انضم محمود عزت مبكرًا إلى الإخوان، وتقريبا في عام 1953 وانخرط رسميًا في الجماعة بعدما تعرف على (السوري مروان حديد) 1962. مؤسس الطليعة المقاتلة في سوريا، وبعدها تعرف على مصطفى مشهور، الذي سيصبح رفيقه في تنظيم عام 1965 الذي قاده سيد قطب، وتحديدا ما يعرف بمجموعة (مصر الجديدة)، حيث قدّم للمحاكمة، وحكم عليه بالسجن من قبل محكمة أمن الدولة العليا (عسكرية استثنائية)، برئاسة اللواء محمد فؤاد الدجوي.
يكشف محمود عزت، في إجاباته أمام المحقق ممدوح البلتاجي، تفاصيل مدهشة عن انتمائه لجماعة الدعوة والتبليغ قبل التحاقه بالإخوان حين أحس أن الأولى لا تلبي طموحات، قائلًا: "أنا بدأت بعد تربيتي الدينية أبحث عن حل لكي يكون الإسلام وهو دين ودولة مطبقًا في جميع نواحي الحياة، وقد عاصرت فريد الواقي، صاحب جماعة الدعوة والتبليغ وسافرت معه في جوامع الإسكندرية ومرسى مطروح، ولكن شعرت بأن هذا الاتجاه سلبي ويدعو إلى الاعتكاف في المساجد وعدم مخالطة المجتمع والتأثير فيه، وكانت هذه الدعوة كذلك تقتصر على مظاهر الدين كإطلاق اللحية ولبس الجلباب ويعتبرون ذلك من صميم الإسلام ولقد شعرت بهذه السلبية بعدما كشف لي ذلك الشيخ عبدالفتاح إسماعيل في لقاءاتي به وأحسست بأن الاتجاه السليم هو الانضمام إلى جماعة تمكين القرآن عن طريق تكوين أفراد مسلمين مرتبطين بتنظيم يحاول الوصول إلى مراكز القيادات في المجتمع عن طريق تكوين كفاءات ممتازة تتمكن من تحريك المجتمع".
وحول وجهة نظره في نظام حكم الرئيس جمال عبد الناصر، قال محمود عزت: "نظام الحكم الحاضر لا يستمد تشريعاته من القرآن، ولذا فإنه نظام جاهلي، ونحن نعتبر الحكومة من الكفار وطواغيت الأرض، ومن الناحية السياسية فإن مجتمع الإسلام الذي أنشده هو الذي يقوم فيه تنظيم سياسي على أساس الأحكام المستمدة من القرآن وهي أن يكون هناك أمير للمؤمنين ومجلس للشورى وكل التشريعات التي يطبقها هذا الحاكم المسلم تكون صادرة من القرآن والسنة وهذا يتناقض مع الوضع السياسي الحالي فهو غير مستمد من القرآن".
وعن حتمية الصدام المسلح مع النظام الحاكم اعترف محمود عزت قائلًا: "الجماعة أعدت أفرادًا مسلحين استعدادا للصدام مع الحكومة، في إطار من السرية الكاملة".
وحول مساعي اختراق الإخوان لمؤسسات الدولة واعتماد السرية، أوضح عزت: "الجماعة سرية لأنه لا توجد وسيلة للوصول إلى الحكم إلا عن الطريق السري، إذ أن الجماعة تستطيع بعدم إعلان مبادئها تجنب الهجوم ابتداء، وأن كل فرد فيها سينال فرصة في الوصول إلى منصب يستطيع أن يطبق الإسلام وكمجموعة يمكن تطبيق الإسلام في جميع شؤون الدولة بأن تكون الجماعة متكاملة في جميع الشؤون الخاصة بالحكم، ولا يمكن الوصول لحكم الدولة إلا عن طريق تولى كافة الشؤون وأدوات الحكم أو على الأقل غالبيتها".
ظل "عزت" وفيًا لسيد قطب هو وباقي المجموعة، التي ستخرج فيما بعد في أوائل السبعينات، محملة بأفكاره التي أجملها في كتاب في ظلال القرآن ومعالم في الطريق، وكذلك استراتيجية التنظيم السري الحركية، وهو ما دفع عمر التلمساني، لإجباره هو وباقي المجموعة للسفر إلى اليمن.
سافر عزت هو ومصطفى مشهور إلى اليمن، ومنها إلى الكويت لتبدأ رحلتهما معاً في إعادة تشكيل التنظيم الدولي للجماعة، خاصة في دول الخليج، وأوروبا والولايات المتحدة، ولما عاد عقب وفاة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، أصبح لمجموعة القطبيين سطوة كبيرة على التنظيم في الخارج والداخل، ليخطط هو ومشهور للسيطرة على الجماعة بشكل تام.
وكان من أهم الأشياء التي قام بها، هي الإشراف على شركة “سلسبيل” التي كانت موكلة بالاحتفاظ بمعلومات حول أعضاء التنظيم، وذلك بصحبة خيرت الشاطر، وتم التحقيق معه لمدة 6 أشهر، بعد مداهمة الأمن للشركة.
ومنذ عام 81 صعد عزت في الهرم التنظيمي، ومع سيطرة القطبيين التامة على التنظيم محليا ودوليا، منذ تولى “مصطفى مشهور” منصب المرشد العام، ثم مأمون الهضيبي فيما يسمى (بيعة المقابر)، التي سارعوا فيها لبيعة مرشد جديد بعد وفاة مشهور عقب تشييع جنازته مباشرة، خوفا من تولي الجناح غير القطبي القيادة.
أصبح عزت عضوًا في مكتب الإرشاد، ثم أمينًا عامًا، والمشرف على لجنة أعضاء التدريس التابعة لقسم الطلاب، وهو منصب كبير مكّنه من نشر الأفكار القطبية، والسيطرة على مفاصل المكاتب الإدارية للجماعة.
وحسب المنشق الإخواني ثروت الخرباوي في تصريحات صحفية سابقة، فإن عزت هو "رجل سري من الطراز الأول وهو صاحب الكلمة الأولى في الجماعة مع خيرت الشاطر، وهو إن قال شيئاً لا بد من تنفيذه".
مشيرا إلى الدور الخطير الذي يلعبه داخل التنظيم بأنه أكثر الشخصيات تأثيراً في الجماعة، وكان له دور كبير في الإطاحة بمحمد حبيب النائب السابق للمرشد، والمحامي مختار نوح من الجماعة.
ومع عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي شهدت الجماعة مرحلة من التقارب بين تياراتها المختلفة القطبية السلفية والجهادية ولجأت إلى الاعتصام في ميدان رابعة العدوية الأمر الذي أجبر الدولة المصرية على فض الاعتصام بالقوة الأمر الذي ردت عليه جماعة الإخوان بما يسمى " المقاومة الايجابية " أو "النوعية" كما أنها لجأت إلى أسلوب جديد أطلق عليه اسم «المسار الثوري» من خلال «تعطيل أجهزة الدولة ومؤسساتها»، وهنا ظهر محمود عزت ليشرعن لهذا المسار المسلح، فكان صاحب فكرة تشكيل لجنة إدارية جديدة للجماعة، وطرح فكرة ما يعرف ب (فعل الثورة المبدع) خلال اجتماع لمناقشة سيناريوهات ذكرى الثورة، حيث ترتكز هذه الاستراتيجية على فكرتين أساسيتين وهما العقاب الثوري وجبهة المقاومة الشعبية إلا أن هذه الاستراتيجية لم تنجح وباءت بالفشل وعلى هذا الأساس ظهرت خطته الجديدة لإعادة هيكلة الجماعة.
ووفق المصادر الأمنية في هذه الفترة، فإنه تنقل بين محافظات دلتا مصر، لاسيما محافظة الشرقية، ومنها إلى مدينة نصر، ثم استقر به الحال في منطقة التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، كما أنه كان يتواصل مع شخصين من جماعة الإخوان داخل مصر، وهما محمد عبد الرحمن، مسؤول اللجنة الإدارية بالجماعة، ومحمد عليّ بشر، وزير التنمية المحلية السابق في عهد الإخوان، وتم إلقاء القبض عليهما فيما بعد، وتولى أحد قيادات المكاتب الإدارية دور الوسيط بينه وبين القواعد التنظيمية.
قسم عزت الجماعة إلى عمل جماهيري + عمل دعوى واستقطابي + عمل نوعي، وتم إنشاء مكتب القيادة العامة في تركيا الذي ضم ممثلين عن الجماعة من جميع دول العالم، حيث يتخصص هذا المكتب بوضع السياسة العامة للجماعة دون التقيد بمصالح الدول وتكوين مؤسسات اقتصادية وإعلامية ينتهي إنشاؤها مع نهاية عام 2017 لتكون مصدر دعم مادي ومعنوي لتنفيذ مخططاتهم الرامية إلى إسقاط النظام المصري بنهاية عام 2020 عن طريق استراتيجيات المواجهة.
وانقسمت استراتيجيات المواجهة لدى الإخوان في هذه الفترة إلى الثغرات المؤلمة والحراك المسلح، الذي كان يتم عن طريق الحشد والاعتصام وذلك بالتنسيق مع بعض المجموعات الشبابية، واللجوء إلى استمرار الحشد الضاغط بالقوة، والتظاهر أمام البعثات الدبلوماسية المصرية في كل أنحاء العالم، ثم تشكيل مجموعات مسلحة، مثل لواء الثورة وحركة حسم الإرهابية.
وعبّرت الجماعة عن رؤيتها في هذه الفترة التي كان يقودها فيها محمود عزت من خلال الرسالة التي تم نشرها بعنوان (رُؤْيَتُنَا... الثورةُ المصريةُ... فريضةٌ شرعيةٌ، وفرصةٌ تاريخيةٌ)، وجاء فيها أن الدعوةُ التي تربى عليها أجيال الإخوانِ هي دعوةُ الحقِ، والقوةِ).
وفي خلال الفترة من 2013 وحتى عام 2018 وفي أعماق الظلال المتشابكة لما جرى في مصر بعد عام 2013، برز محمود عزت كشبح يتسلل بين أروقة الجماعة السرية، الإخوان ، حيث تولى زمام القيادة الخفية كقائم بأعمال المرشد من عام 2013 إلى 2020، بعد اعتقال محمد بديع مهندسًا للفتنة، ينسج خيوط الاضطراب من خلف الكواليس، وكان هو المسؤول عن تأسيس الجناح المسلح بالتنظيم الإخواني، والمشرف على إدارة العمليات التخريبية التي ارتكبها التنظيم بالبلاد عقب ثورة 30 يونيو 2013 وحتى ضبطه، وفق بيان رسمي للداخلية، التي أكدت أنه دخل إلى مدينة خان يونس بغزة وظل فيها مختفيا من أجل تكوين ميليشيات مسلحة لمواجهة الجيش المصري، وتحديدا في مناطق تسمى "بئر 11"، و"بئر 12".
ولم يظهر محمود عزت إلا في الأول من يونيو الماضي 2015، ليؤكد على المسار المسلح للجماعة في بيان أصدرته الجماعة لهذا الغرض. لكنه بعد سنوات من الاختباء اعتقل في 2020 في منطقة التجمع الخامس، وحكم عليه بالسجن المؤبد في عدة قضايا تتعلق بالإرهاب والعنف.
لقد كان دوره كالرياح العاتية التي تهز أركان الاستقرار، تاركًا خلفه أنقاضًا من الدماء والفوضى، وبينما يدافع أنصاره عنه كداعية مسالم، فإن التاريخ يشهد على الوجه الآخر لمحمود عزت بأنه (رأس الأفعى للإرهاب).