رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر تتحدث عن نفسها


5-11-2025 | 15:49

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

فى تاريخ مصر العظيم، الضارب بجذوره عبر سبعة آلاف سنة أو يزيد، عشرات الإنجازات الكبرى التى يمكن وصفها بالإعجاز والأعمال الخارقة، التى لم تتحقق لشعب آخر على هذا النحو منذ فجر التاريخ، قولوا لى بالله عليكم كيف بنى المصريون هرمًا أكبر، وصل طوله عند تشييده قبل ثلاثة آلاف عام إلى 146.6 متر، به 2.3 مليون حجر، وصل وزن بعضها إلى خمسة عشر طنًا أتوا بها من أسوان جنوب مصر ومن محاجر طرة على بعد أميال من موضع البناء، وبقى صامدا يتحدى الزمن حتى الآن؟

أو قولوا لى كيف شقوا قناة السويس قديمها وجديدها؟ وكيف عبرها الجندى المصرى فى أكتوبر 1973 واجتاز خط بارليف الحصين فى ست ساعات فقط؟ ثم كيف بنوا السد العالى فى ظروف سياسية واقتصادية وإنسانية غاية فى الحساسية والصعوبة؟

وتستطيع أن تضم إلى هذه الملاحم بكل ارتياح واطمئنان ملحمة أخرى هى بناء المتحف المصرى الكبير عند أهرامات الجيزة.. هناك فارق كبير بين أن تكتب عن المتحف قبل افتتاحه، وأن تكتب عنه بعد حفل الافتتاح الرائع الذى شهده الرئيس عبدالفتاح السيسى وعشرات الملوك والرؤساء والوفود الذين أتوا ليشاركوا مصر فى احتفالها المهيب.. قبل الافتتاح كان بالإمكان أن أكتب عن رحلة ذلك الحلم الذى راود فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق سنة 1992، فى لحظة تحدى فيها منتقديه بأن يصبح لمصر متحفها الكبير والراقى، بعد أن استنفد المتحف القديم بميدان التحرير (الأنتيكخانة) أغراضه بفعل زيادة عدد زائريه وزيادة عدد القطع المعروضة بداخله، وعن قيام الرئيس الأسبق حسنى مبارك بوضع حجر الأساس لمشروع المتحف عام 2002 بعد تخصيص قطعة الأرض المناسبة له، وعن بيت الخبرة الصينى الأيرلندى الذى يتخذ مقرا له فى العاصمة الأيرلندية دبلن، صاحب التصميم الفائز للمتحف، الذى يعتمد على الشكل الهرمى المخروطى كعنصر أساسى فى تكوينه المعمارى، وعن بداية العمل فى المشروع فى شهر مايو سنة 2005 حتى انتهى هذا البناء الضخم عام 2021 فى أقل من ستة عشر عاما، تعطل خلالها العمل فى الفترة ما بين 2011 و2014 بسبب الأحداث السياسية والأمنية التى شهدتها مصر فى تلك السنوات، وكذلك فى العام الأخير من عمر البناء بفعل تفشى وباء كورونا، ومع ذلك تم الإعجاز واكتمل البناء.

قبل الافتتاح، كنت أستطيع أن أستعيد عدة مشاهد مرتبطة بالمتحف الكبير، مثلا مشهد نقل تمثال رمسيس الثانى عام 2006 من ميدانه العتيق فى قلب القاهرة إلى حيث يقف شامخا الآن فى استقبال ضيوف المتحف الجديد، وكيف نجح المصريون فى إنجاز مهمة نقل تمثال يبلغ طوله أحد عشر مترا، ووزنه ثلاثة وثمانون طنا فى عملية معقدة لفتت انتباه العالم فى حينه، استدعيت أيضا مشهد تعالى الاستغاثات من قلب ميدان التحرير إبان أحداث الخامس والعشرين من يناير عندما حاول الغوغاء الوصول إلى داخل الأنتيكخانة لسلب ونهب محتوياته حتى تصبح مصر بلا تاريخ، ما أجج فى النفوس حلم الحاجة الملحة إلى متحف بديل يكون أكثر قدرة على تأمين محتواه وعرضه بالأسلوب العلمى الحديث الذى يليق بحضارة مصر وتاريخها العريق، استرجت كذلك كيف استطعنا لملمة ما يقرب من ستة آلاف قطعة من كنوز الملك الشاب توت عنخ آمون كى تكون هدية مصر إلى العالم عبر متحفها الجديد؟

قبل الافتتاح، كان بالإمكان التحدث عن المساحة الشاسعة التى يحتلها المتحف التى تقدر بنصف مليون متر مربع، وعن مائة ألف قطعة أثرية يضمها وعن قاعاته ومتحف الطفل ومركز الترميم، وعن المفاجآت الأثرية بين جدرانه، وعن الممشى السياحى الذى يصل بينه وبين أهرامات الجيزة بطول 1500 متر، وعن أماكن الترفيه فيه، وعن إعادة التخطيط العمرانى والمرورى للمنطقة المحيطة بالمعرض، هذا كله جيد وصحيح.

ولكن بعد حفل الافتتاح يصبح الكلام لا عن إنجاز واحد فقط، وإنما عن إنجازين، عن المتحف فى ذاته، وعن ذلك الحدث العظيم الذى أبهر الجميع، عن هذا الحشد الكبير من قادة العالم وضيوف مصر الذين جاءوا من كل بقاع الدنيا ليشهدوا واحدا من أهم منجزات البشرية فى قرنها الحادى والعشرين، عن تلك الطاقات الفنية الجبارة التى خططت ونفذت حفل الافتتاح دون الاستعانة بأى خبرات غير مصرية، فاستطعنا أن نبهر العالم، عن التنظيم المتقن والانضباط البارع، الذى جعل الكل يتحرك بانسيابية دون أزمات، عن فنانى مصر وأبطالها الرياضيين قوتها الناعمة، الذين زيّنوا حفل الافتتاح وأضافوا إليه بحضورهم بريقًا زاد من ألق الحدث العظيم، عن الصورة المثلى التى بدت عليها شوارع مصر ومرورها، عن ميادينها التى تزينت بالشاشات وبرموز حضارتنا الفرعونية، عن الحالة الأمنية فى البلاد التى سجلت أعلى درجات الانضباط والأمان، وتقلت للعالم صورة حقيقية بلا زيف أو تجميل عن واقع الحياة على أرض مصر، عن الشعور بالزهو الذى ملأ نفوس المصريين وهم يتسارعون عبر مواقع الشبكة العنكبوتية وتطبيقات الذكاء الاصطناعى كى يتحولوا إلى شخصيات فرعونية تزين صورها شاشات هواتفهم المحمولة، عن تلك الروح التى استعادت ثقتها فى قدرتها على إتيان المستحيل والصعب فى زمن الإحباطات.

كل شيء كان مبهجا وباهرا فى ذلك اليوم، كان جميلا وجليلا فى تلك الليلة، كان يدعو للفخر بحضارتنا وحاضرنا، ويبشر بمستقبل زاهر أن نحن أحسنا ما نفعله فى حياتنا اليومية على النحو ذاته الذى أنجزنا به متحفنا الكبير، وأخرجنا له حفل افتتاحه.. فشكر مستحق ووافر لكل يد مصرية شرفت بلدها ورفعت اسم مصر، ورسمت الابتسامة على كل وجه شاهد افتتاح المتحف المصرى الكبير.. لقد تحدثت مصر عن نفسها فى تلك الليلة بكل شموخ وكبرياء، فاستمع إليها العالم بكل إنصات وإجلال.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة