أمسك الشيخ عبدالباسط عبدالصمد المقرئ الشاب المعروف الذى لم يتجاوز الثلاثين من عمره، والذى اشتهر باسم "الشيخ عبدالباسط براندو" بلوح الأردواز وكتب عليه بالطباشير بخط جميل كلمتى:BAG-BAD".
ثم سألنى
ما رأيك؟
بديع..
ألست تلميذا مجتهدا!
جدا..
وأنا لم يمضِ علىّ أكثر من ثلاثة أشهر فى تعلم اللغة الإنجليزية.
جميل.. ولكن ما دام الأمر كذلك اسمح لى أن أمتحنك.. فهل أنت مستعد؟
مستعد..
هات ورقة وقلما.. إذن!
وجاء الشيخ عبدالباسط بالورقة والقلم، وجلس أمامى بجبته وقفطانه وعمامته الأنيقة، ومد يده إلىّ بعلبة السجائر "الكرافى"، وأشعل لى سيجارة بولاعته الذهبية اللطيفة ثم قال:
- فلتبدأ الامتحان
- اكتب تحية للعالم الإسلامى باللغة الإنجليزية..
- بسيطة ..
وتركته يكتب ولم تكن بسيطة فقد استغرقت وقتا، واستنفدت من الشيخ عرقا وأخيراً وضع الورقة أمامى وقرأت فيها ما يراه القارئ على الورقة التى نشرنا صورتها مع هذا الكلام.. والعبارة فى الورقة كما كتبها بالإنجليزية تقول:
My best wishes for all the musulnans of the world with the hope of peace and friendship among all nations
وترجمتها:"أسعد تحية منى لجميع المسلمين فى العالم مع الأمل أن يعم السلام والصداقة بين الدول".
ووقع عليها بالإنجليزية "شيخ عبدالباسط عبدالصمد"
Sheikh Abdelbaset Abdelsamad
ولم ينسّ التاريخ..
وأمسكت بالورقة وأمعنت النظر فيها فسألنى الشيخ عبدالباسط فى قلق:
- كم على عشرة؟
- عشرة على عشرة فى الإنشاء عشرة على عشرة فى الإملاء، وخمسة على عشرة فى الخط!
وابتسم الشيخ مزهوا فرحا وقال لى:
-عال .. عظيم.. أما حكاية الخط أصلى كتبته نسخ، وأنا خطى أحسن فى الرقعة!
وسألته عن سبب تعلمه الإنجليزية فأجاب:
-أولا الحديث الشريف: "منْ تعلم لغة قوم أمِن مكرهم"، والسبب المباشر رحلتى الأخيرة لإندونيسيا وبورما .. كانوا فى كل مكان لا يتكلمون إلا الإنجليزية ويسألوننى
?You speak English فأقول الكلمة الوحيدة التى كنت أعرفها من هذه اللغة :No ولم أفهم من لغتهم الوطنية سوى كلمتين "تريماكس" يعنى متشكر و"وودها وودها" يعنى أهلا.
ثم سافرت إلى مراكش عن طريق باريس ونزلت فى "لوكاندة" وسألت عن حقائبى فلم أستطع التفاهم، واضطررت لتركها مواصلا السفر إلى مراكش بدونها وسألت هناك عن معنى كلمة "حقائب"فقالوا "valises".
وانتظرت حتى عدت ومررت بباريس وقلت لهم فى نفس الفندق "valises" فجاءونى بالحقائب وهكذا تتبين لك فائدة تعلم اللغات.
وانشغلنا بعد ذلك بتفحص مجموعة النياشين التى أنعم على الشيخ بها وأخذنا فى حديث طويل ممتع حتى إذا قمت لأنصرف ومددت يدى أصافح الشيخ عبدالباسط سألته بسرعة
You speak English؟.. فأجابنى بسرعة أيضا: أيوه وانتبه فاستدرك وقال: Yes sir.
نشر فى أبريل 1957