إن إنسانية الجناب المعظم لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم مع المسلمين كانت شمسًا تشرق على القلوب فتمنحها الدفء قبل الضياء، وتمنحها السكينة قبل الهداية، فإننا حين نتأمل مسيرته الشريفة، نجد أن كل حركةٍ وسكنة كانت تفيض بروحٍ قدسية ترى فى الإنسان بنيان الرب، فكان النبى يعامل أصحابه برقةٍ تذيب الصخر، وبحنانٍ يتجاوز حدود الأبوة، ليصنع منهم أمةً تسود بالحب قبل أن تسود بالعدل.
لقد كان منهجه فى رعاية أرواح المسلمين يقوم على ركيزة أساسية هى محول التعاملات المصطفوية ألا وهى «جبر الخواطر»، تلك القيمة العظيمة التي جعلت من المسجد النبوى واحةً لكل منكسر، فكان لا يرى حزنًا في عين صحابى إلا ومسحه بكلمةٍ طيبة أو لمسةٍ حانية، فتراه يجلس مع ذلك الشاب الذي غلبه وجده، ويستمع لتلك المرأة التى ضاقت بها سبل العيش، ويمازح ذلك الطفل الذى فقد عصفوره الصغير، وكأنه يبعث برسالةٍ للعصور كافة أن عظمة القائد لا تكتمل إلا بقدرته على التواضع أمام آلام الضعفاء، وأن رقى الأديان يُقاس بمدى رحمتها بالمهمشين والمنسيين والمكسورين، فصار كل واحدٍ من أصحابه يشعر أنه الأحب إلى قلبه، وأنه المركز الأهم فى دائرة اهتمامه، وهذا هو لب الفلسفة النبوية التى سبقت كل النظريات الحديثة فى العلوم الإنسانية.
وفي غمار تلك الرحمة، تجلت إنسانيته فى قبول الناس على اختلاف طبائعهم وضعفهم وأحوالهم، فكان يستوعب الخطأ البشرى بصدرٍ رحب، ويعالج الزلل بلسانٍ عفيف، فما كان يعنف جاهلا، ولا يزجر مسترشدا، ولا يرد طالبًا، بل كان يمنح المخطئ فرصة الاستيقاظ من غفلته عبر الحوار الهادئ الذى يحترم العقل ويخاطب الوجدان، ويستجلب المشاعر، فى حالة مدهشة من الذكاء العاطفى ليحول هذا الاحتواء العظيم الأعراب القساة إلى رهبانٍ بالليل وفرسانٍ بالنهار، إذ وجدوا فى كنف النبوة الأمان الذى افتقدوه فى جاهليتهم، وتعلموا أن الدين هو أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، بل وأكثر مما تحب لنفسك، وأن كرامة الإنسان مصونة لا تُمس، فغدت بيوتهم ومجالسهم انعكاسًا لهذا الأدب الرفيع، وأصبح المجتمع المسلم جسدًا واحدًا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، تطبيقًا عمليًا لذلك النبض الإنسانى الذى كان يتدفق من قلب الجناب المصطفوى الشريف الذى كان مصدر الإشعاع االذى غمر القلوب والوجدان.
وتجلت الروح النبوية المشرفة فى مواطن الضيق الشديد، حيث يظهر المعدن الحقيقى للرجال، ففى أوقات الجوع والمحنة، كان هو أول من يشد الحجر على بطنه، وآخر من يشبع، يقسم لقمة العيش مع أصحابه، ويحمل معهم تراب الخنادق وصخور الجبال، فلم يكن يرضى لنفسه ميزةً تميزه عنهم، بل كان يذوب فى تفاصيل معاناتهم، يداوى جراحهم، ويمسح الغبار عن وجوههم، ويدعو لمن أساء إليه بظهر الغيب، ليكون عنوان معادلته الحياتية، هل جزاء الإساءة إلا الإحسان.
إن هذا الفناء فى خدمة الخلق هو الذي جعل من الصحابة عشاقًا لذاته الشريفة، فصاروا يتسابقون على مراد قلبه، لأنهم أدركوا أن سعى النبى لهم كان أنفع لهم من سعيهم لأنفسهم.
وإذا ما نظرنا إلى تعامله داخل الدائرة القريبة، لوجدنا نموذجًا للرقة والوفاء لا نظير له، فكان يكرم أهل الود، ويحفظ العهد للقديم من الصحبة، ويصل أصدقاء من رحلوا، ويبسط رداءه لمن أعانوه فى الشدة، ليتجسد الوفاء والرقى فى التعامل فى أبهى صوره.
هكذا عاش المصطفى بين أصحابه، كان سحابةً ماطرةً أينما وقعت نفعت، كان يرى النور فى أعماق كل نفس بشرية، ويستخرج الكنوز من طينة البشر، بلمساته الحانية وكلماته الشافية، إن كل مسلم عاصر النبى أو جاء بعده ليقرأ سيرته، يجد نفسه منجذبًا إلى ذلك المغناطيس الروحى الذى لا يقاوم، حيث تلتقى العظمة بالبساطة، والجلال بالجمال، والقوة باللين، فهي سيرة الإنسان الكامل الذى لم تشغله النبوة عن بشريته، ولم يصرفه الوحى عن مراعاة خواطر العباد، بل كان الوحى يزيده رقةً ويزيده قربًا من كل كبدٍ رطبة، ليبقى دائمًا وأبدًا هو الملاذ الآمن لكل قلب يطلب الطمأنينة، والقدوة السامية لكل روح تطمح إلى الرقى والكمال الإنسانى فى أبهى صوره.
إن الوفاء لهذه الإنسانية النبوية يقتضى منا أن نتخلق بأخلاقه فى تعاملنا اليومى، فنجعل من الرحمة شعارًا ومن الصدق دثارًا، ونبني جسور الثقة مع الآخرين كما بناها هو بيقين المخلصين.