«توطين الصناعة» شعار رفعته الدولة المصرية على مدار السنوات الماضية، واتخذت فى سبيل ذلك عشرات القرارات الحاسمة لتعظيم قيمة المنتج المحلى ودعمه، بما يحقق الاكتفاء الذاتى والانطلاق نحو التصدير، بشكل يسهم فى مضاعفة مساهمة الصناعة إلى نحو 22 فى المائة من إجمالى الناتج العام، وجاء على رأس القطاعات الصناعية المستهدفة توطين تصنيع الهواتف المحمولة فى البلاد، الذى شهد توسعًا ملحوظًا خلال العامين الماضيين، فى إطار توجه حكومى أوسع لتوطين صناعة الإلكترونيات وربطها بتنظيم سوق الأجهزة المستوردة، عبر تطبيق منظومة حوكمة الهواتف المحمولة الواردة من الخارج.
وفق بيانات رسمية، ارتفع عدد الشركات المصنّعة للهواتف المحمولة فى مصر بعد دخول أربع علامات تجارية جديدة إلى السوق خلال عام 2025، ليصل إجمالى عدد المصنّعين إلى 15 علامة تجارية عالمية، بطاقة إنتاجية قصوى تبلغ نحو 20 مليون وحدة سنويًا، وباستثمارات تقدر بنحو 200 مليون دولار، ضمن مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات».
وبحسب بيانات مجلس الوزراء، تضاعف الإنتاج المحلى من الهواتف المحمولة أكثر من ثلاث مرات خلال عام واحد؛ إذ ارتفع من 3.3 مليون وحدة فى عام 2024 إلى أكثر من 10 ملايين وحدة فى 2025، مع تحقيق قيمة مضافة محلية تتجاوز 40 فى المائة، ما أسهم فى تلبية احتياجات السوق المحلى وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتضم السوق المصرية مجموعة واسعة من العلامات التجارية العالمية التى تقوم بتصنيع هواتفها محليا، من بينها «أوبو، فيفو، إنفنيكس، بينكو، برو، مايكروماكس، شاومى، نوكيا، أى تيل، سنيلان، سيكو، سامسونج، ريلمى، تكنو، وهونر»، فى إطار التوسع فى توطين صناعة الهواتف المحمولة وتوفير أجهزة بمواصفات متنوعة تلبى احتياجات مختلف شرائح المستهلكين، وجاء هذا التوسع بالتوازى مع تطبيق منظومة حوكمة الهواتف المحمولة الواردة من الخارج، التى بدأ العمل بها فى يناير 2025، وتضمنت فى مرحلتها الأولى إعفاءً استثنائيًا يسمح بدخول هاتف محمول واحد بصحبة الراكب دون سداد رسوم جمركية، لحين توفير بدائل مصنعة محليًا.
ومع مرور عام على تطبيق المنظومة، أعلنت مصلحة الجمارك المصرية والجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، انتهاء العمل بهذا الإعفاء الاستثنائى، مع استمرار إعفاء هواتف المصريين المقيمين بالخارج والسائحين لمدة 90 يومًا، فى خطوة تعكس اكتمال قدرة السوق المحلى على تلبية الطلب.
ويهدف قرار تنظيم دخول الهواتف المستوردة إلى الحدّ من الممارسات غير الرسمية فى السوق، وضمان تكافؤ الفرص بين المستوردين الرسميين، خاصة مع وصول نسبة الضرائب والرسوم الجمركية المفروضة على الهواتف إلى نحو 38 فى المائة من قيمة الجهاز، وهو القرار الذى أكد خبراء الاتصالات أنه يمثل خطوة محورية نحو ضبط سوق المحمول فى مصر ودعم الصناعة الوطنية، خاصة فى ظل التوسع الملحوظ فى التصنيع المحلى خلال الفترة الأخيرة، مؤكدين أن هذه الإجراءات جاءت بعد دراسة دقيقة لمتغيرات السوق واحتياجاتها، وبما يتماشى مع التوجهات الحكومية الهادفة إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلى، ومشيرين إلى أن نجاح منظومة حوكمة أجهزة المحمول أسهم فى جذب كبرى الشركات العالمية للتصنيع داخل مصر، ما انعكس إيجابًا على توافر الأجهزة، واستقرار الأسعار، وخلق آلاف فرص العمل للشباب.
كما أوضح خبراء الاتصالات أن الحدّ من تهريب الهواتف وحماية المنافذ الجمركية من التلاعب يُسهمان فى حماية الاقتصاد الوطنى وزيادة موارد الدولة، فضلًا عن ضمان وصول أجهزة مطابقة للمواصفات والمعايير الفنية المعتمدة إلى المستهلك المصرى، بما يعزز الثقة فى السوق المحلى ويدعم خطط تحويل مصر إلى مركز إقليمى لصناعة الاتصالات.
وفى هذا السياق، أكد محمد طلعت، رئيس شعبة تجار المحمول باتحاد الغرف التجارية، أن «قرار الحكومة بوقف دخول أجهزة الهواتف المحمولة المستوردة المعفاة من الجمارك بغرض الاستعمال الشخصى هو أحد القرارات المهمة التى جاءت فى توقيت بالغ الأهمية، خاصة بعد حالة الاستقرار التى يشهدها سوق المحمول فى مصر خلال الفترة الحالية، والقرار يتماشى مع التطورات التى شهدها قطاع تصنيع الهواتف محليا، فى ظل وجود أكثر من 15 شركة عالمية تقوم حاليًا بتصنيع أجهزة المحمول داخل مصر وبأيدٍ مصرية، ما يعكس نجاح الدولة فى جذب الاستثمارات العالمية وتعميق الصناعة المحلية».
وأضاف «طلعت»: القرار يسهم بشكل مباشر فى حماية المستهلك المصرى من الأجهزة المهربة وغير المطابقة للمواصفات، والتى كانت تمثل عبئا على الاقتصاد الوطنى، إلى جانب أنها تفتح الباب أمام ممارسات غير مشروعة من بعض المستوردين، هذا فضلا عن أن السوق المصرى لم تعد فى حاجة إلى استيراد أجهزة هواتف محمولة من الخارج، لا سيما مع استهداف إنتاج نحو 20 مليون وحدة سنويا داخل المصانع المحلية، وهو ما يغطى احتياجات السوق بشكل كبير. وأوضح رئيس شعبة تجار المحمول، أن «الإنتاج المحلى بات قادرا على تلبية الطلب المتزايد على الهواتف المحمولة بمختلف فئاتها، وهذه الخطوة ستدفع الشركات إلى زيادة طاقتها الإنتاجية لتصل إلى نحو 25 مليون وحدة سنويًا، وهذا التوسع فى الإنتاج من شأنه أن يحقق الاكتفاء الذاتى الكامل للسوق المحلية، ويوفر آلاف فرص العمل الجديدة، إلى جانب تشغيل مزيد من العمالة المصرية المؤهلة، والمساهمة فى نقل وتوطين تكنولوجيا التصنيع الحديثة داخل مصر».
كما أكد «طلعت»، أن «الخطة الاستراتيجية للدولة لا تقتصر فقط على تلبية احتياجات السوق المحلية، بل تمتد إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمى لإنتاج وتصنيع أجهزة الاتصالات وأشباه الموصلات، مع التوسع فى التصدير إلى الأسواق الإفريقية والدول العربية، بما يعزز من مكانة مصر الصناعية، ويزيد من حصيلة الصادرات»، مشددا على أن «الأسعار لن تتأثر سلبا، خاصة أن قيام الشركات العالمية بالتصنيع المحلى يسهم فى تقليل تكاليف الاستيراد والنقل، كما أن زيادة حجم المبيعات والإنتاج ستؤدى إلى استقرار الأسعار على المديين المتوسط والطويل»، ومشيرا إلى أن وقف تهريب الأجهزة عبر المنافذ الجمركية والطرق غير الشرعية سيحد من المنافسة غير العادلة، وفى الوقت نفسه سيؤدى إلى زيادة حصيلة الدولة من الجمارك المفروضة على الأجهزة المستوردة بشكل قانونى.
بدوره، قال المهندس إيهاب سعيد، رئيس شعبة الاتصالات باتحاد الغرف التجارية: إن «القرار يصبّ فى صالح جميع الأطراف، سواء الدولة أو المواطن أو الشركات العاملة بالسوق، مع الأخذ فى الاعتبار أن نسب تهريب الهواتف المحمولة كانت تصل إلى نحو 90 فى المائة قبل يناير 2025، وهو ما كان يمثل تهديدًا حقيقيًا للصناعة الوطنية وخسائر كبيرة للاقتصاد، كما أن تطبيق الإعفاء الاستثنائى لمدة عام على الهواتف المستوردة بغرض الاستخدام الشخصى كان إجراءً مؤقتًا، ومع انتهاء هذه المهلة أصبح القرار الحالى حاسمًا لمنع أى محاولات جديدة للتهريب أو التحايل على القانون، ومَن يقُم باستيراد أجهزة الهواتف المحمولة؛ فعليه الالتزام بسداد الجمارك والرسوم المقررة للدولة، بما يضمن حماية الصناعة الوطنية ودعم المصانع المحلية.
وأوضح «سعيد»، أن القرار يتوافق مع التوجيهات الرئاسية الهادفة إلى تقليل فاتورة الاستيراد، وتعزيز الاعتماد على التصنيع المحلى، لافتًا إلى أن الشركات العالمية ضخت استثمارات ضخمة لإنشاء مصانع داخل مصر، يعمل بها آلاف الشباب المصريين، ومؤكدا أنه من حق الدولة دعم هذه الصناعة الناشئة والحفاظ على استدامتها، خاصة أن تصنيع أكثر من 15 شركة عالمية لأجهزة المحمول داخل مصر يسهم فى تخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وتوفير الدولار اللازم لاستيراد السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء، كما يقلل من تأثر السوق المحلية بالتوترات الجيوسياسية العالمية التى قد تؤثر على سلاسل الإمداد والشحن، إلى جانب منع دخول أجهزة مغشوشة أو غير مطابقة للقانون المصرى. فى حين أكد أسامة جعفر، عضو الشعبة العامة للمستوردين باتحاد الغرف التجارية، أن «صناعة الهاتف المحمول فى مصر تواجه تحديات جوهرية، على رأسها تعدد الجهات المعنية وكثرة الرسوم المفروضة، ما يؤدى إلى ارتفاع تكلفة التصنيع المحلى ويضعف من قدرة المنتج المصرى على المنافسة»، موضحا أن «تعامل المصنّعين مع عدد كبير من الجهات المختلفة، إلى جانب الرسوم المتعددة التى يتم تحصيلها، ينعكس بشكل مباشر على تكلفة إنتاج الهواتف المحمولة داخل السوق المحلية، وهو ما يمثل عبئًا حقيقيًا على الصناعة».
«جعفر» أشار إلى أن «صناعة الهواتف المحمولة تعد من القطاعات الواعدة فى مصر، وقادرة على إحداث نقلة نوعية فى شكل الاقتصاد الوطنى، حال تهيئة بيئة داعمة ومحفزة للنمو والاستثمار، مطالبا بضرورة التنسيق بين وزير الصناعة واتحاد الصناعات المصرية لإنشاء غرفة صناعة متخصصة لصناعة الهواتف المحمولة والصناعات المغذية لها، إلى جانب تأسيس مجلس تصديرى يسهم فى فتح أسواق خارجية جديدة ودعم التوسع الإقليمى والدولى، والعمل جارٍ على تبنى هذه الرؤى خلال الفترة المقبلة».
وأضاف أن جميع العلامات التجارية للهواتف المحمولة يتم تصنيعها محليا داخل مصر، باستثناء شركة «آبل»، مؤكدا أن دعم الصناعة الوطنية يتطلب خفض الرسوم المفروضة على المصنعين، بما يسهم فى زيادة الإنتاج، وتعزيز القدرة التنافسية، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية فى هذا القطاع الحيوى، ومشيرا إلى أن مشروع توطين صناعة الهواتف فى مصر جاء متأخرا، وكانت هناك مطالبات منذ عام 2011 بإنشاء مناطق صناعية لتوطين المنتجات المستوردة محليًا. عضو الشعبة العامة للمستوردين باتحاد الغرف التجارية، لفت إلى أن إلغاء الجمارك على مكونات صناعة الهواتف لتصل إلى «صفر جمارك» هو إحدى أدوات تشجيع الصناعة المحلية وجعل مصر مركزًا اقتصاديًا عالميًا فى هذا القطاع، مشددًا على ضرورة أن تكون جميع قطع الغيار «زيرو جمارك»، وكل ما يخصّ صناعة الهواتف المحمولة يدخل مصر من دون أى جمارك، وأن تُخصص لهم أراضٍ فى بورسعيد، وتُقام لهم منطقة حرة، بحيث لا يدفعون جمارك عليها لمدة سنتين، إلى أن تبدأ المنطقة الصناعية عملها، ونبدأ فى تصدير الإنتاج إلى دول العالم.
من جهته، قال المهندس وليد رمضان، نائب رئيس شعبة الاتصالات: إن «مبادرة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتوطين صناعة الهواتف المحمولة فى مصر حققت نتائج ملموسة خلال الفترة الماضية، وأسهمت فى جذب عدد كبير من العلامات التجارية العالمية للتصنيع محليًا، وأى زيادات محتملة فى أسعار الهواتف لا ترتبط بالسوق المحلى بقدر ما ترتبط بالتكلفة العالمية لمكونات التصنيع، وعلى رأسها رقائق الإلكترونيات «الشرائح والرامات»، فى ظل استمرار النقص العالمى الذى يؤثر على صناعات متعددة مثل الهواتف والسيارات والأجهزة الإلكترونية».
«رمضان»، أكد أنه «فى حال توافر هذه المكونات بشكل مستقر، فلن تكون هناك تأثيرات كبيرة على الأسعار داخل السوق المصري»، لافتًا إلى أن قدرة الشركات على امتصاص فروق التكلفة ستتضح وفقًا لتطورات السوق والأوضاع العالمية خلال العام الجارى.
وأضاف أن «سوق الهواتف المحمولة فى مصر شهدت نموا ملحوظًا خلال عام 2025، مدفوعا بالقرارات التنظيمية الأخيرة، حيث ارتفع حجم السوق من توقعات بلغت 6.5 مليون جهاز إلى نحو 9.2 مليون جهاز فعليًا، بزيادة تقارب 50 فى المائة فى حجم المبيعات والقيمة السوقية، وهذا النمو يعكس عودة السوق بقوة إلى القنوات الرسمية بعد سنوات من الاعتماد على الاستيراد غير المنظم، كما أن غالبية المبيعات تركزت فى الهواتف الاقتصادية والمتوسطة التى تقل عن 200 دولار».
نائب رئيس شعبة الاتصالات، حذر من أن «الاكتفاء بالتصنيع أو التجميع المحلى دون التوجه الجاد نحو التصدير قد يدفع الدولة خلال عامين إلى فرض جمارك على الهواتف المجمعة محليا، كما حدث فى تجارب دول أخرى»، مؤكدا أن التصنيع يجب أن يكون وسيلة لتقليل فاتورة الاستيراد وليس مجرد تغيير فى شكلها.
من جانبه، أكد طاهر عبدالحميد، الخبير الاقتصادى، أن «الدولة نجحت خلال الفترة الماضية فى حماية صناعة الهواتف المحمولة المحلية، بعد إغلاق ثغرات التهريب بشكل كامل، إلى جانب تقديم حوافز واضحة للمصانع العاملة داخل مصر، ما أسهم فى توفير بيئة مستقرة للتصنيع»، مضيفًا أن «قرارات حماية الصناعة لم تعد محل جدل، فى ظل السيطرة على عمليات التهريب ودعم المصانع، إلا أن التحدى الحقيقى فى المرحلة الحالية يتمثل فى حماية المستهلك من ارتفاع الأسعار».
وحول أسباب استمرار ارتفاع أسعار بعض الهواتف فى السوق المحلية مقارنة بدول مجاورة، رغم تصنيعها أو تجميعها داخل مصر، أشار «عبدالحميد» إلى أن محدودية حجم الإنتاج لدى بعض المصانع ترفع تكلفة استيراد المكونات، مؤكدا أن الشركات العالمية الكبرى تستفيد من ضخامة حجم طلباتها وتحصل على أسعار أقل للمكونات، فى حين تضطر المصانع الصغيرة لدفع أسعار مرتفعة تقترب من تكلفة الجهاز الكامل، ما ينعكس على السعر النهائى للمستهلك. وشدد «عبدالحميد» على أهمية فتح حوار مباشر مع الشركات المصنّعة للوصول إلى تسعير عادل، خاصة للهواتف التى يقل سعرها عن 200 دولار، والتى تمثل أكثر من 70 فى المائة من سوق الهواتف فى مصر، معتبرا أن دعم هذه الفئة هو السبيل الأساسى لتحقيق رضا المستهلك المصرى.