بعدما طال الشوق والانتظار، وبعد سنوات من العمل الجاد، بذلت فيه مصر كل ما تملك من طاقات وإمكانات وأحلام كبرى؛ حانت لحظة الحصاد، وتحققت النبوءة، وفتحت أبواب متحفها الكبير، الذى استحقّ أن يحمل اسم «درة المتاحف.. هدية مصر للبشرية جمعاء»، الذى لا يضاهيه متحف آخر على وجه الأرض، من حيث عظمة المقتنيات وقيمتها وجمال المبنى وتصميمه أو تاريخ جبانة «منف» وأهرامات ملوك الدولة القديمة. واليوم، وبعد سنوات طويلة من العمل الشاق والجهد الكبير، أصبح المتحف المصرى الكبير، أكبر متاحف العالم، متاحًا للزيارة، وبات جماله باديًا للجميع.
«هنا على أرض مصر، خطت الحضارة أول حروفها، وشهدت الدنيا ميلاد الفن والفكر والكتابة والعقيدة، وأن مصر القديمة ألهمت شعوب الأرض قاطبة. ومن ضفاف النيل، انطلقت أنوار الحكمة، لتضيء طريق الحضارة والتقدم الإنسانى، معلنة أن صروح الحضارة تُبنى فى أوقات السلام، وتنتشر بروح التعاون بين الشعوب».. تلك بعض من كلمات الرئيس عبدالفتاح السيسى التى ألقاها، ليُجسد بها رؤية مصر لدورها فى العالم، باعتبارها قوة سلام وإنسانية.
ومن بعدها، فتح المتحف المصرى الكبير أبوابه، معلنًا استمرار مصر فى حمل الرسالة الإنسانية، وفق قانون «ماعت» الذى وضعه المصرى القديم قبل آلاف السنين، باعتباره أول إعلان لحقوق الإنسان وكرامة الطبيعة، الذى يدعو إلى العدل والنظام واحترام الأرض والماء وحماية الحياة، وهى القيم نفسها التى تؤمن بها مصر المعاصرة وتسعى لترسيخها فى عالم اليوم، لتؤكد أن الحضارات الحقيقية لا تموت، بل تتطور وتعيد تعريف ذاتها فى كل عصر.
وها هى تستعرض الماضى وتُعيد تقديمه بوصفه حيًّا نابضًا فى الحاضر، وقوة قادرة على تشكيل المستقبل، فالحضارة المصرية القديمة التى ألهمت الحضارات الإنسانية القديمة، وأرست أسس القانون والعدالة والفنون والعلوم، تعود اليوم فى أبهى صورها لتلهمهم مرة أخرى، هذه العودة ليست استدعاء للتراث من أجل الاحتفاء به فقط، بل دعوة للتعلّم منه وفهم رسائله العميقة، وأن الماضى لا يُحبس فى المتاحف، بل يُعاد تقديمه كقوة فاعلة فى بناء المستقبل.
ومن هرم الملك «سنفرو»، توالت لقطات أهرامات ملوك الدولة القديمة، الملك «زوسر» والملك «خوفو»، لتتواصل حركة بناء الحضارة الإنسانية وفق مفاهيم الدولة والعقيدة والقانون والعدالة، من معبد الملكة «حتشبسوت»، أقوى ملوك مصر القديمة، إلى معابد الكرنك والأقصر، رمز العقيدة الراسخة فى نفوس أهل مصر، إلى معبد «أبو سمبل» رمز القوة والمهابة المرابطة عند الحدود، وتتداعى وسط صوت القطة الإلهة «باستت» الحامية الشرسة من بعيد، لتنسال بعدها من أجمل ترانيم الكنيسة المصرية لطلب السلام للعالم: «ابؤرو أنتي تي هيريني موي نان انتيك هيريني سيمني نان انتيك هيريني، يا ملك السلام أعطنا سلامك قرر لنا سلامك».
ومن بعدها تتوالى أشعار الحلاج: «يا منية المتمنى، أدنيتنى منك حتى، ظننت أنك أنى، وغبت فى الوجد حتى أفنيتنى بك عنى، يا نعمتى فى حياتى، وراحتى بعد دفنى، ما لى بغيرك أنس، من حيث خوفى وأمني… يا من رياض معانيه، قد حوت كل فنى، وإن تمنيت شيئًا، فأنت كل التمني».
هذا الحدث الاستثنائى خطف القلب والعقل، وقدم مشهدا رمزيا بديعا يحمل دلالات أعمق تتجاوز كل الحدود، عن رمزية العقيدة التى تقوم عليها تلك الحضارة الإنسانية وتتأصل فى قلوب أهلها على أرض مصر منذ فجر الضمير، الرمز قد يختلف، لكن الإيمان ثابت وراسخ فى القلوب، من فلسفة بناء أهرامات الملوك أو معابد الإله الواحد، من تضرعات رهبانها المتبتلين، وطواف المتصوفين بوجد العشق الإلهى، إلى مآذنها وقبابها التى تتعانق مع سمائها الرحبة أمام نيلها الذى يحمل هموم البشر منذ آلاف السنين.
ومن قلب الأرض التى قدّمت للعالم أول مفاهيم الدولة والقانون والعدالة والإيمان؛ تقف مصر اليوم لتعلن عن افتتاح المتحف المصرى الكبير، وسط حفاوة غير مسبوقة وحضور رفيع المستوى من قادة الدول والملوك والرؤساء والأمراء، فضلا عن ممثلين لمنظمات ثقافية، وهو ما عكس المكانة العالمية للمتحف كمشروع إنسانى، قبل أن يكون مشروعًا مصريًا.
هذا المشهد العظيم تجسد بشكل بالغ الرمزية، عندما تسلم كل قائد من القادة المشاركين، نموذجا مصغرا من المتحف يحمل اسم دولته، ليضعه بيديه فى مكانه داخل مجسم ضخم يمثل المشروع، فهذا الصرح ملك للبشرية جمعاء، ثم قام الرئيس عبدالفتاح السيسى بوضع القطعة الأخيرة التى تمثل مصر، معلنًا رسميًّا افتتاح المتحف فى لحظة مؤثرة تمثل تتويجًا لعقود من العمل والإصرار.
وقد حرص الرئيس والسيدة قرينته، على اصطحاب القادة والملوك والزعماء إلى مقر الاحتفال بافتتاح المتحف المصرى الكبير، وكان الرئيس السيسى والسيدة قرينته قد توسطا صورة تذكارية للقادة والملوك والزعماء المشاركين، قبل البدء الرسمى لحفل افتتاح المتحف المصرى الكبير.
وشارك فى حفل الافتتاح 79 وفدًا رسميًا، من بينهم 39 وفدًا برئاسة ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات، بما عكس اهتمام المجتمع الدولى بالحضارة المصرية العريقة وبالدور الثقافى والإنسانى المتفرد الذى تضطلع به مصر.
«كان حلمًا على الورق، لكن الإرادة المصرية جعلت منه واقعًا ملموسًا رغم كل التحديات»، هكذا تحدث الفنان فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، وصاحب الفكرة والحلم، والذى جاء صوته بكلمات لتكشف عن ملامح الرحلة الطويلة التى مر بها المشروع منذ عام 2002، مضيفًا: «عشت كى أرى تلك اللحظة التى يتحقق فيها هذا الحلم»، فالمتحف لا يقف فقط على أرض الجيزة، بل على أرض من القيم التى أرساها الأجداد: التصميم، الإبداع، الإصرار، والإيمان العميق، بأن الحضارة رسالة تتناقلها الأجيال.
وهو ما أكده د. خالد العنانى، المدير العام لمنظمة اليونسكو، فى كلمته، أن المتحف المصرى الكبير يمثل نقطة التقاء نادرة بين الماضى والمستقبل؛ إذ يُقدّم فيه التاريخ ليس كأثر ساكن، بل كقوة ملهمة تُحرّك الفكر الإنسانى وتدفعه نحو الابتكار. كما أشار د. مجدى يعقوب، فى كلمته، إلى أن الطب فى مصر القديمة كان مهنة مقدسة تمزج بين الجسد والروح، وأن الحضارة المصرية قدّمت للبشرية فكرة الرعاية الصحية الشاملة قبل آلاف السنين، وهى الفكرة نفسها التى تواصل مصر ترسيخها اليوم فى سياساتها الصحية والإنسانية.
الرسائل التى حملها حفل الافتتاح ذات أبعاد متعددة، فى مقدمتها البعد الثقافى، فالحضارة المصرية كانت ولا تزال مصدر إلهام للبشرية فى مجالات القانون والطب والهندسة والفلك والفن.
أما سياسيا، فجاء الافتتاح الأسطورى ليحتفى بالإنجاز العمرانى والأثرى، معلنًا الرؤية الشاملة لدولة مصر الحديثة التى ترى فى ماضيها مصدرًا لقوتها الناعمة، وفى تراثها أداة لبناء المستقبل، إنها رسالة تقول إن الحضارة التى بنت الأهرامات لا تزال قادرة على إبهار العالم، لا بالحجر فقط، بل بالفكر والمعرفة والإنسان، وتحتفى بالدور الذى تلعبه مصر فى صياغة الوعى الإنسانى، وإسهاماتها المستمرة فى حوار الحضارات، وإيمانها بأن التراث لا قيمة له إذا لم يتحول إلى قوة قادرة على إضاءة طريق المستقبل.
فالحكاية بدأت من أول معاهدة سلام فى التاريخ التى أبرمها الملك رمسيس الثانى فى معركة «قادش»، لتؤكد أن السلام كان فى قلب المشروع الحضارى المصرى منذ فجره الأول، وتستمر الحكاية فى قانون «ماعت» الذى وضع أول إعلان لمبادئ حقوق الإنسان وحماية البيئة، وفى المدن الغارقة تحت البحر التى لا تزال تشهد على اتساع أفق المصرى القديم وقدرته على بناء مدن عابرة للعصور، وتصل الحكاية إلى اللحظة التى وقف فيها طفل صغير يحمل جرة ماء ليكتشف بالصدفة مدخل مقبرة توت عنخ آمون، فغيّر مجرى علم المصريات إلى الأبد.
كل زاوية فى المتحف تحكى قصة, وكل قطعة أثرية تحمل رسالة، وكل جدار ينطق بدرس إنسانى خالد، ومع ذلك، فإن المتحف ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الجديدة، فمن خلال مرافقه التعليمية والبحثية، ومنصاته التفاعلية، ومراكزه الثقافية والفنية؛ يتحول المتحف إلى فضاء حىّ للتفكير والبحث والإبداع، يستقبل ملايين الزوار من مختلف الثقافات، ويتيح لهم فرصة أن يروا أنفسهم فى مرآة التاريخ.
واليوم، تؤكد مصر المعاصرة أن المصرى القديم بنى حضارة خالدة، وأن الهوية ليست ماضيًا نحتفى به فحسب، بل طاقة نستمد منها القوة لبناء مستقبل يليق بما بدأه الأجداد.
ومن قلب القاهرة، على خط واحد مع الأهرامات التى أدهشت العالم، تقف اليوم هذه المؤسسة الحضارية العملاقة، لتقول للعالم: إن مصر لا تزال، كما كانت دائمًا، قلب التاريخ وعقله وروحه، إنها لا تقدم ماضيها على أنه ذكرى، بل كعهد جديد بينها وبين الإنسانية كلها، عهد يربط بين الحجر والإنسان، بين الفلك والفكر، بين ما كان وما سيكون.