في مشهد مناقض لطبيعة فصل الشتاء، تشهد مصر في الأيام الأولى من شهر فبراير موجة ارتفاع غير معتادة في درجات الحرارة، حيث تقترب العظمى في غالبية المناطق من 30 درجة مئوية، بل وتتجاوزها أحيانًا، لتتحول الأجواء الباردة إلى طقس أقرب للصيف.
وأكدت الهيئة العامة للأرصاد الجوية استمرار هذه الموجة خلال الأيام المقبلة، مع تسجيل القاهرة الكبرى نحو 30 درجة مئوية، ما يفتح باب التساؤلات حول أسباب هذا التقلب المناخي وعلاقته بالظواهر الجوية والتغيرات المناخية العالمية.
ومن جانبه، أكد الدكتور علاء سرحان، أستاذ اقتصاديات البيئة وعلوم المناخ، أنه يجب التفرقة بين الأحوال الجوية اليومية والمناخ على المدى الطويل؛ فحين نلاحظ ارتفاع درجة الحرارة في يوم أو عدة أيام، لا يمكن الجزم فورًا بأن ذلك نتيجة مباشرة للتغيرات المناخية، لأن الحكم على المناخ يتطلب رصدًا طويل المدى يعتمد على سلاسل زمنية ممتدة لسنوات طويلة، تشمل درجات الحرارة والرطوبة وغيرها من العناصر المناخية.

أما التغيرات المناخية، فيوضح الدكتور سرحان، في حديث لـ«دار الهلال» أنه يتم تقييمها من خلال مقارنة البيانات المناخية منذ الثورة الصناعية وحتى الوقت الراهن، حيث تشير الدراسات إلى أن متوسط درجة حرارة كوكب الأرض ارتفع بأكثر من 1.5 درجة مئوية، ويقترب من درجتين مئويتين، وهو ما تم التحذير منه خلال اتفاق باريس للمناخ عام 2015.
وأشار إلى أن البيانات الحديثة أظهرت أن عام 2025 سجل أعلى متوسط لدرجة حرارة الأرض مقارنة بجميع السنوات السابقة، متجاوزًا الأرقام القياسية التي تم رصدها تاريخيًا، حيث كانت كل سنة جديدة تشهد ارتفاعًا أكبر من سابقتها، وهو ما يعكس تسارع ظاهرة الاحترار العالمي بشكل غير مسبوق.
ومع ذلك، فإن ارتفاع درجات الحرارة في يوم بعينه لا يمكن إرجاعه بالضرورة إلى التغيرات المناخية فقط، كما يضيف الخبير البيئي، فقد يكون نتيجة لظواهر جوية أخرى، مثل ظاهرة "النينيو" التي ترتبط بتغيرات في درجات حرارة سطح المحيط الهادئ، وتؤثر بشكل مباشر على أنماط الطقس حول العالم، إلى جانب تأثير المنخفضات الجوية والكتل الهوائية المختلفة.
لكن المؤكد علميًا أن التغيرات المناخية تؤدي إلى ما يُعرف بـ"الظواهر الجوية المتطرفة"، حيث نشهد موجات حر شديدة في الصيف، وفترات برودة قاسية في الشتاء، وأمطار غزيرة في بعض المناطق، يقابلها جفاف شديد في مناطق أخرى، وهو ما أصبح واقعًا ملموسًا في العديد من دول العالم، بحسب سرحان.
وفي ظل هذه التغيرات، يضيف أنه لم يعد مفهوم الفصول الأربعة التقليدية مستقرًا كما كان في السابق، وهو ما يستدعي إعادة النظر في العديد من القطاعات المرتبطة بالمناخ، مثل الزراعة والسياحة والصيد، إذ تعتمد هذه القطاعات بشكل مباشر على استقرار الأحوال الجوية، كما يتطلب الأمر إعادة تخطيط المواسم السياحية وتسويقها بما يتوافق مع التغيرات المناخية الجديدة.
وخلاصة القول، برأي سرحان أنه لا يمكن الحكم على أن ارتفاع درجات الحرارة في يوم واحد يعود إلى التغيرات المناخية بشكل قاطع، بل يجب الرجوع إلى بيانات تاريخية تمتد لعقود، ومقارنة درجات الحرارة في التوقيت نفسه عبر السنوات الماضية للوصول إلى استنتاج علمي دقيق.