«مؤشرات اقتصادية تتحسن، وإشادات دولية تتوالى» لتعكس ثمرة نجاح إصلاح اقتصادى شامل، وهو إصلاح لم يقتصر على إصلاح هيكلى ونقدى ومالى ولكن إصلاح تشريعى وبنية تحتية نجحت فى تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلية واستقرار معدلات التضخم وزيادة معدلات التدفقات المالية عبر تحويلات المصريين بالخارج والتدفقات الاستثمارية بما يؤكد على نجاح السياسات الاقتصادية والإصلاحات الهيكلية فى برنامج الاصلاح الاقتصادى المصرى.
الإشادات الدولية تنوعت بين إشادة بالسياسات النقدية وتعزيز الاحتياطى للنقد الأجنبى، وتحسين ميزان المدفوعات، وقدرة الاقتصاد المصرى على التعامل مع التوترات الخارجية، هو ما ذكره صندوق النقد الدولى ليتوقع نمو الاقتصاد المصرى إلى 4.7 فى المائة فى 2026، فى حين توقع البنك الدولى نمو الاقتصاد المصرى إلى 4.3 فى المائة، وارتفع توقعات فيتش سوليوشنز للناتج المحلى الإجمالى إلى 5.3 فى المائة.
أما مؤسسة «بلومبرج» و«جولدمان ساكس»، فأثنت على نجاح مصر فى الحفاظ على استقرار الجنيه المصرى عند مستويات قوية، وفى الوقت ذاته تراجع التضخم، مع الارتفاع فى كلٍ من الإيرادات السياحية تحويلات المصريين بالخارج، فما ركزت مؤسسة «موديز» على مرونة سعر الصرف والاحتياطات الأجنبية، لتعبر هذه الإشادات عن نظرة إيجابية تجاه استدامة النمو، وعن واقع حقيقى بنجاح برنامج اصلاح اقتصادى فى تعافى الاقتصاد المصرى وتعزيز ثقته الدولية وارتفاع معدلات نموه.
تحسين المؤشرات الاقتصادية سواء على مستوى السياسات النقدية أو السياسات المالية شمل جوانب عدة، كالاستقرار النسبى لسعر الصرف، فى ظل ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، بما يعنى استدامة موارد النقد الأجنبى، ليرتفع احتياطى النقد الأجنبى إلى ما يزيد عن 51 مليار دولار، وفى الوقت ذاته تراجع سعر الدولار إلى ما يقارب 47.5 جنيه مقارنة بـ51 جنيهًا فى بداية 2025، وتوطين الصناعة والصناعات التكميلية، بما ينعكس فى زيادة الإنتاج المحلى ونمو الصادرات، وتحقق فائض فى المعاملات التجارية، لتنخفض الفاتورة الاستيرادية، ويتقلص عجز الموازنة، وفى القطاع السياحى ارتفعت إيراداته إلى 16.7 مليار دولار بزيارة أكثر من 18 مليون سائح، مع مستهدفات للوصول إلى 50 مليون سائح و50 مليار دولار إيرادات، وفى القطاع الزراعى تم إضافة 3 ملايين فدان للرقعة الزراعية فى عامين، ولا يزال يُستهدف 17 مليون فدان.
فى هذا السياق، قال الدكتور محمدالبهواشى، الخبير الاقتصادى، إن «الدولة المصرية خلال الفترة الماضية بدأت فى ثورة إصلاحية، لأنها لم تتوقف عند الإصلاح الاقتصادى فقط، ولا التشريعى، ولا على مستوى بنية تحتية، ولكنها خططت ونفذت إصلاحًا على عدة مستويات اقتصادى وتشريعى وبنية تحتية واستهداف استثمارات وتقليل عقبات، وجميع هذه الإصلاحات جعلت من الدولة المصرية بيئة قادرة على استحداث اقتصاد جديد».
وعن مصطلح «الاقتصاد الجديد»، أوضح «د. محمد»، أنه «المقصود به الاستخدام الأمثل للموارد وبنية تحتية ملائمة للصناعات المتطورة الجديدة، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، وهو ما كان له تأثير مباشر فى ما يتم جنيه اليوم من تحسن فى مؤشرات الاقتصاد الكلى»، مضيفًا أنه «تُرجم تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلى فى الاحتياطى النقدى غير مسبوق، ومعدل منخفض من التضخم؛ حتى وإن كان ارتفع فى وقت من الأوقات تقدر الدولة فى تحجمه باستخدام أدواتها وآلياتها، وسعر الفائدة هناك مرونة فى التعامل بالسياسات النقدية بشيء من الإيجابية للمستهدفات لتقليل وتحجيم معدلات التضخم نتيجة الأزمات العالمية، وفى معدل النمو الاقتصادى، ففى ظل تراجع اقتصادات العالم ظلت مصر محافظة على معدلات النمو الخضراء الإيجابية، وهى جميعها مؤشرات إيجابية للاقتصاد المصرى».
وبين «د. محمد»، أنه «فى ظل الأزمات والصراعات العالمية مصر كانت قادرة على التعامل معها، فمنذ 2020 ومع الأزمات المتلاحقة تعاملت مصر بسياسات تحويل المحن إلى منح، ففى جائحة كورونا ورغم وجود إغلاق على مستوى العالم؛ نجحت مصر فى تسليط الضوء عليها باعتبارها سلة الغذاء للاتحاد الأوروبى، وفى الحرب الروسية الأوكرانية، سلطت مصر الضوء على نفسها باعتبارها بديلاً أمثل لتوريد الغاز المسال إلى الاتحاد الأوروبى؛ باستخدام محطات الإسالة التى توقفت فى مصر نتيجة عزوف المستثمر بعد عدم سداد المديونيات».
وأضاف أن «الدولة تعاملت بجدية فى سداد مديونات الشريك الأجنبى، فالقيادة السياسة وجهت بسداد المديونيات، والحكومة وضعت خططًا لتنفيذها، بالإضافة إلى تسهيل تعاملات المستثمرين، وفض الاشتباكات بين المستثمرين والقطاع الحكومى، وإعطاء الشريك الأجنبى حصته، وهو عامل مهم فى تشغيل البنية التحتية لمحطات الإسالة الوحيدة فى المنطقة»، مشيرًا إلى أن «تحسن المؤشرات الاقتصادية حتى وإن كانت هناك قلاقل سياسية محيطة فى الدول المجاورة، لكن مصر قادرة بعلاقاتها الدبلوماسية المتميزة جدًا، على زيادة حجم التبادل التجارى، والاستثمار الأجنبى المباشر، وزيادة الصادرات، هى أمور جعلتنا نعتمد على المكون المحلى، والاتجاه إلى توطين الصناعات، وأن يصبح الاقتصاد المصرى هو المنتج فى أغلب القطاعات، وهى جميعًا مؤشرات تؤكد على تحسين الاقتصاد المصرى فى 2026 بقدر أكبر من 2025».
«البهواشى»، أكد أن «إشادات المؤسسات الدولية فى الاقتصاد المصرى، وهو مؤسسات تصنيف حكومية أو أممية، مثل الصندوق الدولى أو مؤسسات تمويلية دولية متخصصة مثل ستاندر أند بورز أو فيتش أو موديز، هى مؤسسات متشددة فى تصريحاتها وتقاريرها التى تصدر وتحديدًا لدول الشرق الأوسط، وبالتالى تقريرها جادة وحقيقية ومعبرة عن الواقع، وتقرير هذه المؤسسات شهدت نظرة مختلفة بعد تطبيق النهج الإصلاحى الاقتصادى».
كما نوه الخبير الاقتصادى، إلى أن «النظرة السلبية لهذه المؤسسات انتقلت إلى الإيجابية، فمع تطبيق البرنامج الإصلاحى وتحسن المؤشرات، أصبح كل يوم إشادة جديدة من هذه المؤسسات، لتصبح شهادات ثقة، حتى أنها تحولت إلى المرجع الأساسى للمستثمرين على مستوى العالم»، لافتًا إلى أن «المستثمر لن يضخ استثمارات فى بلد به مشاكل، لأنه حتى وإن حقق ربحية لكن المؤشرات الاقتصادية السلبية ستقلل من قيمة الربحية، وإن ارتفع معدل التضخم سوف يلتهم ما يتم تحقيقه من ربحية، لو البنية التشريعية غير متوائمة يمكن ألا يخرج بأمواله، وهى مخاوف يحملها كل مستثمر قبل بدء نشاطه الاستثمارى».
وتابع: لكن مصر نجحت فى تعديل كافة هذه الثغرات وحولتها لإيجابيات كانت سببًا فى جذب مزيد من التدفقات الاستثمارية فى الفترة الأخيرة، كالشباك الواحد والرخصة الذهبية، وهو نهج إصلاح تم تطبيقه وعبرت عنه المؤسسات الدولية بإشادات فى تقريرها، والعام الماضى شهدنا أكثر من ألف مستثمر من دول الاتحاد الأوروبى جاءوا ليبحثوا عن فرص استثمارية فى الداخل المصرى، بسبب التنوع الذى تمتلكه مصر فى كافة القطاعات، سواء النفطى والسياحى والزراعى والاتصالات وغيرها، فكل هذه القطاعات يعد اقتصادًا فى حد ذاته، فالتنوع واتجاه الدولة نحو الاستدامة بجانب الاقتصاد الأكثر تكلفة وهو الاقتصاد الأخضر يمثلان شكل الاستدامة، وهو ما يتناسب مع طلبات المستثمرين على مستوى العالم.
وعن تنوع القطاعات الاقتصادية لجلب العملة الأجنبية التى سعت الدولة المصرية لتوفيرها قال «د. محمد»: عند تحديد مصادر العملات الأجنبية سنجد مصادر عدة منها الصادرات وهو ما عملت عليه الدولة بشكل جيد، عبر القطاع الصناعى والإنتاجى وحتى الخدمى، وشملت الصناعات والصناعات التحويلية والزراعة والتصنيع الزراعى وقطاع التكنولوجى والخدمات، والجانب الثانى هو تحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، فرغم أنها تأثرت بنسبة 70 فى المائة، مع زوال الأزمة ومع التطوير بتزويد الأعماق والناقلات وغيرها من الأمور اللوجيستية جعلت من قناة السويس مغنمًا أكثر لتحقيق حركة سيولة للتجارة العالمية، وحدث ارتفاع فى معدلات إيرادات قناة السويس.
وعن الاستثمارات الأجنبية المباشرة قال: نعول عليه بشكل كبير جدًا، فعلى مدار العام السادس تحتل مصر الواجهة الأولى لتدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر لمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط نتيجة للإصلاحات الكثيرة التى نفذتها الدولة، والتنوع المقدم فى الاستثمارات فى قطاعات متعددة، مع الأخذ فى الاعتبار أن نهاية العام الماضى شهدت طفرة فى قطاع السياحة المصرية، وتحديدًا مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، وهذه الطفرة جاءت نتاج النهج المغاير الذى تم تطبيقه فى التسويق للحركة السياحية داخل مصر، بل والدخول فى عدد من الاستثمارات السياحية على ساحل البحر المتوسط التى ستعمل على مزيد من السياحة الساحلية خلال الفترة القادمة.
بدوره، قال الدكتور محمدالشيمى، الخبير المصرفى: الاقتصاد المصرى يؤثر ويتأثر بالاقتصادات العالمية، وهذه الاقتصادات تمر بمشكلات عديدة بدأت منذ جائحة كورونا، وظهرت تأثيراتها فى 2022 واستمرت حتى الآن مع الحرب الروسية الأوكرانية وحروب منطقة الشرق الأوسط، فى غزة وإسرائيل وإيران والحرب فى السودان، وهو ما أحدث انعكاسات سلبية على الاقتصاد المصرى رغم برنامج الاصلاح الاقتصادى الذى أحدث تغييرات جذرية لنمو اقتصادى قوى.
وتابع «الشيمى»: مصر بدأت بعد برنامجها للإصلاح الاقتصادى حقبة تعتمد على سواعدها، وسعى الاقتصاد المصرى جاهدًا ليقف على قدميه، وبدأ الخطوة الأولى بتحرير سعر الصرف، وتدعيم الصناعة والصناعات التكميلية، وزيادة حجم الصادرات، وتطوير السياحة، وزيادة التدفقات الأجنبية عبر تحسن مؤشرات تحويلات المصريين فى الخارج، ومؤشرات الصادرات وتقليل حجم الواردات وغيرها من المؤشرات الاقتصادية وفقًا للأرقام والإحصاءات.
لم ينكر «د. محمد»، أن المواطن المصرى لا يزال لا يستشعر ولا يلمس تحسن هذه المؤشرات والإيجابيات بشكل كبير، لكن عندما ننظر لسعر الدولار الأمريكى، فبعد أن كان الدولار مقابل 50 جنيهًا، وكان هناك توقع أن يرتفع إلى أكثر من ذلك، نجد أن سعر الدولار يستقر عند 47 جنيهًا، ومن المتوقع أن ينخفض ويتراجع إلى 46 و45 مع نهاية هذا العام. على حد قوله.
الخبير المصرفى لم يغفل مؤشر ا آخر وهو توطين الصناعة لعدد من المنتجات، حيث قال: الصناعات ركيزة أساسية فى الاقتصاد المصرى وتعمل على ارتفاع معدل النمو واستدامته، فتدخل الدولة المصرية بقوة فى صناعة السيارات وصناعة الإلكترونيات، وهو أمر جيد، بالإضافة إلى توسيع الرقعة الزراعية، وتوفير السلع الغذائية؛ فعلى سبيل المثال مصر تدخل الاكتفاء الذاتى فى القمح، وهو ما يعنى اختفاء التبعية الاقتصادية للدول التى نستورد منها القمح.
كما أكد أن «الاقتصاد المصرى يتحسن رغم استمرار الصراعات والتحديات الإقليمية والصراعات العالمية، وهو ما يجعلنا لا نشعر بحجم التطور الذى يحدث فى الاقتصاد المصرى، فالاقتصاد يتطور وأدواته وآلياته تتطور، كما أن بيئة العمل المصرى تتطور سواء البيئة الصناعية أو الاقتصادية أو المالية تتحسن، هذا التطور يشمل البنية التحتية والتشريعات والإجراءات والمحفزات المقدمة للمستثمر والعمالة وتطويرها وتدريبها.
هذا التطور فى بيئة العمل، حسبما أوضح الخبير المصرفى، سينعكس فى تقديم سلع وخدمات على مستوى عالٍ من الجودة والكفاءة، وفى الوقت ذاته متوفرة ومتاحة وبأسعار تنافسية، وبالتالى يقل الاستيراد على أن يتم بتصدير الفائض من هذه المنتجات للأسواق الخارجية لجلب مزيد من العملات الأجنبية.
كما أكد «د. محمد»، أن «ما تم طرحه من تحسين المؤشرات الاقتصادية المصرية ليست تقريرًا حكوميًا أو تقريرًا داخليًا، ولكن هذا التحسن فى المؤشرات تم التأكيد عليه من قِبل المؤسسات المالية العالمية التى أشادت بالاقتصاد المصرى، حتى إنها توقعت معدلات نمو مصرية تصل إلى 5 فى المائة فى مصر فى ظل الدول المحيطة توقف معدل النمو لديها 1 فى المائة، كما أعلنت هذه المؤسسات عن انخفاض معدلات البطالة والتضخم، فهى مؤشرات إيجابية تشيد بها هذه المؤسسات العالمية»، مشددًا على أن «تحسين المؤشرات الاقتصادية وإشادة المؤسسات الدولية بها، مؤشرات ذات عدل وحقيقية لا تجامل ولا تنافق، وبالتالى هى مرآة تعكس حجم الإنجازات المتحققة التى يتم البناء عليها من أجل مزيد من التحسن، فهى حافز للدولة المصرية لمزيد من العمل ومزيد من تحسين المؤشرات الاقتصادية المصرية».