فى مشهد رمضانى تتداخل فيه الروحانية بالتنوع الثقافي، بدا صحن الجامع الأزهر وكأنه خريطة مصغرة للعالم الإسلامي، يعكس عالمية رسالة الأزهر الشريف، حيث يجتمع طلاب من أكثر من 120 دولة على مائدة واحدة عامرة بالمحبة والإيمان، نظّمها الأزهر الشريف ضمن برنامجه الرمضانى السنوي، فى صورة تجسد معانى الأخوّة الإسلامية، وتعكس البعد الإنسانى والاجتماعى لرسالته العالمية.
قبيل أذان المغرب بدقائق، لم يكن الطعام هو محور المشهد، بل تصدرت تلاوة القرآن أروقة الجامع، حيث تتعانق الأصوات بلكنات إفريقية وآسيوية وأوروبية، لكنها تجتمع جميعًا على لغة واحدة هى لغة القرآن. فى تلك اللحظات، تتلاشى الفوارق الجغرافية، ويذوب اختلاف الثقافات، ليبقى رابط الانتماء إلى رسالة علمية وروحية واحدة.
ومع اقتراب موعد الإفطار، انتظمت الصفوف فى هدوء وانضباط، وسط تنظيم دقيق أشرف عليه القائمون على المائدة، التى تُقام يوميًّا بإشراف وتنفيذ بيت الزكاة والصدقات المصري، تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف. ويجرى توفير نحو عشرة آلاف وجبة إفطار يوميًّا، فى إطار منظومة متكاملة تراعى الجوانب الصحية والتنظيمية، بما يضمن وصول الخدمة إلى الطلاب فى أفضل صورة.
يحرص القائمون على مبادرة «إفطار صائم» على تنظيم عملية توزيع الوجبات يوميًا بدقة عالية، حيث يتم تجهيز الصفوف مسبقًا وتحديد مسارات الدخول والخروج للطلاب والزوار لضمان الانضباط وسهولة الحركة داخل صحن الجامع. وتشارك فرق مخصصة من المتطوعين والعاملين فى بيت الزكاة والصدقات فى متابعة سير الإفطار، مع توفير أكواب مياه وبطاقات توجيهية للطلاب، ما يعكس اهتمام المؤسسة بكل التفاصيل الصغيرة لضمان راحة المستفيدين.
فيما حرص الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، على مشاركة الطلاب الإفطار، متفقدًا انتظام دخولهم إلى صحن الجامع، ومطمئنًا إلى أحوالهم العلمية والمعيشية. وفى تصريحات لـ«المصور»، أكد أن رعاية الطلاب الوافدين تمثل أحد المرتكزات الأساسية فى رسالة الأزهر، موضحًا أن المؤسسة تنظر إليهم بوصفهم امتدادًا حيًّا لمنهجها الوسطى المعتدل فى العالم.
تجربة إنسانية
الدكتور «الضوينى» قال إن الأزهر لا يختزل مهمته فى تقديم المعرفة فحسب، بل يعمل على تهيئة بيئة علمية وإنسانية متكاملة، تساعد الطالب على التحصيل فى مناخ من الاستقرار والطمأنينة، مضيفًا أن اجتماع الطلاب من قارات مختلفة حول مائدة واحدة داخل رحاب الجامع الأزهر يحمل دلالة رمزية عميقة، تعكس وحدة المقصد وتؤكد عالمية الرسالة. وأوضح أن هذه الصورة العملية للأخوّة الإسلامية تُعد ترجمة حقيقية للقيم التى يدرسها الطلاب فى قاعات العلم.
وأشار وكيل الأزهر إلى أن شهر رمضان يمثل فرصة لتعميق ارتباط الطلاب بالقرآن الكريم، ليس فقط من خلال الدراسة الأكاديمية، بل عبر الممارسة اليومية فى حلقات التلاوة والمراجعة، وهو ما يسهم فى صقل شخصياتهم علميًّا وروحيًّا، ويؤهلهم لأداء دورهم عند عودتهم إلى أوطانهم.
الطلاب الوافدون والمصريون بدورهم عبّروا عن تقديرهم لهذه المبادرة، مؤكدين أن الإفطار الجماعى فى صحن الجامع الأزهر يتجاوز كونه مناسبة غذائية، ليصبح تجربة إنسانية متكاملة.
وأكدت الطالبة المصرية ندى إبراهيم، بكلية أصول الدين والقرآن الكريم، أن مشاركتها فى الإفطار مع الطلاب الوافدين تمنحها شعورًا بالفخر والانتماء للأزهر، مشيرة إلى أن رؤية طلاب من ثقافات مختلفة يجتمعون على مائدة واحدة يعزز لديها قيمة التسامح والانفتاح على الآخر. وأضافت أن تجربة الإفطار الجماعى تعكس روح الأخوّة التى تعلمتها منذ التحاقها بالأزهر، وتمنحها فرصة للتفاعل مع زملاء من أنحاء العالم وتبادل الخبرات العلمية والدينية.
ومن نيجيريا، قال الطالب عبد الله محمد، بكلية الشريعة، إن التجمع اليومى حول القرآن ثم الإفطار يجعل تجربة رمضان فى مصر مختلفة تمامًا عن أى تجربة أخرى، موضحًا أن الاهتمام بالتنظيم والانضباط فى المائدة يعكس تقدير المؤسسة للطلاب ويجعلهم يشعرون بأنهم فى بيتهم الثاني. وأكد أن الروحانية التى تعم المكان قبل الإفطار تمنحه دافعًا إضافيًا للمواظبة على التلاوة والمراجعة اليومية للقرآن.
أما من إندونيسيا، فأوضح الطالب محمد إدريس، إنه يجد فى الإفطار الجماعى تجربة ثقافية وروحية متكاملة، حيث يتيح له اللقاء بزملاء من مختلف القارات وتبادل وجهات النظر والتجارب العلمية والدينية. وأوضح أن الأجواء الرمضانية فى الجامع الأزهر تمنحه شعورًا بالسكينة والانتماء، وأن الالتزام بالنظام والاحترام المتبادل يجعل التجربة أكثر ثراءً وإفادة.
فلسفة الأزهر
الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على الرواق الأزهرى، أكد أن المائدة الرمضانية تعكس فلسفة الأزهر فى الجمع بين العلم والعمل، وبين الجانب الدعوى والبعد الاجتماعي، لافتا إلى أن الأزهر، عبر تاريخه، لم يكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كان دائمًا مركزًا للإشعاع الروحى والإنساني، وأن ما يحدث فى صحن الجامع الأزهر خلال رمضان هو امتداد طبيعى لهذا الدور.
وأضاف أن اجتماع الطلاب من خلفيات ثقافية متعددة حول القرآن ومائدة الإفطار يقدم صورة حضارية عن الإسلام، ويبرهن على أن الوسطية التى يدعو إليها الأزهر ليست شعارًا نظريًّا، بل ممارسة يومية تتجسد فى احترام التنوع والتعايش المشترك، مشيرا إلى أن هذه الأجواء تسهم فى إعداد الطالب الوافد؛ ليكون نموذجًا معتدلًا فى مجتمعه، قادرًا على نشر قيم الرحمة والتسامح.
من جانبه، أوضح الشيخ عبدالعليم أبو بكر، المتحدث الرسمى باسم «بيت الزكاة والصدقات»، أن اجتماع الطلاب الوافدين والمصريين المغتربين وعابرى السبيل على مائدة واحدة يمثل نموذجًا عمليًا لرسالة الأزهر الشريف فى ترسيخ قيم التكافل والرحمة، مؤكداً أن المبادرة مستمرة حتى نهاية رمضان، ضمن رؤية تنموية شاملة تسعى إلى تحقيق أثر مستدام يتجاوز الدعم الآنى إلى بناء مجتمع أكثر تماسكًا وتراحمًا. ولفت إلى أنه سوف يتم تنظيم 3 آلاف وجبة للسحور فى العشرة الأواخر من الشهر الكريم.
ولا يقتصر البرنامج الرمضانى فى الجامع الأزهر على الإفطار الجماعى فحسب، بل يشمل إقامة الصلوات بالقراءات المتواترة، وتنظيم الدروس العلمية والمقارئ القرآنية، إلى جانب أنشطة دعوية واجتماعية متنوعة، بما يعكس شمولية الدور الذى يؤديه الأزهر فى هذا الشهر الكريم. ويؤكد هذا التكامل بين العبادة والعلم والعمل الاجتماعى أن رسالة الأزهر تقوم على رؤية متوازنة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الروحانية والمسئولية المجتمعية.
وفى كل مساء رمضاني، حين ترتفع أكفّ الطلاب بالدعاء قبل الإفطار، وتتداخل أصواتهم بلهجات متعددة، تتجدد صورة الأزهر كمؤسسة عابرة للحدود، تحتضن أبناء الأمة على اختلاف أعراقهم وثقافاتهم، وتمنحهم مساحة مشتركة يتعلمون فيها معًا، ويعيشون قيم الإسلام فى صورتها العملية. هكذا يتحول الإفطار الجماعى من فعالية موسمية إلى رسالة متجددة، تؤكد أن الأزهر كان وسيظل بيتًا جامعًا لطلاب العلم، ومنارةً تُضيء دروب الوسطية والاعتدال فى العالم الإسلامى.