رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أسرع تقنية انتشارا فى التاريخ تخشى تحدى «الغنى والفقر».. فجوة الشمال والجنوب تخمد ثورة الذكاء الاصطناعى


27-11-2025 | 18:06

.

طباعة
تحليل: وائل الطوخى

أصبحت الفجوات العالمية، مثل التباين بين الشمال العالمى (الدول المتقدمة اقتصادياً مثل الولايات المتحدة وأوروبا) والجنوب العالمى (الدول النامية فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) أحد أبرز التحديات الكبيرة التى تواجه انتشار الذكاء الاصطناعى التوليدي، فعدم اتخاذ إجراءات استراتيجية مركزة قد يعمق هذه الفجوات، مما يؤثر على التوزيع العادل للفوائد الاقتصادية والاجتماعية للذكاء الاصطناعى لعقود قادمة.

 

بعد أن شهد العالم ثورة التقنيات التوليدية على مدار ثلاث سنوات لتشمل تطور وانتشار الذكاء الاصطناعى (AI) التوليدى منذ إطلاق نماذج رائدة لمحركات البحث الذكية وروبوتات الدردشة مثل ميتا وجروك ChatGPT فى أواخر عام 2022 وحتى نهاية عام 2025، صارت الديناميكيات الحالية للذكاء الاصطناعي، الأسرع انتشاراً فى تاريخ البشرية.

وتاريخيا ارتبط تطور الإنسانية بعملية انتشار التكنولوجيات الرئيسية، خاصة أن تاريخ التقدم البشرى هو فى جوهره تاريخ انتشار التكنولوجيا وليس مجرد سلسلة من الاختراعات الفردية، فمنذ العصور القديمة، أدى انتشار التكنولوجيات التحويلية – مثل صناعة الطاقة، وتحويل الكهرباء، وتطور الاتصالات – إلى تغييرات جذرية فى حياة البشر، حيث عجلت هذه التكنولوجيات بتبادل الأفكار والتجارة والتعاون عبر الحدود الجغرافية والثقافية.

على سبيل المثال، لم يكن اختراع الكهرباء من قبل توماس إديسون فى أواخر القرن التاسع عشر كافياً لتحويل العالم، بل كان انتشار شبكات الكهرباء ودمجها فى الحياة اليومية هو الذى جعلها قوة عالمية، فأى مجتمع لم يتحول بفعل الاختراع وحده، بل من خلال عملية الانتشار الواسعة التى جعلت ملايين الأشخاص يعيشون هذه التكنولوجيات كجزء أساسى من روتينهم اليومي، عملهم، وتعلمهم

ويكشف تقرير مايكروسوفت Microsoft AI Diffusion لعام 2025 الخاص بقياس معدل انتشار الذكاء الاصطناعى لعام 2025 الإطار التاريخى لتصنيف الذكاء الاصطناعى التوليدى كـ«التكنولوجيا العامة الكبرى التالية»، حيث يبرز التقرير أن هذه التكنولوجيا قد انتشرت بسرعة غير مسبوقة فى التاريخ البشري، مع استخدام أكثر من 1.2 مليار شخص لأدوات الذكاء الاصطناعى فى أقل من ثلاث سنوات، وهو معدل تبنى يفوق سرعة انتشار الإنترنت أو الحاسبات الشخصية أو حتى الهواتف المحمولة.

وتعكس سرعة الانتشار القدرة التحويلية الهائلة للذكاء الاصطناعى فى مجالات مثل الإنتاجية، الابتكار، والحلول للمشكلات العالمية، فى الوقت الذى تأتى التحذيرات من أن هذا الانتشار يشبه الثورات التكنولوجية السابقة فى جانب سلبى رئيسى واحد وهو الاستخدام فى الشمال العالمى أعلى بكثير مما هو فى الجنوب العالمي، مما يعنى أن عدم وجود جهود مركزة ومنظمة سيؤدى إلى فجوة هيكلية تحدد من يستفيد من فوائد الذكاء الاصطناعى – مثل تحسين التعليم، الصحة، والاقتصاد – لعقود قادمة، حيث يشير تقرير مايكروسوفت AI Diffusion إلى أن تبنى الذكاء الاصطناعى فى الشمال العالمى يبلغ حوالى 23 فى المائة مقابل 13 فى المائة فقط فى الجنوب، مع ارتباط وثيق بالناتج المحلى الإجمالى للفرد . لذلك يعد تبنى أدواته وتقنياته فى الشمال العالمى أعلى بكثير مما هو فى الجنوب العالمي، حيث يقل الناتج المحلى الإجمالى للفرد عن 20,000 دولار، وفى بعض البلدان مثل شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى وأجزاء من آسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، يقل استخدام الذكاء الاصطناعى عن 10 فى المائة.

ويقوم التاريخ الإنسانى للتقدم التكنولوجى على تحكم ثلاثة قوى للانتشار باعتبارها المحددة لدفع أى تقدم تكنولوجى تحولي، وهى عناصر أساسية مترابطة تعمل معاً لتحقيق التأثير العالمي. أولاً، بناة الحدود، وهم المخترعون والرواد الذين يدفعون حدود ما هو ممكن، مثل الباحثين ومنشئى النماذج الذين يوسعون قدرات الذكاء الاصطناعي، كما فى تطوير نماذج متقدمة مثل GPT-5 فى أقل من ستة أشهر، أما القوى الثانية فتشكل بناة البنية التحتية، وهم المهندسون والمبتكرون والمؤسسات التى تبنى الاختراقات من خلال الشبكات والأدوات والمهارات، مثل توفير قوة الحوسبة والربطية الشبكية التى تجعل تشغيل الذكاء الاصطناعى ممكناً على نطاق واسع، وثالثاً، المستخدمون، وهم الأفراد والشركات والحكومات الذين يستخدمون ويطبقون التكنولوجيات الجديدة لحل مشكلات العالم الحقيقي، مثل استخدام الذكاء الاصطناعى فى تحسين الزراعة أو الرعاية الصحية.

وتاريخيا يظهر تسارع التقدم عندما تتطور هذه القوى معاً، مثلما حدث لـ توماس إديسون الذى اخترع المصباح الكهربائى لكنه احتاج إلى شبكات الكهرباء والاستخدامات اليومية لجعل الكهرباء عالمية، وينطبق الشيء نفسه على الـ AI حيث يجب أن تتكامل هذه القوى لتحقيق انتشار شامل، حيث يعد هذا التحليل مترابطا مع البيانات الحديثة، حيث يشير تقرير Anthropic Economic Index لسبتمبر 2025 إلى توزيع جغرافى غير متساوٍ لاستخدام Claude.ai عبر أكثر من 150 دولة، مما يعكس الفجوات فى هذه القوى فالشيء نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي، حيث يجب أن تتكامل هذه القوى لتجنب الفجوات، فعلى سبيل المثال الدول التى توازن بين هذه القوى، مثل الإمارات العربية المتحدة، تحقق تبنياً عالياً رغم عدم قيادتها فى بناء النماذج الأمامية.

ويعتمد انتشار الذكاء الاصطناعى بشكل جوهرى على تقنيات أساسية أخرى مثل الكهرباء والربطية الشبكية والحوسبة، حيث يتواجد الذكاء الاصطناعى بقوة فى المناطق التى تتوفر فيها هذه العناصر وأبطأ بشكل ملحوظ فى المناطق التى تفتقر إليها. على سبيل المثال، حوالى أربعة مليارات شخص – أى نصف سكان العالم – لا يزالون يفتقرون إلى الأساسيات اللازمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، مثل الوصول الموثوق إلى الكهرباء أو الإنترنت عالى السرعة.

كما يظهر حاجز جديد ومهم يحد من انتشار الذكاء الاصطناعى وهو: اللغة، حيث تكون الدول التى تهيمن فيها اللغات ذات الموارد المنخفضة – مثل الملاوية أو اللاوسية – أقل وصولاً إلى الإنترنت والذكاء الاصطناعى حتى بعد تعديل عوامل الناتج المحلى الإجمالى للفرد، فهذه الفجوة اللغوية ليست مجرد عقبة فنية، بل تؤثر على الدقة والفعالية، حيث تقل الدقة فى اللغات منخفضة الموارد إلى أقل من 55% مقارنة بـ80% فى الإنجليزية، كما أشارت دراسات حديثة من جامعة ستانفورد وأركايف لعام .

أما بعض البلدان مثل سنغافورة والإمارات العربية المتحدة والنرويج وأيرلندا، فتبرز كقادة فى تبنى الذكاء الاصطناعي، مما يوضح أن الوصول القوى إلى التكنولوجيا والتعليم والسياسات التنسيقية يمكن أن يدفع التبنى السريع حتى بدون وجود مراكز بيانات أمامية أو تطوير نماذج متقدمة، حيث بلغ التبنى فى الإمارات 59.4% وسنغافورة 58.6%، تليهما النرويج وأيرلندا.

....

وتتزايد الفجوة بين النماذج المتقدمة، مع قيادة الولايات المتحدة تليها الصين وفرنسا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وكندا وإسرائيل، حيث تكون المسافة الزمنية بين الدول الرائدة والمتأخرة الآن أقل من عام، مما يعكس تسارعاً فى انتشار الابتكار مقارنة بالثورات السابقة، أما من منظور بناء البنية التحتية، فتمتلك الولايات المتحدة والصين معاً حوالى 86% من سعة مراكز البيانات العالمية، مما يؤكد تركيز أساس الذكاء الاصطناعى فى هاتين الدولتين، كما كشف تقرير فيجوال كابيتاليست لنوفمبر 2025 الذى يشير إلى أن الولايات المتحدة تمثل 38 فى المائة من مراكز البيانات العالمية، مع سيطرة الصين على موارد الطاقة الرئيسية، واستثمارات تفوق 1 تريليون دولار فى 2025 من قبل شركات مثل مايكروسوفت وأمازون.

ويسهم الانتشار الفعال فى تطوير الاقتصادات، مثلما تحدث تقرير بنك العالم عن «معجزة شرق آسيا» حيث يشرح كيف نمت اقتصادات شرق آسيا بشكل أسرع من أى مكان آخر، ليس بفضل الاختراعات الأصلية بل بفضل القدرة على نشر التقنيات المستوردة، خاصة فى مجالات التصنيع والصادرات والتعليم، وقارن فى ذلك الصدد دولتين كانتا متشابهتين فى البداية: كوريا الجنوبية والفلبين. فى عام 1960، كانت كل منهما تمتلك دخلاً للفرد يبلغ حوالى 2,000 دولار (معدل لعام 2025)، مع ديموغرافيا ومستويات تعليم مشابهة، ومع ذلك، ركزت كوريا الجنوبية على التصنيع والوصول الأعلى إلى التعليم، مما جعلها تحتضن النمو السريع، وفى أواخر السبعينيات، حددت حكومة كوريا الجنوبية أشباه الموصلات كقطاع استراتيجى رئيسى واستثمرت فيه بشكل كبير، من خلال اتفاقيات الترخيص المدعومة حكومياً، وتدريب خبراء الهندسة، وشراكات دولية.

كما ساهمت الضرائب المنخفضة والحوافز والاستثمارات فى البنية التحتية فى جعل كوريا الجنوبية قائدة عالمية فى هذا المجال. نتيجة لذلك، نمت اقتصاد كوريا الجنوبية بنسبة 6.2% سنوياً، مقابل 1.8فى المائة فقط فى الفلبين التى اعتمدت بشكل أكبر على الزراعة والتعدين والأعمال التجارية التقليدية. حتى أصبحت كوريا الجنوبية تعرف اليوم بأنها واحدة من أكثر الاقتصادات تقدماً فى العالم، مع إنتاجها لأفضل رقائق الذاكرة الرقمية، ونجاحها يرجع جزئياً إلى قدرتها على إتقان التكنولوجيا وبناء صناعات حولها، بينما تعانى الفلبين من نمو أبطأ، الأمر الذى يربط مباشرة بالذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للدول النامية اتباع نموذج مشابه لنشر الذكاء الاصطناعي، كما أشارت تقارير حديثة عن نمو كوريا فى الذكاء الاصطناعى من خلال شراكات مع OpenAI واستثمارات فى البنية التحتية، مقابل نمو الفلبين الذى يركز على الاقتصاد الرقمى لكنه يواجه تحديات فى التبنى الشامل.

ويطابق تبنى الذكاء الاصطناعى فى دول مثل الإمارات العربية المتحدة (59.4 فى المائة) وسنغافورة (58.6 فى المائة) مستويات عالية بين العمال ذوى الأجور العالية، بينما يعكس رفض الاستثمار الطويل الأمد فى الجنوب العالمى نقص الاتصال الرقمى والمهارات بين البالغين ذوى الدخل المنخفض، حيث يوضح تقرير مايكروسوفت Microsoft AI Diffusion لعام 2025 انتشار الذكاء الاصطناعى حسب الاقتصاد، وتوزيعها بين الشمال والجنوب

وعند النظر إلى «كتل بناء الذكاء الاصطناعي»، يظهر نمطاً واضحاً يظهر امتصاصاً أعلى بكثير فى الشمال العالمى مقابل تخلف الجنوب، يصور هرم السكان العالميين (8.1 مليار)، مع وصول الكهرباء إلى (7.4 مليار)، مراكز البيانات إلى (5.5 مليار)، الإنترنت إلى (5.3 مليار)، المهارات الرقمية الأساسية إلى (4.2 مليار)، ومستخدمى الذكاء الاصطناعى إلى (1.2 مليار) فالكهرباء تمكن الأجهزة ومراكز البيانات، وهى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالناتج المحلى الإجمالى للفرد، مع عجز فى جنوب الصحراء الكبرى يصل إلى 750 مليون شخص، أما مراكز البيانات تشكل العمود الفقرى للشبكات، ضرورية لتدريب النماذج وتشغيلها، وتقلل من التأخير الذى يؤثر على التجربة، مع تركيزها فى الشمال بسبب قوانين البيانات والاستثمارات. الإنترنت هو بوابة أساسية، كما فى زيمبابوى حيث يرتفع التبنى من 12% إلى 34% بين المتصلين، وهذا النمط يتكرر فى باكستان وكوت ديفوار وهندوراس.

وتبرز أهمية تنمية المهارات الرقمية فى معالجة الأمية الرقمية الأساسية ومهارات الذكاء الاصطناعى المتقدمة، مع حاجة لإعادة التأهيل للتكيف مع وظائف جديدة، أما اللغة، فهى حاجز فريد، إذ يعتمد الذكاء الاصطناعى على البيانات اللغوية، مع أكثر من 7,000 لغة منطوقة لكن معظم المحتوى بالإنجليزية، مما يقلل الدقة فى لغات مثل السواهيلى (أقل من 20 فى المائة دقة) أو اليوروبا (أقل من 55 فى المائة) وهذا يعزز الإقصاء فى مجتمعات نيجيريا أو باراجواي، ومع ذلك، يرى التقرير فرصة فى نماذج اللغة الكبيرة التى تنقل المعرفة ببيانات أقل، كما فى جهود حفظ اللغات المهددة.

وعن البنية التحتية يتناول تقرير مايكروسوفت Microsoft AI Diffusion لعام 2025 البنية الجسدية والطاقة التى تمكن تدريب النماذج، مع استخدام تقديرات وكالة الطاقة الدولية لسعة مراكز البيانات حتى منتصف 2025، مشيراً إلى تباطؤ جزئى فى النمو بسبب الطاقة، أما «مستخدمو الذكاء الاصطناعي»، يؤكد تحليل متقاطع لبياناتهم أسرع تبنى فى التاريخ (1.2 مليار فى 36 شهراً)، والانقسام الشمالي-جنوبي، وحاجز اللغة كعامل مستقل، وقادة مثل الإمارات، وتركيز البنية فى الولايات المتحدة والصين، وتضييق الحدود مع سبع دول فقط تستضيف نماذج أمامية.

وقال المهندس خالد العسكرى، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن اقتصاد العالم يشهد فى الوقت الحالى إعادة تشكيل خارطة النمو الاقتصادى والتقدم الاجتماعى بفضل الذكاء الاصطناعى (AI)، مشيرًا إلى أن منافع هذه الثورة التكنولوجية تتركز بشكل كبير فى الشمال العالمى، ما يهدد بتعميق الفجوات التنموية القائمة.

ولفت العسكرى فى تصريحات خاصة لـ«المصوّر» إلى أن تفوق دول الشمال فى تبنى الذكاء الاصطناعى ليس مجرد مسألة حماس، بل هو نتاج منظومة متكاملة من العوامل الهيكلية والمؤسسية، أبرزها تطور البنية التحتية الرقمية والحوسبية، حيث تتمتع دول الشمال بشبكات اتصال فائقة السرعة، وانتشار واسع للحوسبة السحابية، ومراكز بيانات ضخمة وموثوقة، مبينا أن هذه البنية التحتية الصلبة هى العمود الفقرى لتدريب ونشر نماذج الذكاء الاصطناعى المعقدة، وهو ما تفتقر إليه العديد من دول الجنوب، حيث تظل تحديات الطاقة الكهربائية المستقرة والوصول إلى الإنترنت عالى الجودة عائقًا أساسيًا.

وأضاف العسكرى أن تحسن مناخ الاستثمار بدول الشمال علاوة على القدرة على البحث والتطوير (R&D) يصنع فارقا استثنائيا فى تبنى الذكاء الاصطناعى، فالحكومات والشركات العملاقة فى الشمال تضخّ استثمارات ضخمة فى البحث والتطوير فى مجال الذكاء الاصطناعى، ما يخلق بيئة خصبة للابتكار. موضحًا أنه فى المقابل، تعتمد دول الجنوب غالبًا على النماذج والأدوات الجاهزة التى يتم تطويرها فى الخارج، ما يخلق تبعية تكنولوجية ويحد من بناء قدرات ذاتية محلية.

وأوضح العسكرى أن البيانات تمثل «نفط» هذا العصر، ففى دول الشمال تتوفر مجموعات بيانات ضخمة، ومنظمة، وذات جودة عالية لتدريب النماذج. أما فى الجنوب، فالبيانات غالبًا ما تكون مجزأة أو غير كافية، بالإضافة إلى ذلك هجرة العقول والمواهب المتخصصة فى الذكاء الاصطناعى من الجنوب إلى المراكز العالمية، ما يفرغ هذه الدول من كوادرها الأساسية.

وشدد على دور البيئة التنظيمية والتشريعية الداعمة خاصة مع حرص الدول المتقدمة على وضع أطر تنظيمية واضحة (مثل قانون الذكاء الاصطناعى للاتحاد الأوروبى) التى توازن بين الابتكار والحوكمة الأخلاقية، ما يوفر بيئة مستقرة للمستثمرين والباحثين. هذا الإطار لا يزال فى مراحل التكوين أو الغياب فى العديد من الاقتصادات النامية.

من جانبه، كشف المهندس أحمد حمدى شرف، مسئول بإحدى شركات تكنولوجيا الطاقة أنه فى ظل التحديات العالمية المتعلقة بالطاقة والتطور السريع فى مجال الذكاء الاصطناعى، تعد مصر أبرز الدول فى منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط التى تمتلك إمكانات هائلة لتصبح محطة رئيسية لتوفير الطاقة النظيفة، خاصة لتشغيل مراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعى. مؤكدًا أنه يمكن لمصر استغلال أسعار الكهرباء المنخفضة، وجهودها فى الطاقة المتجددة، وشبكات الربط الكهربائى مع أوروبا لتحقيق نمو اقتصادى مستدام.

وأشار «شرف» فى تصريحات خاصة لـ«المصوّر» إلى فرص الشرق الأوسط فى أن يصبح مركزًا للطاقة المخصصة للذكاء الاصطناعى العالمى، مع التركيز على السعودية ومصر بسبب تكاليف الكهرباء المنخفضة، مشددا على أن مصر تتمتع بميزة تنافسية أكبر بفضل عوامل متعددة، بما فى ذلك استثماراتها فى الطاقة الشمسية والرياح، بالإضافة إلى مشاريع الطاقة النووية الناشئة فى الضبعة.

وقال «شرف» إن الحكومة المصرية تدرك الآن قيمة ثروتها بمجال الطاقة، مع أسعار كهرباء أقل من أى دولة أخرى فى المنطقة، فى ظل الجهود المبذولة لتعزيز الطاقة المتجددة، مع إقامة مشاريع ربط كهربائى مع الدول المجاورة وأوروبا، ما يجعلها خيارًا منطقيًا للاستثمارات الأوروبية التى تبحث عن عائد مرتفع.

وأكد «شرف» على الفرص الكبيرة لتوطين صناعة الذكاء الاصطناعى محليًا، خاصة فى بناء مراكز البيانات وتدريب النماذج، متوقعًا أن يحقق استغلال هذه الفرص ثلاثة أهداف رئيسية وتشمل تعزيز الاعتماد على الطاقة المتجددة، ما يجعل مصر محطة كهرباء نظيفة لإفريقيا والشرق الأوسط، مع تصدير الطاقة إلى أوروبا. أما الهدف الثانى، فيتضمن تحسين بيئة الأعمال للشركات الناشئة فى مجالات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعى، والطاقة النظيفة، فيما يتركز الهدف الثالث حول بناء نماذج ذكاء اصطناعى محلية، ما يعزز السيادة التكنولوجية والابتكار فى مصر.

يُذكر أن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أعربت خلال اجتماعها مع الرئيس عبدالفتاح السيسى قبل أشهر قليلة، عن ثقتها فى أن مصر ستكون فى مقدمة دول البحر المتوسط التى تعتمد عليها أوروبا لتشغيل مصانع الذكاء الاصطناعي. وأشارت «فون دير لاين» إلى أن أوروبا تواجه تحديات طاقة مزمنة، ما يجعلها بحاجة ماسة إلى مصادر طاقة متنوعة، فى حين تمتلك رأس مال هائلا للاستثمار فى الذكاء الاصطناعى لتعويض تأخرها، مقارنة بالولايات المتحدة والصين.

من جانبه، أكد المهندس أحمد الليثى، استشارى التحول الرقمى، أن توطين صناعة الذكاء الاصطناعى يمثل ضرورة وطنية ملحة، تتطلب شراكة واضحة ومتكاملة بين الدولة والقطاع الخاص لضمان التنافسية العالمية، موضحًا أن المنافسة العالمية الشديدة فى مجال الذكاء الاصطناعى تجعل التعاون الاستراتيجى الخيار الوحيد للدول النامية للحاق بالسباق الدولى، مشددًا على أن أى تأخير فى هذا المجال قد يؤدى إلى تفويت فرص هائلة للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية. وأشاد «الليثى» فى تصريحات خاصة لـ«المصوّر» بالاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى، معتبرًا إياها شاملة فى محاورها الرئيسية مثل الحوكمة، والبنية التحتية، وإتاحة البيانات، إلا أنه نبه بضرورة تعزيز التكامل الأفقى بين القطاعات المختلفة، بدلًا من الاعتماد على منهج رأسى منفصل، لتحقيق أقصى استفادة من هذه الجهود.

وفى سياق تحديد الأدوار، تابع الليثى أن الدولة مسئولة عن توفير الأطر التنظيمية الداعمة، وإتاحة البيانات بشكل آمن ومنظم، وتوجيه الاستثمارات نحو الأولويات الوطنية. أما القطاع الخاص، فيقع عليه عبء توفير التمويل اللازم، والخبرات المتخصصة، والتطبيقات المتقدمة لتحويل الأفكار إلى واقع عملى. واقترح الليثى إنشاء آلية تنسيقية رفيعة المستوى، أو ربما جهة وزارية متخصصة، لضمان هذا التكامل الفعال، مع تأكيد أهمية تطبيق التكنولوجيا بالتوازى مع تعلمها، دون انتظار وصولها إلى مرحلة النضج الكامل، لتسريع وتيرة التقدم وتعزيز الابتكار المحلى.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة