فى خطوة تعكس التزام مصر ببرنامجها الاقتصادى مع صندوق النقد الدولى، أعلن الصندوق مؤخرا موافقته على صرف دفعة جديدة لمصر بقيمة 2.3 مليار دولار، بالتزامن مع إعلان بياناته عن التزامات سداد تصل إلى 1.381 مليار دولار خلال الأشهر الخمس المقبلة من فبراير حتى نهاية يونيو 2026، وتشهد الأوضاع الاقتصادية الكلية فى مصر تحسنا ملحوظا نتيجة استمرار السياسات الرامية إلى تحقيق الاستقرار، والتى شملت تشديد السياسة النقدية وضبط السياسة المالية العامة، بالإضافة إلى مرونة سعر الصرف ما أسهم فى خفض معدلات التضخم وتعزيز النمو الاقتصادى.
ورغم هذا الاستقرار، لا تزال وتيرة تنفيذ بعض الإصلاحات الهيكلية، خاصة فيما يتعلق بتقليص دور الدولة والتخارج من الأصول الحكومية أقل من المتوقع، ما يوضح تحديات المرحلة المقبلة أمام الحكومة، كما أن الموافقة على مراجعتى الصندوق جاءت فى وقت حساس وهام، لتشكل شهادة ثقة دولية بالاقتصاد المصرى، وتوفر سيولة إضافية من العملات الأجنبية لدى البنك المركزى، فى ظل الضغوط على مصادر الدولار، خاصة مع التداعيات الاقتصادية للأزمات الإقليمية والحرب الإيرانية وتأثيراتها على قناة السويس.
وفى هذا الإطار، أكد الدكتور على الإدريسى، الخبير الاقتصادى، أن مراجعة صندوق النقد الأخيرة خطوة تعكس تقدماً ملحوظاً فى مسيرة الإصلاح الاقتصادى المصرى، فهذه المراجعة والتى أتاحت لمصر سحب نحو 2.3 مليار دولار تمثل شهادة دولية على نجاح السياسات الاستقرارية التى اعتمدتها الحكومة، وتعزز من قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية، ولعل من أبرز مميزات هذه المراجعة، تحسن الوضع الاقتصادى الكلى بشكل ملموس، فقد ارتفع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى إلى 4.4 فى المائة السنة المالية 2024/2025، مدعوماً بانتعاش واسع النطاق فى القطاعات الرئيسية، كما انخفض التضخم بشكل حاد إلى 11.9 فى المائة فى يناير 2026.
وأوضح «الإدريسى» أن الفضل هنا يرجع إلى السياسات النقدية والمالية المشددة، بجانب مرونة سعر الصرف التى ساعدت فى استعادة الاستقرار الاقتصادى وتعزيز الوضع الخارجى، وهذه الإجراءات لم تقتصر على كبح التضخم فحسب بل ساهمت فى تضييق عجز الحساب الجارى إلى 4.2 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى، مدعوماً بزيادة التحويلات المالية والإيرادات السياحية، ومن ضمن الفوائد التى انعكست على مصر من هذه المراجعة زيادة الاحتياطيات الأجنبية إلى حوالى 51.45 مليار دولار بحلول ديسمبر 2025، مقارنة بـ47.1 مليار دولار فى ديسمبر 2024، ما يوفر حاجزاً أقوى ضد الصدمات الخارجية مثل اضطرابات الشحن فى البحر الأحمر أو التوترات الجيوسياسية فى غزة والسودان وإيران، بالإضافة الى تعزيز الثقة فى السوق.
وأشار إلى أن الإصدارات الخارجية الناجحة تعكس تدفقات قوية للاستثمار الأجنبى المباشر، إلى جانب مستويات قياسية من التدفقات غير المقيمة إلى أسواق الدين المحلية، ما يتيح لمصر فرصا للحصول على تمويلات إضافية مثل صفقة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، والاتفاقية القطرية البالغة 29.7 مليار دولار، والتى ساهمت فى الوفاء بمعايير بيع الأصول المطلوبة من صندوق النقد الدولى، والمراجعة تدعم التحول نحو نموذج نمو مستدام قائم على القطاع الخاص مع التركيز على الإصلاحات الهيكلية، بما فى ذلك تقليص البصمة الاقتصادية للدولة وتوفير فرص متكافئة للمستثمرين.
وقال إنه مع إجمالى التمويلات المصروفة الذى بلغ 5.2 مليار دولار، يمكن لمصر تعزيز الإنفاق على برامج التنمية الاجتماعية والمناخية، بدعم من الاتحاد الأوروبى بمبلغ 4 مليارات يورو، ومرفق البنك الدولى الذى يوفر نحو 7 مليارات دولار، فهذه المراجعة ليست مجرد تمويل إضافي، بل خطوة استراتيجية تعزز الاستقرار والنمو الشامل، ومع ذلك يجب تسريع الإصلاحات لضمان استدامتها ليصبح الاقتصاد المصرى أكثر مرونة أمام التحديات المستقبلية.
من جانبه، أكد الدكتور سيد خضر، الخبير الاقتصادى، أن مراجعة صندوق النقد الدولى لمصر تمثل خطوة حاسمة تجمع بين الإيجابيات الواضحة والتحديات الاجتماعية المنتظرة، فصرف الشريحة الجديدة من التمويلات سيعزز الاحتياطى النقدى الأجنبى مباشرة، مما يعزز الاستقرار الاقتصادى ويزيد الثقة فى أداء مصر أمام الأسواق الدولية، وكل تدفق إضافى من العملة الصعبة يساهم فى تحسين سعر الصرف، وقد يؤدى إلى انخفاض تدريجى لسعر الدولار مقابل الجنيه خلال الأشهر المقبلة، والجنيه المصرى بدأ يستعيد بعض قوته بعد فترة طويلة من الضغوط، مدعوماً بسياسات مرنة لسعر الصرف، وارتفاع التحويلات والإيرادات السياحية رغم التحديات الأخيرة المرتبطة بالأزمة الإيرانية.
فيما أوضح الخبير الاقتصادى هانى أبو الفتوح، أن اجتماع صندوق النقد الدولى مع مصر كان أكثر من إجراء إدارى روتينى فهو مؤشر قوى على قبول المؤسسات الدولية لمسار الإصلاح الهيكلى الجذرى الذى تتبناه مصر، فالدولة وضعت رهاناتها كاملة على طاولة الإصلاح، وما نراه اليوم من دمج المراجعات فى جلسة واحدة يعكس ثقة غير مسبوقة، حيث يرى الصندوق فى مصر «قصة نجاح» تستحق الدعم المكثف لإغلاق فجوات الماضى وفتح آفاق المستقبل، مشيرا إلى وجود أرقام ملموسة تؤكد ذلك حيث وصل الاحتياطى النقدى إلى 52.59 مليار دولار بحلول فبراير 2026، وهو أعلى مستوى تاريخى، ومع صرف الشريحة الجديدة يصبح بمثابة «حائط صد حقيقي» ضد الصدمات الخارجية، مثل اضطرابات الشحن فى البحر الأحمر أو التوترات الإقليمية.
ونوه إلى أن الاقتصاد المصرى شهد تحسناً واضحا إذ ارتفع نمو الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى إلى 4.4 فى المائة فى السنة المالية 2024/2025، وانخفض التضخم إلى 11.9 فى المائة فى يناير 2026، مع تضييق عجز الحساب الجارى بدعم من تحويلات المصريين بالخارج والإيرادات السياحية والسياسات النقدية والمالية المشددة ومرونة سعر الصرف، ما رفع الاحتياطيات إلى نحو 51.45 مليار دولار بنهاية 2025، لكن هناك عدداً من المخاطر الاجتماعية المرتبطة بشروط الصندوق، خصوصاً رفع الدعم تدريجياً عن الوقود والكهرباء والسلع الأساسية، مع تحويل الدعم العينى إلى نقدى موجه، فهذه الإجراءات قد تزيد أعباء المعيشة على المواطن، ولابد من توجيه التمويل الجديد نحو استثمارات منتجة توفر فرص عمل وعائدا مستمرا، مثل المصانع الغذائية أو الصناعية، بدلاً من التركيز على مشروعات البنية التحتية فقط.
وكشف أبو الفتوح عن أن صرف الشرائح الأخيرة يمثل «إشارة خضراء» للمستثمرين الأجانب، ويخفض تكلفة تمويل الديون الخارجية ويعزز تدفق الاستثمار المباشر، والتحدى هنا يكمن فى نقل التحسن من المؤشرات الاقتصادية إلى القوة الشرائية للمواطن، فنجاح المراجعات جاء بفضل المرونة النقدية والسيطرة على عجز الموازنة، مع خطة مستقبلية للحياد التنافسى وتمكين القطاع الخاص، وتسريع الإصلاحات الهيكلية لتجنب العودة إلى أزمات السيولة، لكن فى المقابل فإن الصندوق حذر من تباطؤ بعض الإصلاحات الهيكلية مثل برنامج الخصخصة، وارتفاع الدين العام، وحث على الانتقال نحو نموذج نمو مستدام يقوده القطاع الخاص من خلال تقليص دور الدولة وتوفير بيئة تنافسية عادلة مع الحفاظ على مرونة سعر الصرف وخفض التضخم، وتعزيز الإيرادات، وإدارة الدين بشكل أفضل، مع زيادة الإنفاق الاجتماعى وحماية الفئات الضعيفة.
ومن المقرر أن تجرى المراجعة السابعة فى مايو أو يونيو 2026، وينتهى برنامج التسهيل الممدد فى منتصف ديسمبر 2026 بعد تمديده شهرين، ويتبقى لمصر صرف نحو 4.093 مليار دولار إضافية حال اجتياز المراجعات المتبقية.