رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انضمام عُمان للمنظمة العالمية للمناطق الحرة.. الدلالات والمكاسب


24-11-2025 | 15:29

.

طباعة
بقلم: أحمد تركي ... خبير الشؤون العربية

في خطوة تعكس الحضور المتزايد لسلطنة عُمان في خارطة الاقتصاد العالمي، أعلنت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة مؤخراً، انضمامها إلى المنظمة العالمية للمناطق الحرة؛ وهي أكبر مظلة دولية تضم أكثر من 1600 منطقة اقتصادية وحرة في 140 دولة، هذا الانضمام لا يأتي بوصفه إجراءً بروتوكولياً بقدر ما يمثّل تحولاً استراتيجياً يعزز تنافسية المناطق العُمانية، ويفتح أبوابًا أوسع للتكامل الدولي وجذب الاستثمارات النوعية، خصوصًا في ظل ما تشهده عمان من تطور متسارع في البنى الأساسية والمشاريع الصناعية واللوجستية.

تأتي هذه الخطوة في أجواء الاحتفالات باليوم الوطني المجيد، ذكرى مرور 281 عاماً على تأسيس الدولة البوسعيدية، على يد الإمام  المؤسّس أحمد بن سعيد عام 1744م. ومنذ ذلك الحين، ظلّت الأسرة البوسعيدية حاضرةً في قيادة مسيرة الدّولة، محافظةً على توازنها الداخلي، ومواجهةً لتحدّيات الخارج، مُكرّسةً قيم الاستقرار والانفتاح، مواصلةً مسيرة البناء والتجديد.

فإرثُ التأسيس لم يكن لحظةً عابرةً، بل مشروعًا ممتدًّا تتواصل دلالاته في حاضر النهضة المتجدّدة، بقيادة السُلطان هيثم بن طارق آل سعيد، من خلال رؤيته المستقبلية "عُمان 2040" والتي تمثل البوصلة التي تحدد مسارات التنمية.

ولا شك أن هذه الخطوة العُمانية تحمل الكثير من الدلالات وتنطوي على معان كثيرة بالنسبة لسلطنة عُمان، فالمنظمة العالمية للمناطق الحرة تُعنى بدعم وتطوير المناطق الحرة والاقتصادية حول العالم، وتسعى الهيئة من خلال انضمامها إلى هذه المنظمة الدولية إلى تعزيز تنافسية المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة والمدن الصناعية العُمانية وتعزيز حضورها في المناسبات والمحافل الدولية وهو ما سوف ينعكس إيجابا على الاقتصاد العماني عبر استقطاب استثمارات جديدة من مختلف دول العالم.

كما تسعى الهيئة من خلال هذه الشراكة الدولية إلى توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية، والاستفادة من الاتجاهات العالمية الحديثة في إدارة وتطوير المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة والمدن الصناعية بما ينعكس إيجابا على رفع القدرة التنافسية للمناطق الواقعة تحت إشراف الهيئة.

المؤكد أن هذا الانضمام ينسجم مع التوجهات الوطنية لتعزيز الحضور الدولي لسلطنة عُمان في منظومة الاقتصاد العالمي، فمن المتوقع أن يُسهم انضمام الهيئة للمنظمة العالمية للمناطق الحرة في تعزيز استثمارات القطاع الخاص العالمي في المناطق الاقتصادية والحرة التي تشرف عليها الهيئة وارتفاع التدفقات الاستثمارية إلى المناطق وهو ما ينسجم مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" ضمن أولوية القطاع الخاص والاستثمار والتعاون الدولي التي تستهدف زيادة الاستثمار الأجنبي في سلطنة عُمان. خصوصا من خلال زيادة الشراكات الدولية في التكامل مع المناطق العالمية النظيرة واستقطاب التقنيات الحديثة في مختلف الصناعات ورفع مستوى الصادرات من خلال توطين أنشطة إعادة التصدير.

فضلاً عن هذا الانضمام يعني جاهزية البنى الأساسية في المناطق الاقتصادية لاستيعاب الاستثمارات العالمية الكبرى، إذ تضم المناطق الاقتصادية والحرة في سلطنة عُمان بنية أساسية مهيأة لاستقطاب الاستثمارات العالمية من خلال تجمعات صناعية مجهزة بمرافق وخدمات عالية الجودة ومرتبطة بالموانئ والمطارات وشبكة الطرق الحديثة بمختلف المحافظات.

وعلى سبيل المثال فإن المنطقة الحرة بصحار مرتبطة بميناء صحار، والمنطقة الحرة بصلالة مرتبطة بميناء صلالة، والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم مرتبطة بميناء الدقم وميناء الصيد البحري متعدد الأغراض، وفي المنطقة الحرة بالمزيونة تم إنشاء ميناء بري يقدم الخدمات اللوجستية اللازمة للبضائع الصادرة والواردة ويسهل لها التصدير خارجيا سواء عبر الطرق البرية أو عبر ميناء صلالة الذي لا يبعد كثيرا عن المنطقة.

كما أن كل هذه المناطق بالإضافة إلى منطقة خزائن الاقتصادية والمناطق الصناعية التابعة لـ مدائن مرتبطة بشبكة طرق ذات كفاءة عالية تربطها بمختلف المطارات في سلطنة عُمان والأسواق الخليجية، وبالتالي فإن المناطق الاقتصادية والحرة والصناعية التي تشرف عليها الهيئة تتوفر بها جميع البنى الأساسية اللازمة لاستقطاب الاستثمارات العالمية وتوفير سبل نموها ونجاحها. بالإضافة إلى الموانئ البرية قيد التطوير في كل من المنطقة الاقتصادية الخاصة بالروضة والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالظاهرة.

ولا ريب أن ثمة مكاسب استراتيجية عديدة سوف تجنيها سلطنة عُمان بسبب انضمامها لعضوية المنظمة العالمية للمناطق الحرة، لعل من أبرزها، تعزيز تنافسية المناطق التي تشرف عليها الهيئة وجعلها أحد الخيارات الرئيسية أمام المستثمرين الدوليين، في حين تضم المنظمة في عضويتها أكثر من 1600 منطقة ومؤسسة اقتصادية من أكثر من 140 دولة وهو ما يعني الوصول إلى شبكة استثمار عالمية، وإتاحة المجال أمام الهيئة لبناء شراكات دولية عبر التواصل مع صنّاع القرار والمستثمرين الدوليين خلال الملتقيات والفعاليات والمؤتمرات الدولية التي تنظمها المنظمة.

إضافة إلى هذا فإن انضمام الهيئة إلى المنظمة العالمية للمناطق الحرة يتيح لها مزيدا من التسويق والترويج الدولي لإمكانيات المناطق وقدراتها التنافسية، وسوف تحرص الهيئة على تعزيز استفادة المناطق التي تشرف عليها من هذا الانضمام وبما يُسهم في رفع قدراتها في القطاعات الصناعية والتجارية واللوجستية، إلى جانب أن العضوية تتيح للهيئة الوصول إلى أكبر قدر من إدارات المناطق العالمية والمستثمرين فيها وبالتالي تمكين المشاريع الموطّنة في سلطنة عمان من الوصول بمنتجاتها إلى الأسواق العالمية من جانب والحصول على المصادر من مدخلات الإنتاج من جانب آخر وكذلك تبادل التقنيات المتقدمة في التصنيع والحلول اللوجستية.

كما يُسهم الانضمام في رفع كفاءة منظومة العمل داخل المناطق الاقتصادية والحرة، إذ تقدم المنظمة العديد من الخدمات والمبادرات لأعضائها تتضمن على سبيل المثال الدراسات والتقارير الاقتصادية التي تُصدرها المنظمة عن اتجاهات الاقتصاد العالمي وسبل الاستفادة من التطورات والمتغيرات الدولية ونحوها من الدراسات والتقارير الأخرى التي يمكن الاستفادة منها في تعزيز أداء المناطق، كما تقدم المنظمة خدمات أخرى تتعلق ببناء القدرات والتدريب، وتسهيل التواصل المباشر مع الأعضاء الآخرين في المنظمة، والعديد من الخدمات التي من شأنها تعزيز استفادة الهيئة من عضويتها في المنظمة ورفع كفاءة العمل داخل المناطق الاقتصادية والحرة التي تشرف عليها الهيئة.

فضلاً عن أن الهيئة تركز على تنويع الاستثمارات وتعزيز حضورها على المستوى الإقليمي والدولي، وتشارك بفعالية في العديد من الملتقيات والمؤتمرات والندوات المحلية والإقليمية والدولية بهدف الترويج لإمكانيات المناطق وقدراتها الاستثمارية، وقد أدت الجهود المبذولة من قبل الهيئة والإدارات التشغيلية للمناطق إلى زيادة الاستثمارات الملتزم بها بنهاية النصف الأول من العام الجاري إلى أكثر من 22 مليار ريال عماني، ويأتي الانضمام إلى المنظمة العالمية للمناطق الحرة في إطار تعزيز الجهود لجذب مزيد من الاستثمارات إلى المناطق، خصوصا في تتبع تتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتنفيذ خطة استهداف مباشرة من شأنها التعريف بالمناطق الواقعة تحت إشراف الهيئة كمناطق ممكنة تتميز ببيئة استثمارية مستقرة.

تعتبر الهيئة هي المظلة التشريعية التي تندرج تحتها جميع المناطق الاقتصادية والحرة والمدن الصناعية في سلطنة عُمان، وعملت الهيئة على توحيد التشريعات المنظمة وكذلك توحيد الحوافز والمزايا ورسوم الخدمات التي تقدمها للمستثمرين، وهذا الأمر يرفع قدرات المناطق في التسويق والترويج والتنظيم ويركزها على تطوير الخدمات الاستثنائية وتعزيز الميزة النسبية من حيث الموقع الجغرافي والمواد الأولية المتوفرة والموانئ المتاخمة، وتعمل الهيئة على تحقيق التكامل أيضا على تطوير التجمعات الصناعية المتخصصة بناء على قرب الموارد الطبيعية كالتجمع الصناعي للألمنيوم بصحار والتجمع الصناعي للجبس بشليم وتجمع سلاسل التبريد في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم سيتيح فرص نمو استثمارات في المناطق الأخرى المجاورة في صناعات الشق السفلي.

إجمالاً يمكن القول أن مستقبل المناطق الاقتصادية والحرة في سلطنة عُمان هو مستقبل واعد، فهناك العديد من الجهود التي يتم بذلها من قبل الهيئة وإدارات المناطق والشركات المشغلة للمناطق والشركات العاملة فيها لتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي واستقطاب استثمارات جديدة، وتعمل الهيئة على مواكبة المتغيرات العالمية في هذا القطاع الحيوي بالتعاون مع مختلف الشركاء من الجهات الحكومية والشركات المحلية والأجنبية وهو ما يرفع التفاؤل بالمستقبل الواعد للمناطق الاقتصادية والحرة والصناعية في سلطنة عُمان.

والمتتبع الاقتصادي لحركة الاستثمار الملتزم به يجد أن المناطق ارتفع بها حجم الاستثمار من 14 مليار خلال 2020م ليصل إلى ما يزيد عن 22 مليار عماني حتى منتصف 2025م بزيادة سنوية تصل إلى 6% وهذا مؤشر نمو يدل على تزايد إقبال المستثمرين للاستفادة من ممكنات تلك المناطق وهناك نظرة مبشرة بارتفاع النمو المذكور خلال الخمس سنوات القادمة مع إنتهاء ملفات التفاوض مع ما يزيد عن 170 مشروعا في مختلف تلك المناطق منها 132 مشروعا في قطاعات غير النفطية، إلى جانب نمو الاستثمار في سلاسل الإمداد والقيمة للمشاريع المتوقع دخولها حيز التنفيذ خلال السنوات الثلاث القادمة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة