قال «سامح أحمد حسن»، مفتش آثار بمنطقة غرب أسيوط: إن تاريخ إنشاء الحمام يعود إلى العصر العثمانى، وينسب إلى محمد ثابت بك بن أيوب بن محمد كاشف بك زادة، ويعرف بين الأهالى باسم «الحمام القديم» أو «الحمام الذهبي»، ويتخذ الحمام تصميمًا معماريًا مستطيلاً يتوسطه صحن رئيسى، وتتنوع قاعاته بين قاعة للماء الساخن «المسلخ»، وأخرى للماء الفاتر يفتح عليها مغطسان وإيوانان، وتغطى القاعات قباب رملية تعكس الطراز المعمارى السائد آنذاك، كما يضم ممرًا تتوزع به مصاطب لراحة المستحمين، ويتوسط الصحن نافورة أرضيتها مزخرفة بالفسيفساء الرخامية، فضلًا عن احتوائه قديمًا على ساقية مياه ومستوقد لتسخينها.
وأكد «سامح» أنه يرتبط إنشاء الحمامات الشعبية فى مصر قديمًا بحركة التجارة والسفر، فكان التجار يقطعون مسافات طويلة عبر البحر والصحراء، خاصة عبر «درب الأربعين» الذى ربط مصر ببلاد السودان، وبعد رحلة شاقة كان التجار يقصدون هذه الحمامات للاستراحة والاستجمام قبل استكمال نشاطهم التجارى داخل القيساريات والأسواق، وأوضح أن قيسارية أسيوط شهدت نشاطًا تجاريًا ملحوظًا فى تلك الحقبة، حيث كانت تستقبل القوافل المحملة ببضائع متنوعة، من بينها عاج الأفيال وريش النعام، والتى ازدهرت بها صناعات يدوية مميزة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى استخدام بدائل العاج مثل قرن الجاموس وعظم الجمال، ولا تزال المنطقة تحتفظ بعدد من الوكالات والأسواق الأثرية مثل وكالة شلبى، إلى جانب حرف تقليدية متوارثة تشمل حفر العاج والعظم والخشب، وصناعات الحدادة والألومنيوم والصفيح، والكِليم والنسيج، والأحذية الجلدية، والتُلى، وغيرها من الحرف التى شكلت هوية اقتصادية وثقافية للمدينة.
وأشار إلى أنه ارتبطت حركة القوافل بنظام الحماية والجباية بين حكام المناطق المختلفة، حيث كانت القوافل تدخل تباعًا فى حماية حكام محافظة أسوان ثم مدينة إسنا ثم مركز منفلوط، مقابل رسوم تُفرض نظير الحماية حتى وصولها إلى وجهتها داخل الأراضى المصرية، موضحا أن حمام ثابت اليوم يُعد شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من تاريخ أسيوط، ليس فقط باعتباره مبنى أثريًا، بل كرمز للحياة الاجتماعية والثقافية التى شهدتها المدينة عبر قرون، ويجب الحفاظ على هذا المعلم التاريخى وصونه، باعتباره جزءًا من ذاكرة الصعيد وتراثه المعمارى الفريد، فالحفاظ عليه ليس مجرد صون لحجارة وجدران، بل حماية لجزء أصيل من هوية الصعيد وتاريخه الممتد عبر القرون.
وكشف «سامح» عن أن الدراسات التاريخية تؤكد أن الحمامات العثمانية ومنها حمام ثابت بأسيوط، لم تكن مجرد منشآت خدمية بل مؤسسات اجتماعية متكاملة لها نظام إدارى دقيق، فقد كان يدير الحمام «المعلم» أو صاحبه ويعاونه عدد من العاملين، من بينهم «الوقّاد» المسئول عن إشعال المستوقد وتسخين المياه، و«المكيس» الذى يتولى أعمال التدليك والتنظيف، إضافة إلى السقا الذى يشرف على توفير المياه، واعتمدت هذه الحمامات على نظام هندسى متطور لتسخين المياه، يقوم على تمرير الحرارة أسفل الأرضيات وعبر الجدران، بما يضمن توزيعًا متوازنًا للبخار والدفء داخل القاعات المختلفة. ويعكس هذا النظام مستوى متقدمًا من الفهم المعمارى والهندسى فى تلك الحقبة.
وأضاف أنه لم يقتصر دور الحمام على النظافة الشخصية، بل كان فضاءً اجتماعيًا مفتوحًا، تُقام فيه طقوس شعبية متوارثة، من بينها تجهيز العرائس قبل الزفاف فيما يُعرف بـ«حمام العروس»، فضلًا عن كونه ملتقى لتبادل الأخبار وعقد الاتفاقات التجارية غير الرسمية، خاصة فى المدن ذات الطابع التجارى مثل أسيوط، وكانت هناك أيام محددة للرجال وأخرى للنساء، بما يضمن الخصوصية ويعكس طبيعة المجتمع آنذاك.
من جانب آخر، يرى عدد من المهتمين بالتراث أن حمام ثابت يُعد من النماذج النادرة المتبقية للحمامات التاريخية فى صعيد مصر، مقارنة بنماذج أخرى شهيرة فى القاهرة، ما يضاعف من قيمته الأثرية والسياحية، وإدراجه ضمن مسار سياحى متكامل يضم القيسارية والوكالات التاريخية والمساجد الأثرية، من شأنه أن يعيد إحياء المنطقة اقتصاديًا وثقافيًا، ويبقى الحمام شاهدًا حيًا على مرحلة ازدهرت فيها أسيوط كمركز تجارى محورى على طريق القوافل، ومثالًا على تداخل العمارة بالحياة اليومية، فى صورة تعكس روح المجتمع المصرى عبر العصور والأزمنة التاريخية بأسيوط.
والحمام من النماذج القليلة المتبقية للحمامات العامة فى صعيد مصر، الأمر الذى يمنحه أهمية خاصة فى إطار دراسة العمارة الإسلامية الإقليمية خارج نطاق العاصمة، والحفاظ عليه وترميمه لا يندرج فقط ضمن جهود صون الآثار، بل يمثل حفاظًا على جزء أصيل من الذاكرة العمرانية والاجتماعية لمدينة أسيوط.