أدى التصعيد المتسارع للصراع الدائر في الشرق الأوسط إلى تغيير جذري في توقعات البنوك المركزية حول العالم، في ظل صدمة كبيرة في الإمدادات تفرض معادلة صعبة بين دعم النمو الاقتصادي ومواجهة الضغوط التضخمية.
وبالنسبة للبنوك المركزية في الاقتصادات الآسيوية الناشئة، أصبح خفض أسعار الفائدة خطوة محفوفة بالمخاطر، ليس فقط بسبب الضغوط السعرية الناتجة عن ارتفاع تكاليف النفط، بل أيضًا بسبب احتمالات خروج رؤوس الأموال نتيجة تدهور شروط التبادل التجاري مع الولايات المتحدة. وفق منصة "بزنس تايمز" الاقتصادية.
وفي السياق، من المتوقع أن يركز بنك الاحتياطي الهندي بشكل أكبر على دعم النمو من خلال الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة، إلا أن اندفاع المستثمرين نحو الدولار الأمريكي باعتباره ملاذًا آمنًا، في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، قد يدفع البنك إلى زيادة تدخلاته في سوق الصرف لدعم العملة المحلية التي تتعرض لضغوط.
ويرى خبراء الاقتصاد أن دولًا مثل تايلاند والفلبين قد تضطر إلى التراجع عن سياستها النقدية الميسرة، رغم أن ارتفاع أسعار الوقود يضر باقتصاداتها، وقال خبير اقتصاد الأسواق الناشئة تورو نيشيهاما، إن العديد من البنوك المركزية ستواجه قرارات صعبة في ظل الضغوط المتزايدة من الأسواق والحكومات، مضيفًا أن عدم وجود نهاية واضحة للصراع يزيد من مخاطر الركود التضخمي يومًا بعد يوم.
وشهدت الأسواق الآسيوية تراجعًا حادًا في الأسهم يوم /الإثنين/، بينما ارتفع الدولار الأمريكي باعتباره ملاذًا آمنًا، مع صعود أسعار النفط إلى ما يتجاوز 110 دولارات للبرميل، ما أثار مخاوف من حرب طويلة في الشرق الأوسط قد تهدد إمدادات الطاقة العالمية وتؤدي إلى زيادة التضخم، وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة.
وتزداد حدة هذه المعضلة في الاقتصادات الصناعية الكبرى مثل كوريا الجنوبية واليابان، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة العالمية واستقرار الأسواق وتكاليف المواد الخام المنخفضة، وهي عوامل تتعرض حاليًا لضغوط بسبب اتساع نطاق الأزمة في الشرق الأوسط.
وقال كيم جين-ووك، الخبير الاقتصادي في "سيتي جروب"، إن البنك المركزي الكوري الجنوبي، الذي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في فبراير، قد يتبنى موقفًا أكثر تشددًا إذا ظل التضخم أعلى بنقطة مئوية كاملة من المستوى المستهدف لفترة طويلة، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن البنك من غير المرجح في الوقت الحالي أن يرفع أسعار الفائدة استجابة لارتفاع أسعار النفط، خاصة مع الإجراءات الحكومية الرامية إلى الحد من ارتفاع أسعار الوقود، والتي تقلل من انتقال تأثير أسعار النفط إلى التضخم المحلي.
(معضلة البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة)
لا تقتصر التحديات على الاقتصادات الناشئة، إذ تواجه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، معادلة معقدة بين الحفاظ على النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم في ظل ضغوط سياسية متزايدة.
وتبرز هذه المعضلة بوضوح في اليابان، حيث وفقًا لتقديرات معهد نومورا للأبحاث، فإن بقاء أسعار النفط عند مستوى 110 دولارات للبرميل لمدة عام قد يخفض معدل النمو الاقتصادي بنحو 0.39 نقطة مئوية، وهو ما يمثل ضربة كبيرة لاقتصاد يعاني بالفعل من نمو محتمل ضعيف يتراوح بين 0.5% و1%.
لكن على عكس الفترات السابقة التي كان بإمكانه فيها تأجيل رفع أسعار الفائدة، أصبح لدى بنك اليابان مساحة أقل لتجاهل الضغوط التضخمية، في ظل تجاوز معدل التضخم المستهدف البالغ 2% لمدة تقارب أربع سنوات.
ويرى محللون أن البنك قد يجد نفسه مضطرًا إلى الاستمرار في مسار رفع أسعار الفائدة، مع تجنب تحديد توقيت واضح لهذه الخطوات لتفادي انتقادات الحكومة التي تعارض ارتفاع تكاليف الاقتراض.
(تحديات مختلفة في أستراليا ونيوزيلندا)
وفي أستراليا، قد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى زعزعة توقعات التضخم، في وقت يعاني فيه الاقتصاد بالفعل من مستويات تضخم مرتفعة، وفقًا لجوناثان كيرنز، كبير الاقتصاديين في شركة "تشالنجر" والمسؤول السابق في بنك الاحتياطي الأسترالي، حيث أوضح أن ارتفاع توقعات التضخم قد يجبر البنك المركزي على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لإعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة.
أما في نيوزيلندا، تواجه السلطات النقدية تحديًا مختلفًا، إذ لا يزال الاقتصاد يعاني من تباطؤ التعافي بعد تأثير الزيادات السابقة في أسعار الفائدة، وقال جارود كير، كبير الاقتصاديين في بنك كيوي بنك، إن البنوك المركزية، وخاصة بنك الاحتياطي النيوزيلندي، قد تضطر إلى تحمل معدلات تضخم أعلى على المدى القصير لتجنب تشديد السياسة النقدية في وقت يتباطأ فيه الاقتصاد العالمي.
(تحذير صندوق النقد)
وفي السياق، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، إن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% واستمرار ذلك معظم العام قد يؤدي إلى زيادة التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس.
وأضافت جورجيفا - خلال ندوة اقتصادية في طوكيو - أن الاقتصاد العالمي يواجه اختبارًا جديدًا للمرونة بسبب الصراع في الشرق الأوسط، داعية صانعي السياسات إلى الاستعداد لسيناريوهات غير متوقعة، وتابعت قائلة: «نصيحتي لصانعي السياسات في هذا العالم الجديد هي التفكير في ما لا يمكن تصوره والاستعداد له».