إزاء هذا التدفق والتنوع، يكون على النقد مواكبة النص، واضعا آليات لتلقيه، والكشف عن غثه من ثمينه، وجيدة من رديئة، وسطحية من عميقه، يعنى وضع آليات نقدية جديدة تناسب الصيغة / الصيغ الجديدة للنص.
فى المقابل علينا أن نوسع من دائرة النقد كاشفين عن طبيعته بوصفه وعيا لا تطور إلا به، وعى يجب أن يكون قائما فى كل أنواع النشاط الإنساني، وعى يتحقق فى كل العلوم بلا استثناء، وهو ما يعنى – بالضرورة – ومن باب أولى أن يطور النقد الأدبى نفسه مواكبا للنصية الجديدة، ومؤهلا نفسه للقيام بدوره التنويرى فى الوساطة بين النصية الجديدة ومتلقيها، ما يعنى أهمية خروج النقد من قوقعته، ومن وقوفه عند النص التقليدى.
ولأن النقد ليس بمعزل عن كل أنواع النشاط الإنسانى فإن من حق النصوص الجديدة بكل أشكالها وكل توجهاتها أن تلقى نصيبها من النقد، وأن يعمل النقد أدواته مواكبا نصوص العصر، مراجعة وتقييما وتقويما.
تيك توك (Tik Tok) تطبيق يعد منصة اجتماعية لمشاركة الفيديوهات القصيرة، المنصة صينية المنشأ مملوكة لشركة بايت دانس الصينية (يعرف فى الصين باسم (Douyin) يتيح لمستخدمه تقديم فيديوهات تتراوح مدتها بين ثلاثة ثوان وستين دقيقة، تم إطلاقه فى السوق الصينية (سبتمبر 2016) قبل أن يتم طرحه لنظامى تشغيل الهواتف المحمولة (ios و Android) ( 2017 ) داخل الصين، بعدها تم طرحه ليكون متاحا عالميا بعد اندماجه مع منصة مشاركة الفيديو ميوزكلي (2 أغسطس 2018)، بعدها أصبح واحدا من أشهر منصات التواصل الاجتماعى، وكان لسهولة استخدامه عاملا أساسيا لانتشاره، وكثرة تداوله على نطاق واسع وخاصة فى المجتمع العربى.
إن مجرد نظرة عابرة للتيك توك تكشف عن كم هائل من النصوص المنتجة يوميا، التيك توك واحد من التطبيقات الإلكترونية منتجة النصوص الرقمية، وحتى الذين ليس لديهم خبرة بالتطبيقات وخوارزميتها وكيفية إنتاجها، هم قادرون على استخدام التطبيق فى إنتاج النصوص الرقمية بسهولة، وهو ما يعنى مشاركة الجميع من مختف الأعمار ومختلف المستويات الثقافية فى الإنتاج، ما يحول الجميع إلى منتجين قبل أن يكونوا متلقين، وهو ما يوسع دائرة الإنتاج على حساب دائرة التلقى، فالمنتج غالبا لا يحرص على التلقى مثل المتلقى غير المشارك فى الإنتاج النصي.
فى إنتاجها تخضع نصوص التيك توك لمنطقين:
منطق الاجتزاء، حيث هذه النصوص فى الأصل كانت برامج أو ملفات فيديو طويلة سابقا، وهو ما نجده فى المقاطع المجتزأة من برنامج “العلم والإيمان” أو الحوارات السابقة للدكتور مصطفى محمود، أو من حلقات تفسير القرآن الكريم للشيخ الشعراوي، والمنطق نفسه ينطبق على المقاطع المترجمة من لغات أخرى يوظفها مترجموها لأداء وظيفة معرفية.
منطق الإنتاج المقصود، وهو الغالب على فيديوهات التيك توك ومقاطعه، تلك المنتجة خصيصا للتيك توك وحسب متطلباته الفنية.
ويضعنا المنطقان إزاء نوعين من النشاط يمثلان وضعيتين للمنتج نفسه، وهما وضعيتان تحيطان بكل أنواع الطرح التيك توكي:
وضعية الإنتاج: حيث يتيح تطبيق التيك توك للمستخدم تصوير الفيديوهات القصيرة وإنتاجها بوصفها نصوصا تحمل خطابا متنوعا للمشاهد أو لنقل بدقة للآخرين على اتساع فئاتهم.
وضعية النقل: وهنا يكون المنتج مجرد ناقل، يقوم بتجميع المقاطع وإعادة تدويرها دون التدخل فى محتواها.
وفى كل الأحوال فإن معطيات التيك توك تمنحنا يوميا فائضا من النصوص الرقمية، تلك التى تتدفق على مدار الساعة، ويتداولها المتلقون بنوع من الشغف مستهلكين ساعات طويلة فى تداولها والانكباب عليها وربما إضاعة الوقت فيها.
وبعيدا عن سلبياتها وآثارها الصحية السيئة فإنها نصوص قابلة للنقد، وقابلة للتداول النقدي، وقابلة للمناقشة العلمية، وهو ما يجب على النقد مقاربته والاشتغال عليه، عل النقد يوما يستطيع أن يقول كلمته المؤثرة فى هذا التدفق كاشفا عن مناطق القوة، ومؤثرا فى مساحات التلقى.
إن دورا أساسيا له أهميته يقع على عاتق النقد بداية، على النقد أن يضع المعايير، وأن تكون مقاربته بداية نوعا من التأسيس لمعايير نقدية تكون صالحة لأن يعتمدها المتلقى ذاته، فالنص هنا ربما لا يتطلب تأويلا عميقا، فالمنتج أحيانا لا يملك قدرا من العمق بالأساس.
وضع المعايير سيكون من الأهمية بمكان أن يضع فى يد المتلقى أدوات لها طابعها التقييمى والتقويمى فى الوقت نفسه، وهى معايير تعتمد على عدد من الأسئلة البسيطة والمنطقية:
أولا: سؤال النتيجة أو سؤال العائد: ماذا أفدت منها؟، ما المحصلة، أو ما أهم نواتج التلقي؟ وهل ضاع الوقت أم كان مثمرا؟
ثانيا: سؤال الكيفية، وهو سؤال نقدى بالأساس، يعنى كيف استثمر المنتج موهبته وقدراته الفنية فى تقديم نصه، وأى لغة اعتمدها للتقديم وأى مادة علمية وظفها، فالنص قبل كل شيء كاشف عن صاحبه وقدراته، وطرائق توظيفه لمعطيات العصر وأسس الفن، وما الأدوات الاتصالية التى يعتمدها المنتج لتقديم خطابه بصورة جمالية يكون لها تأثيرها الجمالى وتعبر عن ذائقته.