مثلما بدأ، مثلما كاد ينتهى عام 2025، حالة من الاهتمام المحمود بسيرة حياة كوكب الشرق أم كلثوم ومنجزها الفنى الفريد باعتبار أن العام الحالى هو عام الاحتفاء بخمسينية رحيلها فى الثالث من فبراير 1975، ولا يتسع المجال الآن لترديد هذا الكم الكبير من الفعاليات والاحتفاءات الذى شهدته تلك السنة، لكن يكفى الإشارة إلى أن الأيام الأخيرة فقط قد شهدت ظهور ثلاث منها فى ثلاث دول عربية مختلفة عبر جهد مجموعة من الجنسيات المتنوعة.
ففى دولة الإمارات العربية المتحدة أعيد الاحتفاء بكتاب «أم كلثوم الشعر والغناء» للدكتور أحمد يوسف رغم أنه صادر قبل عامين عن مركز أبو ظبى للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة، وهو كتاب جديد فى فكرته حيث تناول مؤلفه وهو أستاذ للنقد والأدب العربى بجامعة الزقازيق علاقة كوكب الشرق بالشعر العربى الفصيح تذوقا وانتقاء وغناء وقدرة على تطوير النص المختار سواء بالحذف أو الإضافة أو الدمج، مع مقارنة بين ما أبدعه أصحاب تلك القصائد وبين ما ظهر بصوت سيدة الغناء العربى والوقوف أمام القيم البلاغية فى تلك القصائد المغناة.
وفى العاصمة اللبنانية بيروت صدر كتاب شديد الأهمية عنوانه «أم كلثوم يوميات الغناء 1925- 1975» عكف عليه الشقيقان سليم وفيكتور سحاب بعد أن كان مجرد أوراق جمعها بدأب عظيم المهندس العراقى الراحل مصطفى المدرس مؤسس ورئيس مركز تراث أم كلثوم فى لندن، وحافظ على تلك الأوراق محب آخر لكوكب الشرق هو الكويتى عبد الله الصايغ حتى صدر هذا المجلد الفريد الذى يؤرخ لمشوار غناء أم كلثوم عبر خمسين عاما بالتواريخ والمناسبات والخلفيات والملابسات التى ظهرت فى ظلها كل أغنية فى تراث هذه السيدة بما فى ذلك أغنياتها المجهولة.
ثم ها هو يطل علينا فى ساعاته الأولى الفيلم المنتظر للثلاثى أحمد مراد مؤلفا ومروان حامد مخرجا ومنى زكى مؤدية لشخصية أم كلثوم، وأعنى فيلم «الست» الذى افتتح فعاليات مهرجان مراكش السينمائى الدولى بالمغرب منذ أيام قبل أن يبدأ اليوم فى مصر العرض الجماهيرى للفيلم الذى شغل الجميع طوال العامين الماضيين، وهكذا وكما ترون فإن الأيام الأخيرة وحدها قد شهدت احتشاد مجموعة من العواصم والجنسيات العربية المختلفة اجتمعت على حب كوكب الشرق وتقدير مكانتها تماما مثلما كان صوتها الاستثنائى قادرا طوال مسيرتها الفنية على توحيد الأذن العربية من المحيط إلى الخليج.
وقد تكون لى وقفة متأنية لاحقة حول هذه المنجزات الإبداعية فى ذاتها لكن يجدر بى الآن التأكيد على أن هذا الزخم الكلثومى فى عام خمسينية رحيلها قد لفت الانتباه إلى هذه الأسماء التى صنعت مجدها وتاريخها العظيم؛ حتى لو كان بعضهم مجرد عابرين فى تلك المسيرة الضخمة عبر السنين والأحداث والأعمال الفنية الناجحة، وكفاهم أن أسماءهم قد اقترنت باسم أم كلثوم فى لحظة تاريخية ما عبر مشوارها الطويل، فأبقت الأيام والسنون على مكانتهم، وهذه السطور عن هؤلاء العابرين الذين دخلوا التاريخ لأنهم فقط مروا فى حياة كوكب الشرق وليست عن نجوم منجزها الفنى أمثال شاعر الشباب أحمد رامى الرافد الثقافى الأعظم فى تكوين شخصية أم كلثوم، أو رياض السنباطى صاحب النصيب الأكبر فى نجاحاتها الفنية، أو محمد القصبجى الرجل المتفانى فى العطاء لتلك السيدة حتى الذوبان، أو أحمد بدرخان الذى أخرج لها أربعة من أفلامها الستة فصنع النصيب الأوفر من تاريخها السينمائى، أو مصطفى أمين بكل ذلك الغموض الذى صاحب وجوده فى حياتها، أو حتى الرئيس عبد الناصر الذى ظل إلى يوم رحيله الغطاء الآمن الذى أبقى على استقرار دولة أم كلثوم الغنائية وزيادة نفوذها.
هذه السطور إذن ليست عن هؤلاء وغيرهم الذين كان لهم نصيب وافر فى إنجاز سيدة الغناء العربى، وإنما عن آخرين ساقهم القدر فقط؛ كى يسهموا بقدر فى هذا البناء الاستثنائى الشاهق، فالمتخصصون فقط يعرفون مثلا الشيخ أبو العلا محمد بإسهاماته فى عالم الموسيقى والغناء مطلع القرن العشرين، لكن لولا أنه مكتشف كوكب الشرق والداعم الأول لها فى بداياتها لربما لم يسمع عنه العامة أو يذكره الناس وبقى حضوره فقط بين هؤلاء المهتمين بالغناء القديم، وطبيب الأسنان أحمد صبرى النجريدى لولا مجموعة الألحان التى وضعها لها فى سنواتها الأولى لما تذكره أحد، فقد لحن النجريدى لغيرها من أصوات زمانها، لكن ذكره كان فقط لأنه لحن لأم كلثوم وليس لغيرها، والمخرج الألمانى فريدز كرامب الذى دخل تاريخ السينما المصرية لأنه أخرج لـ«الست» فيلم «وداد» سنة 1936 أول أفلامها وأول أفلام ستوديو مصر، ثم فيلمه الثانى والأخير فى مصر «لاشين» بعده بعامين، والشاعر السودانى الهادى آدم الذى خصته سيدة الغناء العربى بأن اختارت قصيدته «أغدا ألقاك» كى تغنيها، فبات هو شاعر السودان الأكبر، وباتت قصيدته التى كانت تحمل أولا عنوان «الغد» أشهر قصائده باسمها الجديد، بعد أن حملها صوت أم كلثوم إلى شتى أنحاء الأرض، وشريف باشا صبرى خال الملك لولا أنه فكر ذات يوم فى الاقتران بكوكب الشرق لما عرفه أحد أو توقف أمام اسمه، وكذلك الدكتور حسن الحفناوى الذى ربما كان مشهورا وناجحا فى عالم الطب، لكن زواجه من كوكب الشرق قد أضاف بلا شك قدرا من الذيوع والشهرة إلى مكانته العلمية والطبية.
لقد كان هذا البناء الاستثنائى الضخم الذى حمل اسم أم كلثوم نتاج لبنات متتالية، ساهم فى وضعها عشرات الأسماء بعضهم كانوا مجرد عابرين فى حياتها، لكن حق علينا تذكرهم ونحن نودع عام خمسينية رحيلها.