بين ميزانية وأخرى قد تمر الولايات المتحدة بفترة اعتاد أن يطلق عليها الأمريكيون «فترة الإغلاق الحكومى»، لكن هذه المرة طالت هذه المرة حتى وصلت إلى 43 يومًا، وهى أكبر فترة إغلاق شهدتها الولايات المتحدة فى تاريخها، وبعد أغلبية هشة أدت لإقرار ميزانية لا يرضى عنها الكثير، يبقى السؤال: كيف ستعوض أمريكا خسائرها؟
كيفن هاسيت، رئيس المجلس الاقتصادى بالبيت الأبيض، قال إن «المجلس قرر أن الكلفة الاقتصادية للإغلاق الحكومى تصل 15 مليار دولار أسبوعيا، لذا كنا نأمل بشدة أن ينتهى الإغلاق سريعا لكن ذلك لم يحدث، رقم كبير يوضح حجم الفجوة الكبيرة التى تعرض لها الاقتصاد الأمريكى خلال هذه الفترة».
وتوقع «كيفن» أن ينخفض الناتج المحلى العام بنحو نقطة ونصف النقطة فى المائة، فخسائر كبيرة خلفها الإغلاق، وعلى رأسها بالطبع خسائر التسريح المؤقت لنحو 800 ألف موظف فيدرالى، بالإضافة للتسريح الدائم لنحو 60 ألفًا من المتعاقدين مع الولايات الفيدرالية، كما وصل حجم الخسائر إلى نحو 65 مليار دولار من الناتج المحلى الإجمالى السنوى، حتى إن الجيش استمر فى العمل خلال فترة الإغلاق، لكن أفراده لن ينالوا رواتبهم حتى بعد انتهاء الإغلاق.
أما قطاع الطيران فكان له نصيب الأسد من خسائر الإغلاق، حيث أدى الإغلاق إلى توقف جزئى فى حركة الطيران ما أصاب القطاع بالشلل، وأدى ذلك إلى إلغاء أو تعطيل حركة السفر لملايين الأشخاص، وتقدر الخسائر فى هذا القطاع بنحو 5 مليارات دولار، نتيجة تأخير أو إلغاء سفر أكثر من 5 ملايين شخص.
كما توقف صرف المعونات الغذائية لنحو 42 مليونًا، ما أثر بالتالى على قطاع تجارة التجزئة نتيجة لانخفاض معدلات الإنفاق، وأشارت تقديرات البيت الأبيض إلى أن الاقتصاد الأمريكى خسر نحو 90 مليار دولار على مدار أيام الإغلاق، نتيجة الخسائر فى قطاعات التوظيف والتجارة والأعمال.
وحسب الخبراء، يتطلب تعويض هذه الخسائر العديد من الأشهر، لأن المواطنين قلّصوا إنفاقهم بالفعل، لذا يجب إعادة تمويل عجلة الاقتصاد والتخلص من الانقطاعات المستمرة فى المساعدات والرعاية الصحية، أما إدارة «ترامب» فتراهن على تعافٍ سريع من خلال خطة يحاول بها «ترامب» وإدارته تلافى ما حدث والحفاظ على صورته.
وكان سبب الإغلاق الحكومى فى بداية أكتوبر الماضى فشل إقرار تشريع يضمن تمويل عمل الإدارة الفيدرالية فى مجلس الشيوخ، وكان يهدف إلى تمديد سقف التمويل الفيدرالى مؤقتا، وكان هذا الإغلاق هو أول إغلاق منذ سبع سنوات –كان آخرها فى فترة «ترامب» الأولى أيضا فى 2018 واستمر 35 يوما- وكان الخلاف حينها تمويل الجدار الحدودى مع المكسيك.
وأتى هذا الإغلاق نتيجة عجز الحزبين الديمقراطى والجمهورى عن التوصل إلى توافق لإقرار مشروع قانون يموّل الخدمات الحكومية فى السنة المالية الجديدة، وتمكن الجمهوريون من تمرير المشروع فى مجلس النواب، إلا أنهم لم يستطيعوا تمريره فى مجلس الشيوخ.
وفى هذا السياق، قالت رقية سويدان، نائبة رئيس معهد شئون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: منذ عام 1977، فشلت الحكومة الأمريكية فى الوفاء بالموعد النهائى لتمويلها 20 مرة، تلا ذلك إغلاق حكومى، استمر كل منهما ثمانية أيام فى المتوسط، لكن فاق هذا الإغلاق كل هذا واستمر 43 يوما، مما يجعله الأطول على الإطلاق فى الولايات المتحدة، وبالتالى أثر هذا الإغلاق على موارد المواطنين المالية وشعورهم بالأمان وراحتهم اليومية، وهو ما يسيء إلى الإدارة الحالية، وقد أدى ذلك إلى تراجع شعبية «ترامب» بنسبة 33 فى المائة فى آخر استطلاع للرأى، وأدى إلى أن وما يقرب من 1,4 مليون موظف فيدرالى أصبحوا دون أجر لمدة ستة أسابيع، وطلب من نصفهم الاستمرار فى العمل دون داتب.
وأضافت «رقية»: مشروع القانون الذى أقره الكونجرس يضمن إنهاء حالة الأجور المتأخرة، ويُلغى محاولات عدة وكالات لتخفيض عدد الموظفين خلال الإغلاق، والتى أوقفها قاضٍ فيدرالى، ويمنع تسريح المزيد من الموظفين الفيدراليين حتى يناير. ومع ذلك، يُخيّم التوتر والقلق على الأجواء بشأن ما سيحدث فى يناير، لا سيما أنه وقع اللوم العام بشدة على الجمهوريين (وعلى ترامب شخصيًا فى العديد من استطلاعات الرأي)، ما أضر بموقف الحزب الجمهورى لدى الناخبين المترددين والمستقلين. وقد قوّض الإغلاق رسائل الجمهوريين بشأن الاقتصاد والكفاءة، متزامنًا مع تراجع شعبية ترامب والحزب الجمهورى، ومعززًا خطاب الديمقراطيين حول القدرة على تحمل التكاليف والرعاية الصحية. كما كشف عن الانقسامات داخل الحزب وزاد من حدتها -بين المتشددين وقيادة مجلسى الشيوخ والنواب- ما عقّد الاستجابة الموحدة للحزب الجمهورى وفتح المجال أمام النقد العلنى من داخله.
كما أشارت إلى أن «هذا الإغلاق أدى إلى خسائر مالية وسياسية يجب على إدارة ترامب أن تأخذها فى الاعتبار، لأن شعبيته قد تنخفض، وقد يخسر حزبه فى انتخابات التجديد النصفى المقبلة».