تشهد العلاقات بين أوروبا والرئيس الأمريكى دونالد ترامب حالة متصاعدة من التوتر. فمع كل تهديد وتصريح هجومي، تتسع فجوة الثقة بين أوروبا وواشنطن. ويبدو أن الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، أكثر من أى رئيس دولة آخر، يسير فى مسار تصادمى مع ترامب.
تواجه أوروبا تراجعًا فى نفوذها وسط الحرب «الروسية _ الأوكرانية» والتوترات التجارية والتقاعس عن العمل المناخي، فضلاً عن إدارة أمريكية لا تتوانى عن توجيه الإهانات لأقدم حلفائها. خلال خطابه فى منتدى «دافوس»، قال «ترامب» إن «الدول الأوروبية تدفع أثمانا قليلة لشراء الأدوية على حساب الولايات المتحدة»، كاشفا أن الأمر احتاج منه ثلاث دقائق فقط لإجبار ماكرون على الانصياع لرفع أسعار الدواء.
لم تقف الأمور عند هذا الحد بل سخر «ترامب» كذلك من ارتداء الرئيس الفرنسى لنظارات الطيارين الشمسية مازحًا أنه «أراد أن يبدو قويًا»، ذلك بجانب نشر صور لمقتطفات من رسائل بعثها إليه «ماكرون» علنًا تظهر محاولات ماكرون لاسترضائه. من جانبه، وصف ماكرون ما تقوم به الولايات المتحدة من تهديدات جمركية بأنها «ابتزاز غير مقبول»، مؤكداً أن «فرنسا لن تخضع للمتنمرين، أياً كانت قوتهم».
وقد نشبت خلافات متكررة بين زعيمى واشنطن وباريس، تفاقمت من جانب ترامب بالإهانات والتهديدات والسخرية العلنية. وقد نجح ماكرون فى تهدئة هذه الخلافات، من خلال الاستمالة والإطراء، لكن نهج «ترامب» العدائى فى العلاقات عبر الأطلسى زاد من حدة التصادم بين الجانبين. حتى الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية الأوروبية، التى كانت موالية لترامب ، تنأى الآن بنفسها عنه بسبب العملية العسكرية فى فنزويلا ومساعيه لضم جرينلاند.

وقد سعى قادة الاتحاد الأوروبى حتى الآن جاهدين لمنع «ترامب» من تحويل خلافاتهم التجارية والدبلوماسية إلى شرخٍ كامل فى العلاقات عبر الأطلسي. وقد جاء ذلك على حساب انتكاسات دبلوماسية واقتصادية. فعلى سبيل المثال، تم تهميشهم من محادثات السلام مع أوكرانيا رغم كونهم أكبر داعمين عسكريين وماليين لكييف، كما وافقوا على اتفاقية تجارية غير متكافئة مع الولايات المتحدة.
وتهدف أوروبا إلى إعادة رسم علاقاتها عبر تعزيز استقلالها الاستراتيجي، فك الارتباط الجزئى عن واشنطن، وتعميق التعاون الداخلى مثل الاتفاق بين ألمانيا وإيطاليا، والتحول نحو شركاء آخرين مثل التوقيع على اتفاقية تجارة حرة تاريخية مع تجمع ميركوسور لدول أمريكا الجنوبية، وهى اتفاقية طال انتظارها، واكتسبت أهمية ملحة فى الأشهر الأخيرة لتوفيرها حصنا لأوروبا فى مواجهة سياسات ترامب الحمائية. ومع ذلك تظل الولايات المتحدة أكبر شريك تجارى لأوروبا.
كذلك رغم تعهد القارة بزيادة الإنفاق الدفاعى لكسر اعتمادها الأمنى على الولايات المتحدة إلا أنها اصطدمت بحقيقة مُرة، وهى أنها لا تزال بحاجة إلى واشنطن لضمان اتفاق سلام مستدام لأوكرانيا ولأمنها القارى ضد أى هجوم روسى محتمل فى ظل افتقارها إلى القدرات الاستخباراتية والدفاعية الصاروخية والإنتاجية اللازمة للدفاع عن نفسها.

من فرنسا، أوضح الدكتور طارق وهبي، خبير العلاقات الدولية، أن «العلاقة بين ترامب وماكرون علاقة مليئة بالتناقضات، فبينما تؤثر الدولة العميقة الأمريكية على سياسة ترامب، يحاول الرئيس الفرنسى أن يصوب النقاش حول المشاكل الدولية والعالقة والتى تشكل نفورًا على الصعيدين الأوروبى والعالمي، خاصة أن صعود الأحزاب الشعبوية فى أوروبا إن كانت يمينية متطرفة أو يسارية راديكالية لا يساعد بآلية التخاطب بين القارة العجوز وأمريكا، وقد ظهر الموقف الموحد من كل الكتل النيابية فى البرلمان الأوروبى، عندما قرر الرئيس الأمريكى فرض ضرائب تتخطى 200 فى المائة على المنتجات الفرنسية وبعض الدول الأوروبية بعد أن قررت القيام بتدريبات عسكرية فى جزيرة جرينلاند».
«وهبي» أشار إلى أن «كل هذه الأحداث دفعت بالقادة فى أوروبا لاتخاذ موقف موحد لأن ترامب تخطى حتى الخطوط الحمراء، وبدأت تبحث ليس عن بديل لأمريكا، ولكن آلية تعاطٍ جديدة تحمى مصالح أوروبا ولا تتناقض مع المصالح الأمريكية؛ لأن أوروبا لا تزال ضعيفة فى الشق العسكرى والأمني، وهذه المظلة الحامية عسكريًا والمتمثلة بحلف "الناتو" أصبحت رهانا بالبقاء أو الانسحاب».
كما أكد خبير العلاقات الدولية، أن كل الرهانات الترامبية لزعزعة الحلف غير واقعية؛ وذلك لأن أمريكا هى منْ أوجدت الحلف وتتحمل المسئوليات الكبرى. أما الدول المنخرطة فهى تابعة حتى بتسليحها المشترى من أمريكا. وأن ما صدر عن الرئيس ماكرون بإنشاء عمود أمنى عسكرى فى أوروبا ما هو إلا استعادة لبعض من السيادة العسكرية التى اندحرت بعد السيطرة الكاملة الأمريكية على التفاصيل العسكرية المتخصصة فى القوات الجوية والاستخبارات والاتصالات المشفرة وغيرها من تطبيقات الذكاء الاصطناعى الذى أدخل العالم بمرحلة جديدة ومتقدمة قد تكون بعد نتائجها غير متوقعة وفق المخططات.
وتابع «وهبي»: كل الاتفاقات التجارية بين أوروبا وأمريكا على المحك. ولا يجب أن ننسى أن هناك من يراقب عن كثب ذلك، وهى الصين التى ترغب بهذه الحرب التجارية لتكون بديلاً فى كلا الطرفين. ويجب أن نبنى على خطاب الرئيس ماكرون فى دافوس الملقى باللغة الإنجليزية لكى يسمع العالم أن فرنسا ومن ورائها أوروبا ليستا عاجزتين عن إيجاد طرق وسبل للوصول إلى تفاهمات ترضى الأطراف، ولو ببعض الخسارات من هنا أو هناك. وأن ردات الفعل فى العالم أصبحت واضحة أن أمريكا ترامب هى مرحلة يجب الانتظار لكى ترحل، ولو أن الدولة العميقة الأمريكية تفكر بمفهوم ترامب: "أمريكا الأكبر والأقوى". لذلك العالم الآن يتعلم كيف يستطيع أن يتأقلم مع المزاجية المفرطة وهذه الواقعية الاستعراضية فى بعض جوانبها التى قدم بها ترامب.
واختتم «وهبى» حديثه مشيرًا إلى أن «الحروب والنزاعات فى العالم خاصة الأخيرة أثبت فشل المنظومة الدولية أى الأمم المتحدة لإيجاد حلول لحماية الأمن والسلم العالميين، فحرب أوكرانيا، غزة، وفنزويلا، والآن جرينلاند وضعت القوى الفاعلة فى مجلس الأمن أمام الذهاب إلى حوكمة جديدة وإصلاحات فى المجلس وحتى فى الجمعية العمومية للأمم المتحدة. مؤكدًا أن ترامب سيرحل؛ لكن إرثه سيبقى فى ذاكرة بعض السياسيين فى الحزب الجمهورى، وهذا أخطر دلالة أن البعض لا يزال يعتقد أن العلاقات الدولية ليست مصالح بل ضغوطات سياسية واقتصادية تمارسها القوى التى تعمل بمفهوم القوة وليس الدبلوماسية الهادفة إلى توطيد السلام والاستقرار».