رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

دار الإفتاء.. 130 عامًا من «الوسطية والرؤية المستنيرة»


25-11-2025 | 22:38

.

طباعة
تقرير: أميرة صلاح

هناك مؤسسات لا تُقاس أعمارها بالسنوات، بل بالأثر الذى تتركه فى الناس، ودار الإفتاء المصرية واحدة من هذه المؤسسات التى تركت -ولم تزَل- علامة بارزة فى تاريخ الإفتاء، وفى هذه الأيام تحتفى «الإفتاء المصرية» بمرور 130 عامًا على تأسيسها، ولم تكن الاحتفالية مجرد استدعاء لرقمٍ زمنى يوثق عمر مؤسسة، بل جاءت تجسيدًا حيًّا لقصة طويلة من الاجتهاد والمسئولية، خاضتها دار الإفتاء منذ نشأتها عام 1895، حيث لعبت ولا تزال دورًا محوريًّا فى تشكيل الوعى الدينى وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال. تحوّلت الدار إلى مرجعية إفتائية راسخة، تجمع بين إرث فقهى عميق وتفاعلٍ واعٍ مع مستجدات الزمن ومعطيات العصر، لتقدّم للعالم نموذجًا فريدًا فى الفتوى المنضبطة التى تقوم على العلم والخبرة، وتستند إلى منهج مؤسسى متماسك.

 

 

داخل أروقة الحفل، امتزجت نبرة الوفاء مع صوت المستقبل، فبدت الاحتفالية أشبه بمرآة عاكسة لمسيرة مؤسسة تشكلت عبرها ملامح الوعى الدينى المصرى، واستقر فيها مفهوم الفتوى كرسالة أخلاقية وإنسانية لا تنفصل عن واقع الناس وهمومهم اليومية، فقد نجحت دار الإفتاء، عبر عقود متعاقبة، فى ترسيخ نموذج فريد للإفتاء المؤسسى القائم على الوسطية والانضباط العلمى، بعيدًا عن العشوائية وارتجال المنصات، حتى غدت مرجعية موثوقة تتقاطع عندها أسئلة المواطن البسيط مع اجتهادات كبار العلماء.

وقد أبرزت الاحتفالية هذا البعد بوضوح من خلال الفيلم الوثائقى الذى استعرض محطات مفصلية فى تاريخ الدار، مرورًا بسير أعلامها من المفتين الذين حملوا أمانة الكلمة الشرعية فى لحظات تاريخية دقيقة، وشكّلوا بفتاواهم سياجًا فكريًّا حمى المجتمع من الانزلاق نحو التشدد أو التفلت، كما جاءت الكلمات الرسمية لتؤكد أن الفتوى ليست مجرد إجابة فقهية، بل مسئولية حضارية تتطلب وعيًا بالواقع، وإدراكًا لطبيعة التحولات الاجتماعية والثقافية، فى زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتعدد فيه مصادر التأثير.

وفى لمحة إنسانية، مثّل تكريم المفتين السابقين وأسر المفتين الراحلين لحظة صفاء نادرة، فهؤلاء الرجال صاغوا وجدان المؤسسة وأسهموا فى تطوير أدواتها، ليبقى اسم دار الإفتاء مقترنًا بالحكمة والاعتدال والرؤية المستنيرة، ولقد بدا التكريم كرسالة وفاء معلنة تقول إن هذه المؤسسة العريقة لم تُبنَ فقط على القرارات واللوائح، بل على عقول نذرت نفسها لخدمة الدين والوطن، وعلى ضمائر حملت أمانة الفتوى باعتبارها عهدًا ومسئولية لا تشريفًا عابرًا.

تصدرَ التكريمَ فضيلةُ الإمام الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذى تولى منصب مفتى الديار المصرية فى وقت سابق، حيث تسلَّم درعَ التكريم نيابة عنه الدكتور محمد عبدالدايم الجندى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، كما تمَّ تكريم الدكتور نصر فريد واصل، مفتى الجمهورية الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء، الدكتور على جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتى الديار المصرية الأسبق، بالإضافة إلى الدكتور شوقى إبراهيم علام، رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشيوخ ومفتى الديار المصرية السابق.

كما شملت الفعاليات أيضًا تكريم أُسَر المفتين الراحلين، حيث تمَّ تكريم فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوى، شيخ الأزهر الراحل، مفتى الجمهورية الأسبق، وتسلَّم درع التكريم نجله المستشار عمرو محمد سيد طنطاوى. كما تم تكريم الشيخ عبداللطيف عبدالغنى حمزة وتسلم درع التكريم أسرته، وفضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق وتسلم درع التكريم الدكتور عمرو الوردانى، وفضيلة الشيخ محمد خاطر وتسلمت الدرع أُسرته، وأخيرًا فضيلة الشيخ أحمد هريدى وتسلمت أُسرته درع التكريم. وما منح الاحتفالية بعدًا أكثر عمقًا، أنها لم تتوقف عند استرجاع الماضى، بل فتحت أفقًا واسعًا للتطلع نحو المستقبل، مؤكدة أن دار الإفتاء، وهى تدخل عامها الـ130، إنما تعلن عن مرحلة جديدة من النضج والتجدد، تستند إلى رصيد تاريخى راسخ، وتواكب فى الوقت ذاته أدوات العصر ومنصاته الرقمية. قال الدكتور نظير محمد عياد، مفتى الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، أن الاحتفال بمرور 130 عامًا على تأسيس دار الإفتاء هو مناسبة لاستحضار تراثها العظيم الذى أصبح كنزًا فقهيًّا ومعرفيًّا ينهل منه الباحثون والدارسون، لما يتسم به من منهجية أصيلة توازن بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع، محققًا بذلك مقاصد الشريعة ومكارمها، مشيرًا إلى أن دار الإفتاء عبر تاريخها قد احتضنت شيوخًا ومفتين كبارًا كانوا نخبة مختارة وصفوة مجتباة من الله تعالى، حملوا أمانة الفتوى، وعملوا على ترسيخ الاستقرار المجتمعى ونشر قيم التسامح والتعايش، فضلًا عن دورهم الوطنى فى مواجهة الفكر المتطرف وكشف انحرافاته، وصدّ محاولات العبث بالهُوية المصرية التى تجمع بين الانتماء الدينى والقومى.

وفى رؤيته لمستقبل دار الإفتاء، قال «عياد»: إننا نستشرف مرحلة جديدة تتزايد فيها تحديات العولمة والذكاء الاصطناعى، وأشيد هنا بجهود جميع قطاعات دار الإفتاء والعاملين بها، وأؤكد دعمى لهم فى طريق مستقبل إفتائى رشيد.

فيما قال الدكتور أسامة السيد الأزهرى، وزير الأوقاف، إن «دار الإفتاء المصرية تستند إلى إرث علمى عميق يمتد منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم»، مضيفًا أن «استمرار الأجيال العلمية هو سرّ استمرارية رسالة الإفتاء فى مصر».

وأضاف أن كل جيل من المفتين ترك إرثًا علميًّا مهمًّا، مؤكدًا أن مفتى مصر يعد مرجعًا عالميًّا يرجع إليه كثير من العلماء فى شتى الأقطار، ما يعكس شرف مصر ومكانتها العلمية.

بدوره، تحدث الدكتور نصر فريد واصل، عن أبرز المحطات فى حياته الإفتائية، من بينها المبادرة التى قدمها لتوحيد بداية الشهور القمرية، استنادًا إلى أدلة بحثية وشرعية، وأشار د. على جمعة إلى أن هذا الحدث يمثِّل لحظة تاريخية بالغة الدلالة، تتصل فيها حلقات الزمن اتصالًا حيًّا يأخذ من الماضى جذوره الراسخة، ويستمد من الحاضر دروسه ومعطياته، وينفتح على المستقبل بما يقتضيه من رؤية واعية تستند إلى العلم والمنهج والتجربة المتراكمة.

فيما ذكر د.شوقى علام، أن تاريخ دار الإفتاء المصرية يسطِّر كل جهد كريم شريف نفخر به جميعًا، ليكون هذا الجهد فى النهاية لَبِنة فى بناء صرح عظيم فى المجتمع المصرى.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة