رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

سان كوينتن.. حكايات من وراء القضبان فى كاليفورنيا.. «لم أسمع صرخات أهل الضحية»


28-11-2025 | 13:52

.

طباعة
معايشة: إيمان السعيد

ترددت كثيرا فى خوض تجربة زيارة سجن سان كوينتن المشهور تاريخيًا باعتباره منشأة الإعدام، الزيارة التى جاءت ضمن برنامج زمالة WPI خلال وجودى فى الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم تاريخ سان كوينتن المظلم، فإن السجن اليوم يركز على إعادة التأهيل وإتاحة فرص لإصلاح السجناء. فقبل الزيارة بأيام، وصلتنى من إدارة سجن سان كوينتن قائمة طويلة من التعليمات الصارمة: ممنوع ارتداء أى ملابس زرقاء أو برتقالية أو رياضية، وممنوع إدخال الهاتف أو الكاميرا أو أى وسيلة تسجيل. وحتى فى حالات الأزمات، يشدد السجن على سياسة «عدم الاعتراف بالرهائن». كانت تلك التفاصيل وحدها كافية لزيادة التوتر الذى شعرت به قبل الدخول إلى أكثر السجون شهرة فى كاليفورنيا.

فى صباح يوم الزيارة، استيقظت مبكرًا وارتديت ملابس سوداء لتجنب أى مخالفة ووقفنا ساعة كاملة ننتظر الملازم جيممارا بيرى، مسئولة الإعلام، أمام السجن، الذى يطلّ على خليج سان فرانسيسكو. عند البوابة الأولى، تأكد الحارس من أننا لا نحمل أى هواتف، وتركنا كل شيء خارجًا. وبعد المرور عبر البوابة الثانية، فُحصت هوياتنا، ووُضع على أيدينا ختم فسفورى لا يُرى إلا عند الخروج؛ هو حرفيًا بطاقة العبور خارج الجدران.

فى الداخل استقبلنا أربعة سجناء مدربين على مرافقة الزوار والإجابة عن أسئلتهم. كان المكان يشبه مشاهد السينما الأمريكية: مجموعات عرقية لكل منها مساحتها أفارقة أمريكيون يلعبون كرة السلة، وآخرون من أصول لاتينية يمارسون الرياضة فى الجهة المقابلة. لم يكَد يمر وقت طويل حتى دوى جرس إنذار مفاجئ، فانبطح جميع السجناء أرضًا بطريقة تلقائية. بالنسبة لهم هو إجراء عادى بالنسبة لنا كان لحظة تجمد فيها الجميع.

لفت نظرى فى السجن برنامج تربية وتدريب الكلاب بالشراكة مع منظمة Canine Companions، وهو برنامج يمنح السجناء فرصة نادرة للقيام بعمل يحمل معنى. لا يقبل البرنامج أى شخص ارتكب جرمًا ضد النساء أو الأطفال، ويحتاج المرشح لتزكية من زملائه. تعيش الكلاب مع مدربيها ليلًا ونهارًا أحيانًا لعام كامل يتعلم خلالها الجرو كيفية الاستجابة للأوامر.

خلال الجولة جلسنا فى غرفة مغلقة مع أربعة سجناء رووا لنا قصصهم، كانوا أشخاصًا ارتكبوا جرائم صعبة، بعضها لا يغتفر فى نظر كثيرين. لكن ما بقى فى ذاكرتى لم يكن تفاصيل الجرائم، بل تلك النظرات الثقيلة والندم الذى كان يسبق كلماتهم.

بدأ خورخى لوبيز الحديث؛ كان فى التاسعة عشرة عندما قتل جيسى فرنانديز فى جريمة انتقام عصابية. نشأ وسط فقر وغياب الأب، وحاول الانتحار فى الصف السابع، ثم ترك الدراسة وانزلق إلى الإدمان والعنف. أمضى سنواته الأولى فى سجون من الدرجة الرابعة، حيث لا وجود لمشاعر ولا لأى رابط إنساني. انتقاله إلى سان كوينتن كان نقطة تحول؛ إذ وجد للمرة الأولى مساحة للتأمل وللاعتراف بكل ما تهرب منه. قال بصدق: «كنت قاسيًا فى المحكمة لم أسمع صرخات أهل الضحية. الآن أسمع كل شيء».

ثم تحدث لوى فو، الذى كان فى الثامنة عشرة عندما ارتكب جريمة قتل أدخلته إلى صفوف المحكومين بالإعدام. قضى 29 عامًا فى زنزانة الموت، لا يسمع فيها سوى صوته وخوفه. لم يتوقع يومًا أن يخرج من دائرة الإعدام حتى طلبت أسرة الضحية تخفيف الحكم. قال لوى: «الرحمة التى منحونى إياها غيرت حياتى لن أنساها». أصبح بعدها قادرًا على المثول أمام لجنة الإفراج المشروط، ليبدأ محاولة إعادة بناء ما تبقى من عمره.

أما تايوسيس ماتانغى، فقصته كانت أقرب لجرح مفتوح. فى نوفمبر 2006، ذهب إلى مباراة لكرة القدم المدرسية وهو يعرف تمامًا ما يريد فعله: قتل شابًا اسمه جاكوب. نشأ تايوسيس فى بيت مضطرب، أب فى السجن وأم تتعرض للعنف، وطفل بلا مأوى منذ الثانية عشرة. قال لنا: «كنت لا أبالى وكنت سأفعلها حتى لو رأونى جميعًا». اليوم يقول: «أحمل اسم جاكوب فى صدرى كل يوم».

وأكثر القصص إيلامًا كانت قصة كارينغتون راسل. فى صيف 2007، اقتحم منزلًا وهدد امرأة بالقتل واعتدى عليها جنسيًا وسرق سيارتها. قال لنا: «كنت لا أرى قيمة لحياتى فاستخدمت ألمى لأؤذى الآخرين». بعد سنوات، عندما قرأ محضر محاكمته، أدرك حجم الألم الذى تسبب فيه للجميع. ورغم أنه غير مؤهل إطلاقًا لتقديم التماس بحكم جريمته، يحاول اليوم إصلاح علاقته بعائلته. وما زال يحتفظ بلحظة يصفها بأنها «أقرب شيء للغفران» حين ترسل أم طفلته الصغيرة ابنته إليه فى حفلة «الأب والابنة» داخل السجن.

عندما دخلت سان كوينتن، حملت شعورًا بالخوف والقلق. كنت أتوقع القسوة، والضجيج، وثقل تاريخ يلاحق المكان. لكن مع مرور الوقت تغير هذا الشعور. وعندما خرجت من البوابة الأخيرة، أدركت أن القلق الذى رافقنى فى البداية ترك مكانه لإحساس مختلف تمامًا. غادرت بشيء يشبه الأمل، أمل فى أشخاص يحاولون، رغم كل شيء، أن يعيدوا تشكيل ما تبقى من حياتهم. وغادرت وأنا أشعر بإنسانية أكبر، وبقناعة أن الرحمة قادرة فعلًا على تغيير أكثر القلوب قساوة.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة