تلقت مصر مجموعة من العروض الاستثمارية العربية والأجنبية للاستحواذ على مجمع رياح جبل الزيت، الذى يعد أكبر مجمع لطاقة الرياح فى مصر وإفريقيا بقدرة إنتاجية إجمالية تصل إلى 580 ميجاوات عبر 290 توربينًا، وتأتى هذه العروض ضمن برنامج الأطروحات الحكومية الذى يهدف إلى جذب استثمارات جديدة والتخارج من بعض الأصول الحكومية، ليكون مجمع جبل الزيت التجربة الثانية فى قطاع الطاقات المتجددة بعد محطة رياح الزعفرانة.
ويضم المجمع ثلاث محطات هى: جبل الزيت 1 بقدرة 240 ميجاوات نفذت بتمويل من المفوضية الأوروبية وبنك التعمير الألمانى، جبل الزيت 2 بقدرة 220 ميجاوات ممولة من الوكالة اليابانية للتعاون الدولى (JICA)، وجبل الزيت 3 بقدرة 120 ميجاوات بتمويل من الحكومة الإسبانية.
وتقدمت للحكومة نحو خمسة عروض للاستحواذ على المجمع، من بينها عروض لشركات عربية مثل «أكوا باور» السعودية و«الكازار» الإماراتية، بالإضافة إلى شركات أجنبية من بينها «أكتيس» البريطانية وشركة ماليزية وأخرى أوروبية لم يكشف عن اسمها بعد، فيما لا تزال العروض قيد الدراسة.
وفى هذا الشأن، قال الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة: «إن هناك عرضا مقدما للاستحواذ باستثمارات تُقدر بـ416 مليون دولار، دون أن يصرح باسم الشركة، مكتفياً بالتأكيد على أن العرض لا يزال تحت الدراسة، مبينا أن صفقة التخارج الحكومية والاستحواذ على مجمع الرياح ناجحة من عدة جوانب، وتم تقديم العرض لصندوق مصر السيادى للاستثمار والتنمية والذى عرضه على مكتب استشارى، وبدوره كشف فى التقرير الفنى عن أن الاستثمار فى مجمع جبل الزيت يقدر بـ411 مليون دولار».
وأوضح بأنه على مستوى العمر الافتراضى وتجديد المحطات فإن أعمار المحطات تتراوح ما بين 8 سنوات إلى عشر سنوات، وهذا يعنى أنها فى حاجة إلى تجديد بعد 10 سنوات أو 12 سنة؛ لأن العمر الافتراضى يقدر بـ 20 سنة، وهو ما يعادل تكلفة 250 مليون دولار، فيما ستتولى الشركة الاستثمارية تكاليف التجديد وفقاً لبنود العرض المقدم فى الصفقة، وبعد انتهاء مدة العقد سيتم استلام المحطة مجددة ويمكن أن تعمل لمدة 12 سنة قادمة.
وأشار الوزير إلى أن الصفقة ستمكن الحكومة من تسديد القروض والفوائد المستحقة، والتى تبلغ نحو 365 مليون دولار، وهو ما يمثل ميزة مهمة فى عرض الصفقة، حيث إن فرق أسعار بيع الكهرباء من 18 قرشًا إلى 3 سنتات لكل كيلو وات/ساعة سيسدد للشركة المصرية بما يعادل نحو 2 مليار دولار، بما يضمن عدم تعرض الشركة لأى خسائر مالية، وهنا شروط الصفقة تتضمن دفع 20 فى المائة من قيمتها على مدار 3 سنوات، و15 فى المائة على مدار 3 سنوات أخرى، و12 فى المائة على بقية المدة، بما يتيح جدولا زمنيا منظما لسداد المبالغ المستحقة.
وتعقيبا منه، قال الدكتور حافظ سلماوى، أستاذ هندسة الطاقة بجامعة الزقازيق والرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، إن إعلان الحكومة عن مجمع رياح جبل الزيت ضمن خطة الأطروحات الحكومية لعام 2025 يأتى فى إطار استراتيجية تهدف إلى توسيع قاعدة الاستثمارات الخاصة، خصوصا فى قطاع الطاقات المتجددة بما يعزز مشاركة القطاع الخاص فى دعم إنتاج الطاقة النظيفة وتنمية البنية التحتية للطاقة فى مصر.
وأوضح «سلماوى» أن عروض الاستحواذ على مجمع رياح جبل الزيت يتم تقييمها وفقا لعدة معايير رئيسية، أولها عقد الصفقة نفسه وقيمتها ومدة الشراء وتفاصيل التجديد، فعمر المحطات الثلاث بالمجمع يتراوح بين 8 و10 سنوات نظرًا لدخولها حيز التشغيل تباعا، والمعيار الثانى يتمثل فى تكلفة شراء الكهرباء من قبل الشركة المصرية للكهرباء، أى قيمة الكيلو وات/ساعة التى تشتريها الشركة من المستثمر المستحوذ على المجمع، وهو عامل رئيسى يؤثر بشكل مباشر على تقييم الصفقة الاستثمارية بأكملها.
وأشار إلى أن رفع قيمة شراء الكيلو وات/ساعة يعمل على زيادة قيمة تكلفة شراء المحطة ذاته، وانخفاض قيمة شراء الكيلو وات/ساعة من قبل الشركة المصرية للكهرباء يقلل من قيمة صفقة الاستحواذ من قبل الشركة الخاصة، لأنها تقدر حجم العائد على استثماراتها فى هذه الصفقة، فهناك عقد آخر غير عقد البيع، وهو عقد تكلفة شراء الشركة المصرية للكهرباء من الشركة الاستثمارية.
ولفت إلى أن المعيار الثالث لتقييم الصفقة يتعلق بحجم المديونية القائمة على المحطات، فمجمع رياح جبل الزيت لا يزال عليه قروض مستحقة، وبناء على شروط عقد الصفقة يتم تحديد ما إذا كانت الشركة الاستثمارية ستتولى سداد القروض نيابة عن الحكومة، أم ستستلم الحكومة قيمة الصفقة وتستمر فى تسديد القروض والفوائد بنفسها، خصوصا أن هذه القروض كانت حكومية وتتمتع بمزايا انخفاض الفوائد، وعقود صفقات الاستحواذ معقدة وتتضمن عدة محاور مختلفة لكنها متداخلة، ولا تتوقف على تكلفة إنشاء المحطة وبيعها، لكنها أكبر وأكثر تعقيداً من هذا الأمر بكثير، وبالتالى الادعاءات التى تخرج بوصف الصفقات خاسرة هى ادعاءات باطلة لا تستند لمعلومات وتحليلات حقيقية، بل هى مجرد أراء دون سند معلوماتى.
وشدد على أن قيمة الصفقة النهائية لا تعكس القيمة الحقيقية لها دون النظر إلى التفاصيل التابعة لها، سواء فى مدة الاستحواذ أو قيمة بيع الكيلو وات/ساعة لشركة الكهرباء المصرية، وهى تفاصيل مالية شديدة التعقيد لا يطلع عليها سوى المكاتب الفنية والجهات الرقابية التى لديها كافة التفاصيل الدقيقة للعقود الخاصة بالصفقات، فليس هناك خسارة ومكسب فى هذه النوعية من الصفقات ولكن هناك مبدأ يحكمها يُعرف بـ«Fair Price» أو «السعر العادل» الذى يحقق مكاسب للحكومة، وفى الوقت ذاته يحقق مكسبا للمستثمر، فهناك أسعار عادلة مرتبطة بالمعاير التى تحدد الصفقة وعقودها.
وبين «حافظ» أن الهدف من الأطروحات الحكومية فى مجال الطاقات المتجددة هو تشجيع دخول القطاع الخاص وجذب استثمارات متنوعة عربية وأجنبية ومحلية، مع تخفيف عبء المديونية على الدولة، فشراء المحطات من قبل شركات استثمارية خاصة يتيح فرصا مستقبلية لتوسيع حجم الاستثمارات فى قطاع الطاقات المتجددة، بما يزيد من ربحيتها على المدى الطويل، وكذلك توسيع الاستثمارات الخاصة يوفر فى الوقت ذاته سيولة نقدية للحكومة تسهم فى سداد القروض والالتزامات المالية، كما أن التشغيل الاقتصادى لهذه الشركات الاستثمارية الاحترافية يضمن أعلى مستويات الإنتاجية مع معدلات أعطال أقل وتشغيل أكثر استقرارا، ما يؤدى إلى زيادة حجم الإنتاجية بشكل ملموس.
وأشار «سلماوى» إلى أن مجمع رياح جبل الزيت ليس المشروع الأول ضمن برنامج الأطروحات الحكومية، إذ سبقه طرح أربع وحدات لمحطة رياح الزعفرانة، إلا أن الفرق كان أن محطة الزعفرانة كانت قديمة ومر عليها نحو 20 عامًا، مما استلزم تجديدها وتحديث تكنولوجياتها وزيادة القدرة الإنتاجية، وتركيب وحدات شمسية جديدة، أما مجمع جبل الزيت فيضم ثلاث محطات تعمل حاليًا بتكنولوجيا متطورة، وهو ما يجعله منتجًا أصليًا وليس مجرد تحديث لمحطة قائمة، ومحطة كهرباء سيمنز فى بنى سويف كانت من أوائل المحطات التى أعلنت الحكومة عن طرحها ضمن برنامج الأطروحات منذ 2019، وكان هناك عدة خيارات للطرح سواء لمستثمر استراتيجى كامل، أو بيع جزء للمستثمر وجزء فى البورصة المصرية، لكن لم يتم التوصل إلى قرار نهائى بشأن الشكل الأمثل للطرح آنذاك.