرب الذى ربط الصون بالتنمية المحلية ما شجع تنمية التراث واستثماره، كذلك الهند قدمت دعما للأجيال الجديدة ما دفعها للتعلم والاستمرار فى ممارسته، أما المكسيك فوضعت قوانين تحمى تراثها من الاستغلال التجارى دون موافقة المجتمعات المالكة للتراث.

لذا باتت الحاجة ملحة إلى تأسيس هيئة وطنية مستقلة للتراث الثقافى غير المادي، تتمتع بشخصية اعتبارية، وتعمل وفق معايير اليونسكو، وترتبط برئاسة مجلس الوزراء لضمان النفاذ المؤسسى ذى مهام محددة ويحميها قانون نافذ، ولايقتصر دور الهيئة المقترحة على تسجيل العناصر أو إعداد الملفات الدولية، بل يمتد إلى إدارة دورة الحياة الكاملة للتراث غير المادي، وأن تملك القدرة والأدوات التى تمكنها من النزول إلى الشوارع والقرى والمدن لتسجيل كل ما هو موروث، كى تتمكن من إنشاء سجل قومى يحوى كل المعلومات عن التراث غير المادى فى أرجاء مصر على أن يتم تحديثه بشكل دوري، اعتماد حاملى التراث واعتبارهم «كنوزا بشرية حية» وتوثيق كل ممارساتهم وإبداعاتهم واعتماد برامج نقل وتدريب لضمان توارث ما يملكون من تراث، دمج كل ما هو تراث غير مادى فى التعليم والسياحة، وخلق فرص إبداع وعمل لمختلف الصناعات الإبداعية التراثية وحمايتها، والأهم هو خلق ملكية فكرية للمعارف التقليدية لحمايتها من سوء الاستغلال المادى دون الرجوع لأصحابها.

فالتراث غير المادى فى مصر لم يعد ينقصه الاعتراف الدولي، بل بات يحتاج إلى إدارة، وقانون، وإنسان يشعر بأن ما يحمله له قيمة وحماية ومستقبل، فإذا نجحت مصر فى جعل العالم يعترف بتراثها، فإن التحدى الحقيقى اليوم هو كيف تضمن حياة كريمة داخلها لا فى القوائم الدولية وحدها، بل فى الشارع والقرية والذاكرة اليومية.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة