رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«رمضان».. وصوم القيامة .. حكاية الوطن الواحد


9-3-2026 | 12:56

.

طباعة
تقرير: سارة حامد

فى مشهد إنسانى يعكس عمق النسيج الوطنى وروح التعايش الراسخة داخل المجتمع المصري، يتزامن هذا العام صيام شهر رمضان لدى المسلمين مع فترة الصوم الكبير لدى المسيحيين، أو ما يُعرف بـ«صوم القيامة»، لتتحول أيام الامتناع الروحى إلى مساحة مشتركة من التضامن والاحتفال.

وبين أجواء الزينة التى تملأ الشوارع، ومشاركة الجيران فى تعليق فوانيس رمضان إلى جانب تهنئات الصوم، تتجسد صور حقيقية للعيش المشترك فى تفاصيل الحياة اليومية.

وفى عدد من القرى والأحياء، يحرص مسلمون ومسيحيون على تبادل الأطعمة الصيامية التى تتناسب مع طبيعة الصومين، كما تمتد الدعوات إلى موائد الإفطار الجماعية التى تُعد بعناية لتلائم الجميع، فى مشهد تتداخل فيه القيم الدينية مع الروابط الاجتماعية، ولا تقتصر مظاهر المشاركة على الطعام فقط، بل تشمل تبادل الزيارات، والمشاركة فى الأنشطة الخيرية، وتجهيز «شنط رمضان» وتوزيعها على الأسر الأكثر احتياجًا دون تمييز.

هذا التزامن بين الصومين لا يعكس فقط وحدة الهدف الروحى فى السمو بالنفس، بل يخلق أيضًا حالة من الاحتفال الإنسانى المشترك، حيث تتحول المناسبات الدينية إلى جسر للتقارب، يعزز من مفاهيم المواطنة، ويؤكد أن التعايش ليس شعارًا، بل ممارسة يومية يعيشها المصريون فى أدق تفاصيل حياتهم.

كمال زاخر، المفكر القبطى، قال إن التقاء أصوام المصريين مسلمين ومسيحيين هذا العام، رغم كونه محكومًا بحسابات فلكية، لكنه يأتى محملًا بالعديد من الرسائل والمعانى التى تغازل الحميمية المصرية، التى كانت واحدة من التكوين الدينى المتوارث للمصريين، والذى وثقته رقائق مخطوطات الأقدمين وحملته أمثالنا الشعبية بأريحية.

والتاريخ يشهد لنا ولأجدادنا استقبالنا واعتناقنا للأديان التى تأصلت بيننا دون أن نفقد مصريتنا ودون أن نتحول إلى فرق تصادم، نعلى المشترك بيننا ولا نستطيع أن نقفز على أواصر (العيش والملح).

ويضيف: ما زلت أذكر أحياءنا الشعبية التى سجل وقائع حياتها أديبنا العالمى نجيب محفوظ فيما يمكن أن نحسبه دفتر أحوال وطن، وقد شاهدته فى شبابى فيها، كانت الشقة الواحدة يقتسمها معيشة أسرتين، إحداهما مسلمة والأخرى مسيحية، فى حياة يومية مشتركة، يتقاسمون فرحها ومتاعبها، بلا حواجز،

وما زلت أذكر «الطبق الدوار»، والذى يتنقل من بيت إلى بيت فى المواسم والأعياد يحمل الأكلات التى تميز كل عيد أو مناسبة، وكان أبى يحرّم علينا مشاهدة التليفزيون أو سماع «الراديو» وجارنا المسلم يعيش فترة حداد لفراق أحد أفراد أسرته، وكان الجار يفعل نفس الشيء معنا.

كأن تلاقى الأصوام يفتح ذاكرة الوطن حين امتزجت دماء المصريين فى معاركه الكبرى والتى ترجمها شعار الوفد وثورة 19 ومنابر المساجد والكنائس وهى تتبادل المتكلمين فوقها، بغير التفات لهويتهم الدينية، وكان أيقونتها القمص سرجيوس الكاهن القبطى الذى وصفه الزعيم سعد زغلول بخطيب الثورة، وسجلته اقتباسًا أفلام نجيب محفوظ وحسن الإمام وهو يعتلى منبر الجامع الأزهر خطيبًا يحشد سامعيه للثورة.

ويتكرر اختلاط دماء المصريين مع حروب 56 و67 وانتصارات أكتوبر 73 لتدشن معنى مصريا أصيلا.

ويستكمل زاخر حديثه قائلا: لعل هذا التلاقى يحفزنا للاصطفاف فى مواجهة دعاة الفرقة، وصانعى الفتنة، لحساب وطن يظللنا بحمايته وتحملنا أرضه الطيبة، والذى استطاع بفعل جيناته الحميمية أن ينجو من مؤامرات الخريف العربى التى مزقت أوطانًا حولنا، وخرجت منها بوطن لا يقبل القسمة، وطن يتعانق فيه الله أكبر والله محبة بوعى ويقين وإصرار ومثابرة، التقاء الأصوام هو تجديد لكل قيمنا الروحية بطعمها المصرى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة