رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بين الضغوط الأمريكية ومخاوف الانجرار للصراع .. أوروبا أمام معادلة صعبة


11-3-2026 | 14:14

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا واسع النطاق على طهران دون أي تشاور مع الحلفاء عبر الأطلسي، مما وضع القادة الأوروبيين أمام تحدٍ كبير في الاستجابة لصراع لم يكونوا طرفًا فيه. ومع دخول الحرب أسبوعها الثاني، وسط تصعيد إيراني استهدف مواقع مرتبطة بدول أوروبية، تزداد الضغوط على أوروبا، التي لا تزال عاجزة عن صياغة موقف موحد تجاه الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط.

في أعقاب العملية العسكرية على إيران، دعا الاتحاد الأوروبي وبريطانيا  إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وحماية المدنيين، والاحترام الكامل للقانون الدولي. لكن سرعان ما اتسعت رقعة الحرب بعد شن إيران هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة على دول الخليج، ما جعل أوروبا في مأزق متفاقم. فمن جهة، يحتاج  قادتها إلى حماية مواطنيهم العالقين في المنطقة، والوفاء باتفاقيات الدفاع، والسماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدهم العسكرية لتجنب عداوة الرئيس ترامب. ومن جهة أخرى، عليهم تجنب إظهار دعم علني للعمليات الأمريكية، لتفادي رد فعل عسكري من إيران، فضلاً عن التداعيات الانتخابية من جانب شعوبهم، التي لا تريد الانزلاق لحرب أخرى، وفقًا لما أفادت به صحيفة " نيويورك تايمز".

وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده ليست طرفًا في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وأنها لن تنخرط في القتال، ومع ذلك، أرسلت فرنسا طائرات مقاتلة من طراز "رافال" فوق الإمارات العربية المتحدة بعد هجوم بطائرة مسيرة استهدف قاعدة بحرية فرنسية في أبو ظبي. و أمر ماكرون  بتوجه حاملة الطائرات "شارل ديجول" إلى شرق البحر الأبيض المتوسط؛ للحفاظ على ممرات الشحن الاستراتيجية مفتوحة. كما شدد على ضرورة منع انجرار لبنان إلى الحرب في ظل التصعيد العسكري الواسع في المنطقة.

 كذلك وافقت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على نشر أنظمة دفاع جوي في دول الخليج لحمايتها من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وسمحت للطائرات الأمريكية باستخدام القواعد الإيطالية، مع التأكيد على أن ذلك يقتصر على تقديم الدعم اللوجستي، ولا يشمل المشاركة في العمليات الهجومية.

ورغم رفض بريطانيا الانخراط في الصراع، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن الولايات المتحدة بدأت استخدام قواعدها لتنفيذ عمليات دفاعية تهدف إلى منع إيران من إطلاق صواريخ في المنطقة. وذكر البيان أن طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني من طراز "تايفون" و"إف-35" تواصل عملياتها الجوية فوق الأردن وقطر وقبرص والمنطقة الأوسع، في إطار الجهود الرامية إلى الدفاع عن المصالح البريطانية وحلفائها.ويأتى ذلك بعد استهداف طائرة مسيرة إيرانية الصنع لقاعدة "أكروتيري" التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص. وفي الداخل البريطاني، شهدت لندن خروج آلاف المتظاهرين احتجاجًا على مشاركة بلادهم في النزاع.

من جانبه، أدان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بشدة هذه الهجمات، ورفض السماح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد الإسبانية. ورغم تهديد " ترامب" بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا ، تمسك سانشيز بموقفه. على النقيض من ذلك، صرح المستشار الألماني فريدريش ميرز، بأن حكومته تتشارك "أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل فيما يتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وتهديد طهران لإسرائيل، ودعمها للإرهاب ووكلائها".

تكشف الفجوة بين تصريحات القادة الأوروبيين والأوامر التي يُصدرونها بإرسال سفن حربية وطائرات عن حالة التخبط التي تعيشها دول القارة العجوز، والتي تجد نفسها منخرطة في الصراع يومًا بعد يوم. ورغم تحذير نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، بأن الأوروبيين "سيصبحون أهدافًا مشروعة" إذا شاركوا في الحرب، تواصل واشنطن الضغط على أوروبا لدعم جهودها العسكرية.

وليست هذه المرة الأولى التي تنتهج فيها الولايات المتحدة سياسة أحادية دون التشاور مع حلفائها؛ فقد شكل اعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتهديد بالسيطرة على جرينلاند مثالًا واضحًا على ذلك. ووفقًا للخبراء، سيجعل ذلك  أوروبا أكثر حرصًا على استقلالها السياسي والأمني والاقتصادي.

ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على التهديدات الأمنية، بل تشمل أيضًا التداعيات الاقتصادية خاصة بعد تعطل حركة الملاحة العالمية في مضيق هرمز. وحتى الآن ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من  50في المائة، وسط مخاوف من نقص الإمدادات. كما تخشى العواصم الأوروبية تدفق موجات هجرة جديدة من إيران عبر تركيا إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.

وتواجه أوروبا  تحديًا آخر يتمثل في تداعيات الحرب على أوكرانيا؛ إذ قد تستفيد حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من ارتفاع أسعار النفط والغاز، في التخفيف من الأزمات الاقتصادية التي تواجهها. فضلًا عن تحقيق مكاسب على الأرض إذا أدى الصراع إلى استنزاف إمدادات الدفاعات الجوية الأمريكية الصنع المخصصة لأوكرانيا. ومع ذلك، يواجه بوتين تحديات كبيرة، أبرزها صعود قوة أمريكية بلا قيود في عهد ترامب، وهو ما قد يحد من النفوذ الروسي عالميًا ويغير استراتيجية موسكو في بناء شراكاتها الخارجية.

من فرنسا، قال الدكتور توفيق قويدر شيشي، الباحث في العلاقات الدولية، إن موقف أوروبا المعلن هو رفض الحرب بصفة عامة. وهناك اتفاق في البيت الأوروبي على الخطوط الحمراء، وهي عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، صفر تخصيب لليورانيوم، إضافة إلى تحطيم القدرة الدفاعية البالستية الإيرانية، وعدم استخدام مضيق هرمز في أي حرب تجارية . أما المواقف الخفية، نستنتجها من خلال التصريحات المنفردة للدول. فعلى سبيل المثال، كان تصريح إسبانيا واضحًا لا غبار عليه، إذ أعلنت رفضها الحرب جملة وتفصيلًا . كما ترفض تغيير النظام، وهى مسألة حساسة للغاية. على العكس، تميل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا إلى فكرة إسقاط النظام وتغييره.

وتابع " قويدر" أن الأوروبيون كانوا في البداية وسطاء سلام؛ لكنهم تحولوا إلى شركاء غير مباشرين في الحرب. و يؤكد تصريح الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أن الحلف لا يشارك في الحرب؛ لكنه يمكن واشنطن عسكريًا. ويعزى ذلك إلى الضغوطات الأمريكية، ومنها تهديد إسبانيا بقطع التعاملات التجارية، واستخدام ترامب للحلف كأداة ضغط على الاتحاد الأوروبي، لأن أمن القارة يتوقف على المظلة الأمريكية، التي تتحمل الجزء الأكبر من تمويل الحلف. وبناءً على ذلك، أصبح الاتحاد الأوروبي يخضع لإملاءات ترامب، وليس الولايات المتحدة. ويتوقع أن تزداد هذه التبعية حتى انتهاء ولاية ترامب .

و أضاف أن الهدف الأول للاتحاد الأوروبي يتمثل في تأمين الطاقة. ومع ارتفاع أسعار الوقود حاليًا، تجد أوروبا نفسها أمام خيار صعب يتمثل في التوجه للغاز الروسي. وبذلك تصبح أوروبا بين مطرقة ترامب والسندان الروسي. مؤكدًا أن أوروبا ارتكبت خطا استراتيجيًا عندما دعمت أوكرانيا بدلًا من تكوين صداقة مع بوتين.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة