ما بين عهود الأسرات، مررت بأسبوع حج كامل فى حضرة الحضارة الفرعونية، ومع أهلى من المصريين القدماء، والسبب زيارات عائلية ومن الأصدقاء الفرنسيين والأجانب لمصر، ليست المرة الأولى التى أقوم بتلك العادة «شبه السنوية»، ولكن هذه المرة كان يصاحبنى فخر السؤال المستمر منهم بالإنجاز المتميز للمتحف الكبير ولتاريخ أول حضارة صُنعت بأيدينا وملك المصريين، وأمام التلفاز كان الجميع مشدودا لمشاهدة الاحتفال، وبعض مَن سافر منهم كتب لى عنه مساء خاصة شرح الموسيقى، فقد كان أمنية الجميع هو الحج للفراعنة، وزيارة المتحف، ووعدوا بزيارة أخرى، وربما مع الشواطئ والشمس الساطعة.
كدت أتعرف تماما على الهيروغليفية وربما أتقنها يوما ما، وأن ما كُتب على الجدران هو تدوين للحياة شبه اليومية المصريين القدماء أى وثائق محفوظة تاريخيا، أو فيسبوك قديم بلغة جيل «زد»، أسئلة عديدة تلقيتها حول المتحف وكنوز توت عنخ آمون به، ووعدتهم بزيارة ومعلومات أكثر كما وعدنى د. أحمد غنيم المثقف والأستاذ الأكاديمى والإدارى مدير المتحف المصرى بمعارف وشرح فور فتحه للجمهور هذا الأسبوع.
أذهلنى خفايا العقل الجمعى لنا كمصريين الآن؛ إذ تحولت فجأة صور الغالبية العظمى ممن أعرفهم ومن شعبنا الأبىّ كبارا ومثقفين، وربما مسئولون، إلى صور بالزىّ المصرى الفرعونى القديم، وتنوع مذهل فى الشخصيات وتعددها من الأسماء القديمة. فالصور الشخصية تم تحويلها إلى شخصيات فرعونية التى احتشد بها الفضاء الإلكترونى، وتحولت الأسماء إلى اللغة الهيروغليفية التى اكتشفها العالم الفرنسى شامبليون، هذا العقل الجمعى -بمناسبة افتتاح المتحف الكبير- يعكس حالة سعادة حقيقية والفخر بالتاريخ وبالوطن وحضارته، وأصبحت صورنا وبمناسبة إنجاز المتحف كأنها تظاهرة مصرية تجوب العالم كله، وكأنها إعلام حديث بالهيروغليفية نوصل بها رسالة للعالم كله، حتى إن بعض الزوار أثناء الزيارة معى وضعوا صورهم بالفرعونى، والأروع أيضا كانت هى والفيديوهات التى أنتجها الشباب المصرى لأجدادى القدماء، وهم يمرحون ويتراقصون فرحا داخل المتحف ويستقبلون الزوار ببهجة، وكان أروعها «فيديو» ربما لرمسيس وبيده موبايل يعزم المدعوين بنفسه، إنها أفكار عبقرية ورائعة خارج صندوق الاحتفالية، وذلك فى تناغم وسيمفونية بديعة مع الاحتفالية الرسمية، ووودت أن يعمم هذا الفيديو فى احتفالاتنا بالمتحف وفى المدارس والجامعات.
وفى الأهرامات، إحدى عجائب الدنيا القديمة السبع وعلى الجدران بالمعابد والعمارات والشوارع، رسومات وأشكال، تعكس جوهر حضارة المصريين، وأنهم من البنائين العظام، وامتد إلى فيديو البنائين المحدثين العظام الذين بنوا هذا الصرح للمتحف الكبير، فنحن المصريين بناة حضارة لتبقى، ونتركها للعالم، ولسنا حضارة هدم وتدمير وإبادة.
كان نصيبى من الجولات هى مدينة القاهرة الكبرى، كانت الطرق إلى المتحف فى أبهى الصور، عمارات الدائرى تزينت، طريق الأهرامات رائع، وعوضا عن المتحف الكبير ذهبنا إلى الشقيق البكر بالتحرير، والذى بناه المصريون أيضا، ولكن مع زيادة الاكتشافات تحول إلى مخزن كما قال فاروق حسنى، صاحب ضربة البداية، فى إنشاء المتحف فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولكن سلسال المصريين والرؤساء أكملوا مسيرة بناء التاريخ، ويا ليت المتحف القديم -كما قال- يتحول إلى أكاديمية لدراسة مستقلة عن علم المصريات، العلم الوحيد عالميا الذى باسم بلد ووطن وشعب؛ أخذنى الفخر والسعادة بأن أغيّر صورة «التايم لاين» إلى صورة الملكة نفرتيتى، وإذا كانت رأسها فى الخارج فهذا فخر لنا أيضا، وأكبر دعاية لتاريخنا، فنفرتيتى لم تكن زوجة فقط لإخناتون، أول مَن نادى بإله واحد، فنحن ملوك التوحيد، وما جاء بعد ذلك من أقوال كان على نغمة التأسيس ونفرتيتى كانت ملكة مثقفة، ومع حق التعليم ليس فقط لبناتها الست، لكن للجميع، ويبدو أيضا لتوت عنخ آمون ابن زوجها إخناتون وقطعه بالمتحف والتى بالآلاف هى أيقونة المتحف الكبير، حيث زرت ساحته العام الماضى، ووقفت أتحدث والتقاط الصور مع ملكنا الأعظم رمسيس وهو يستقبلنا ببهو المتحف وأمامه «حوض نيل صغير»، مثلما كان الحال فى مكانه بميدان رمسيس أو حتى فى ميت رهينة سابقا، وحتى لا يشعر بالاغتراب مع تعدد النقل والعزال كما فى «كوميكس المصريين» الآن، المدهش كما تقول الأخبار وكتب المتخصصين أن أول فكرة لمتحف للمصريات جاءت من مصرى أيضا، وهو رفاعة الطهطاوى وقاعات ملحقة بمدرسة الألسن التى أنشأها فى منتصف القرن 19 ثم بعد وقائع ما، اقترح ميريت باشا إنشاء متحف التحرير ليمثل إعادة لهوية المصرية مع الحضارة الإسلامية، فليس هناك تناقض وإنما روافد، وأعتقد أنه حسم الأمر، وأننا مصريون وكفى.
وإذا كان المصريون القدماء مولعين بتدوين حياتهم اليومية والإشارة لها، فيتبقى أن ننقل العادة وتستمر إلى طرقنا وحياتنا المعاصرة، لا سيما فى المناطق الأثرية بالجيزة، فقد عشت مغامرات لإيجاد لافتة لزيارة أهرامات دهشور، وهى من العظمة والضخامة جعلنى وجعلهم يتساءلون عن سر عدم وضعها بالشركات السياحية على خريطتهم، وأهرامات دهشور الضخمة جدا -تقترب بالشبه من أهرامات الجيزة- تقع بعد منطقة سقارة التى على عكس دهشور تتمتع بخريطة سياحية وإن كانت اللافتات قليلة على المداخل، وأهرامات دهشور الضخمة وشيدها الملك سنفرو والد خوفو، وعرفت الطريق لها بعد السؤال الأهالى عدة مرات أو متابعة بعض أوتوبيسات سياحية صغيرة ووجدت المكان بدهشور به عدد من السائحين لا بأس به، فماذا لو عممنا الزيارات فى البرامج السياحية، وأعدنا تعبيد الطريق، فسوف ترتفع المؤشرات حتما أن صناعة السياحة -بيضة الدهب للدخل القومى- ونحن نستحق، ليس عن شوفينية مصرية وإن يكن كذلك وأفتخر، ولكنها طبيعة التاريخ وأننا أبناء لهذه الحضارة التى تبنى ولا تعدم، ولذلك تحتاج السياحة إلى تضافر الجهود وجولات ميدانية من المسئولين لمعرفة أين الأزمة وحلها. وللحقيقة لم أجد مظاهر احتكاك أو «غلاسة» أو محاولات تحرش بالأجانب، وهذه ملحوظة جديرة بالملاحظة والإشادة فى تطور الوعى الجمعى أيضا الذى ينتصر دائما.
فى آخر الأسبوع، ومع اقتراب موعد افتتاح المتحف، بحثت فى القاهرة وقرب المطار عن غرفة واحدة فقط لا غير لإلحاح الضيوف من أجل الاستمتاع بالشمس والدفء، ولا توفر هذه الخدمة النوادى الرياضية على كثرتها كما حاولت السؤال والبحث، ولم أجد حجرة لهم؛ ففرحت لهذا الإقبال على مصر، وهى تستحق عن حق واستحقاق، فمصر جاءت وجاء بعدها التاريخ.