تمتلك مصر إرادة فولاذية، وتتسلح بعزيمة حديدية، وتتحصن بنية صادقة فى تحركاتها المتواصلة، وجهودها الدؤوبة من أجل سرعة بدء خطة القاهرة لإعادة إعمار غزة، والتى حظيت بموافقة عربية بالإجماع لأنها متكاملة الأركان، واضحة المعالم، متتابعة الخطوات، وفى ذات الوقت قادرة على سد ذرائع دولة الاحتلال، وضربة قاصمة لمخطط التهجير الخبيث، وقد استقت مبادرة ترامب بنودها ومراحلها من صلب الخطة المصرية مع بعض الإضافات استجابة لضغوط تل أبيب، مما مهّد الطريق إلى توقيع وثيقة وقف الحرب فى قمة شرم الشيخ للسلام، وما أعظمها من نقطة فارقة فى وأد المؤامرة الصهيونية رغم بعض الاعتداءات الهمجية لجيش الاحتلال على القطاع، فالحرب توقفت، والحياة عادت لغزة، ومؤتمر التعافى المبكر سيعقد مهما تعددت العراقيل الإسرائيلية لأن إرادة الإعمار حاضرة فى الأجندة المصرية لإنقاذ الأشقاء، وحماية القضية من التصفية، ولا مستحيل مع الإرادة، ولا يضيع حق وراءه مطالب.
الأمر المؤكد أن الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى لديها من الحكمة البالغة، والإصرار المتين، والخبرة المتراكمة ما يجعلها قادرةً على التعامل مع المؤامرات الإسرائيلية، وفك شفرة المخططات الصهيونية، وفضح زيف أحاديث الإفك لحكومة المتطرفين، وكشف أكاذيب إعلام بنى صهيون ضد القاهرة ومواقفها الوطنية الراسخة فى دعم حقوق الشعب الفلسطينى، والوقوف بالمرصاد لأى مكائد إسرائيلية لتصفية قضية القضايا العربية والإسلامية، وخصوصًا تلك الافتراءات التى تكيد للقرار المصرى برفض التهجير سواء الطوعى أو القسرى، لأن أرض فلسطين للفلسطينيين ولن تكون أبدًا إرثًا لبنى صهيون، وبالتالى الأباطيل حول وجود تنسيق مريب بشأن معبر رفح، وفتحه فى اتجاه واحد لخروج الفلسطينيين من غزة إلى مصر دون عودة، بهتان بيَّن، وكلام مفضوح، ومحاولة رخيصة للتغطية على الجهود المصرية للتعجيل باستضافة مؤتمر إعادة الإعمار الذى يحظى بقبول أممى، ودعم دولى ثقة فى القيادة السياسية المصرية، وقدرتها على توحيد كلمة العالم لكى تعود غزة إلى مسيرتها الأولى، وقد سبق تنظيم مصر لمؤتمرات عدة لإعمار القطاع بعد الحروب السابقة، ومنها مؤتمر مارس 2009، الذى شاركت فيه 75 دولة فى شرم الشيخ، وبلغت قيمة التعهدات نحو 5 مليارات دولار، وأيضًا قدم المشاركون فى مؤتمر القاهرة عام 2014 ما قيمته 5.4 مليار دولار.
وهنا، حسن ما فعله ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، عندما وضع النقاط على الحروف، وأثبت من جديد ما هو معلوم بالضرورة لتوضيح المواقف، بالإشارة إلى أن القاهرة ليست فى حاجة للتشديد على ثوابتها التى أكدتها على لسان أعلى مستوى فى الدولة ممثلة فى الرئيس السيسى بأنها لن تسمح بتصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير الشعب الفلسطينى من أرضه سواء كان هذا التهجير كرهًا أو طوعًا، وأوهام الاحتلال بإلقاء الكرة فى الملعب المصرى بتنفيذ الأجندة الصهيونية التى كشف عنها رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق فى مذكراته، وضعت القاهرة عليها خطًا أحمر منذ اللحظة الأولى لاندلاع العدوان على الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، كما أن هذا الزعم يتعارض مع ما اشترطته القاهرة ونص عليه اتفاق شرم الشيخ وفقًا للمبادرة الأمريكية فى البند 12 من الاتفاقية بفتح المعبر فى الاتجاهين وعدم إجبار الفلسطينيين على الخروج من غزة وضمان أحقية مَن يخرج من القطاع فى العودة وقتما أراد، كما أن محاولات الاحتلال بخلق أزمة وتصديرها للقاهرة بإعادة طرح سيناريوهات مختلفة لتهجير الشعب الفلسطينى سيتم التعامل معها فى سياق الخطين الأحمرين لمصر والمتعلقين برفض التهجير وعدم السماح لأى طرف بالمساس بالأمن القومى المصرى، مع التأكيد على أن ما تناقله إعلام الاحتلال الإسرائيلى لم يصدر عن المستوى السياسى الذى وقع على اتفاق شرم الشيخ وفقًا للمبادرة الأمريكية التى ضمنتها كلٌ من مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا.
وفى هذا الاتجاه جاء البيان المشترك أيضًا من وزراء خارجية كل من مصر، المملكة الأردنية الهاشمية، الإمارات العربية المتحدة، جمهورية إندونيسيا، جمهورية باكستان الإسلامية، جمهورية تركيا، المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، بالإعراب عن بالغ القلق إزاء التصريحات الصادرة عن الجانب الإسرائيلى بشأن فتح معبر رفح فى اتجاه واحد بهدف إخراج سكان قطاع غزة إلى مصر ، والتشديد على الرفض التام لأى محاولات لتهجير الشعب الفلسطينى من أرضه، واتساقًا مع الرؤية المصرية حول ضرورة الإسراع بعقد مؤتمر إعادة الإعمار كضمانة أساسية لضرب الألاعيب الإسرائيلية من جهة، وتخفيف المعاناة الإنسانية عن الشعب الفلسطينى من جهة أخرى، طالبت الدول الثمانى بالشروع فى جهود التعافى المبكر وإعادة الإعمار، وتهيئة الظروف أمام عودة السلطة الفلسطينية لتسلم مسؤولياتها فى قطاع غزة، بما يؤسس لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار فى المنطقة، وتوفير البيئة المواتية لتحقيق سلام عادل وشامل ومستدام وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين، بما يؤدى إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو عام 1967، بما فى ذلك الأراضى المحتلة فى غزة والضفة الغربية، وعاصمتها القدس الشرقية، وبالطبع القاهرة تقف بعزيمة لا تلين وإرادة لا تنكسر فى مسار مساندة الحقوق الفلسطينية، وهذا يتجلى فى معظم لقاءات وزير الخارجية د. بدر عبدالعاطى مع نظرائه شرقًا وغربًا، وفى جميع المحافل العربية والإقليمية والدولية وآخرها منتدى الدوحة، فلا تغيب أبدًا القضية الفلسطينية عن قائمة الأولويات المصرية؛ تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية، وخصوصًا التنسيق المستمر لإنجاح مؤتمر إعادة إعمار غزة.
هذا النهج المفضوح من تل أبيب لم يعد خافيًا على أحد حول العالم، فالجميع شاهد وتيقن أن القاهرة هى حجر العثرة الذى أوقف تنفيذ المؤامرة الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية خلال حرب غزة الغاشمة على مدى عامين، تارة بنهر المساعدات الذى تدفقت موجاته الهادرة برًا وبحرًا وجوًا للشد من أزر الأشقاء على التمسك بأرضهم والصبر على المكارة الإسرائيلية الراغبة فى اقتلاعهم من القطاع، مرورًا بجولات التفاوض المضنية لوقف إطلاق النار، مع معركة دبلوماسية شرسة لتعرية الإرهاب الإسرائيلى، ولفت أنظار المنظمات الأممية والدولية والرأى العام العالمى لتورط دولة الاحتلال فى جرائم الإبادة الجماعية، وضرورة عزلها دوليًا إذا لم تتوقف آلة الحرب المدمرة للبشر والحجر، وأن التاريخ سيكون قاسيًا فى حكمه على كل دولة تتغافل عن المذابح الإسرائيلية والجرائم الصهيونية ضد الإنسانية، مما زاد من الحقد الصهيونى على الدولة المصرية ومؤسساتها الوطنية وشعبها العظيم، وقبل أن تستوعب حكومة الاحتلال صدمة سمعتها التى تلطخت، وصورتها التى تشوهت، باغتتها القاهرة بخطة كاملة لليوم التالى لوقف الحرب أساسها تعمير القطاع بدون خروج فلسطينى واحد خلال وقت قياسى، مع بدء تحركات جادة للحشد الدولى لإنجاح مؤتمر التعافى وإعادة الإعمار، وقد أصبح هذه التوجه دوليا بجهد مصرى انطلاقا من الخبرات والقدرات المصرية التى تراكمت فى العمل بمنظومة المشروعت القومية العملاقة منذ 2014 وحتى الآن، مما أصاب قادة الكيان الصهيونى بلوثة فى العقل، وقهرة فى القلب، ولم يجدوا غير التزييف المتعمد، والتشهير المبتذل طريقًا فى الكيد للدولة المصرية.
ولن تندمل جراح مجرم الحرب نتنياهو وعصابة المتطرفين معه فى حكومة الاحتلال من إفشال مصر لمخطط التهجير منذ اليوم الأول لحرب غزة وأهم محطاتها قمة القاهرة للسلام وحتى قمة شرم الشيخ للسلام، وما بينهما من كواليس متعددة، وتفاصيل كثيرة عصى على الحصر، صعب على العد فى مسيرة حصار الرغبات الإسرائيلية المكبوتة، وترويض المساعى الصهيونية المتوحشة، لكن يد الله، كما قال الرئيس السيسى، كانت معنا كمصريين لإسدال الستار على مؤامرة التهجير، وكتابة نهاية الحرب الغاشمة من أرض السلام شرم الشيخ رغم المحاولات المتتابعة لبخس حق القاهرة، والتغطية على دور المفاوض المصرى الجبار خلال جولات المفاوضات بأيامها الصعبة ولياليها الطويلة، ثم جاءت لطمة مؤتمر إعادة الإعمار مباغتة لدولة الاحتلال، وهذا بلغة الأفعال لا الشعارات، فالرئيس السيسى أعلن خلال فعاليات الندوة التثقيفية الـ42 للقوات المسلحة، فى إطار احتفالات مصر بالذكرى الثانية والخمسين لنصر أكتوبر المجيد، أن مصر تستعد لاستضافة مؤتمر دولى لإعادة إعمار قطاع غزة، وتكليف رئيس مجلس الوزراء د. مصطفى مدبولى بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدنى والجهات المعنية بالدولة لدراسة إنشاء آلية وطنية لجمع مساهمات وتبرعات المواطنين فى إطار تمويل عملية إعادة إعمار قطاع غزة.. إنها إرادة الإعمار، وفلسفة البناء التى تتبناها الجمهورية الجديدة التى تصدرها لكل الدول الشقيقة والصديقة، وفى مقدمتها الأشقاء فى فلسطين لتقوية عزيمتهم على العض بالنواجذ على أرضهم والتشبث بوطنهم.
لقد صور الخيال المريض لقادة دولة الاحتلال أن فرصة تصفية القضية الفلسطينية سانحة، والظروف مهيأة بعد تدمير الحرب الظالمة لـ84 فى المائة من عدة مناطق بالقطاع، ووصول هذا المعدل إلى 92 فى المائة بمدينة غزة، حسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، نتيجة لاستهداف القطاع بأكثر من 200 ألف طن من المتفجراتأثناء الحرب، مما أدى إلى خسائر تقدر بنحو 70 مليار دولار، وأن الفلسطينيين سيجدون أنفسهم مضطرين للرحيل طالما المعاناة مستمرة، وإعادة الإعمار بعيدة المنال لحسابات سياسية من بعض الدول، وتردد فى التمويل من عواصم أخرى، لكن القاهرة دائمًا تسبق بخطوة، وتتحسب لكل السيناريوهات، مما جعلها تطرح فكرة مؤتمر إعادة الإعمار حتى قبل وقف الحرب، وتبدأ المشاورات مع القادة والزعماء فى قمة شرم الشيخ للسلام وما تبعها من فعاليات مما أوجد تعاطفًا دوليًا، وتجاوبًا أمميًا، إلى جانب اللفتة الذكية من القاهرة فى محاولة عقد هذا المؤتمر بشراكة مصرية أمريكية لضمان زيادة عدد المانحين من جهة، وإجبار ترامب لحكومة الاحتلال على الدخول إلى المرحلة الثانية من خطة السلام من جهة أخرى، ولست فى حاجة للتأكيد على أن التحضير لهذا النوع من المؤتمرات يحتاج لمشاورات طويلة وتنسيق شامل للاتفاق على حجم المساهمات المالية من المانحين، وجدولة المبالغ وتحديد الخطط الزمنية، وفترة الإعمار، والتحديات المتوقعة وسيناريوهات التغلب عليها.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء