رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. محمد داود.. خبير المياه الدولى: مشروعات المعالجة والتحلية.. ذراع مصر لتأمين المستقبل


3-11-2025 | 14:29

.

طباعة
حوار: سناء الطاهر

تواجه مصر معادلة دقيقة عنوانها «كل نقطة ماء تساوى حياة»، لتخوض معركة واعية لحماية حقها التاريخى فى مياه النيل، من خلال إدارة رشيدة للأزمة تؤكد فى كل مرة أنها لن تفرط فى هذا الحق، جنبا إلى جنب مع مشروعات قومية غير مسبوقة لإعادة استخدام المياه وتحليتها وتطوير نظم الرى وتعظيم الاستفادة من كل قطرة.

وأكد الخبير الدولى الدكتور محمد داود، أستاذ المركز القومى لبحوث المياه ومستشار هيئة البيئة فى أبوظبى، أن ملف المياه على رأس أولويات الأمن القومي، ومن ثم وضعت الحكومة الخطة الاستراتيجية القومية للموارد المائية ٢٠٥٠ والتى تهدف إلى إدارة شاملة ومتكاملة للموارد المائية عبر أربعة محاور رئيسية.. وإلى نص الحوار:

 

 

 

كيف تقيّم الوضع المائى الحالى فى مصر فى ظل الزيادة السكانية والتغيرات المناخية؟

يبلغ عدد سكان مصر نحو 118 مليون نسمة تقريباً فى منتصف عام 2025، وتعتمد مصر بنسبة 97 فى المائة على مياه نهر النيل كمصدر رئيسى للمياه العذبة. وقد انخفضت حصة الفرد من المياه العذبة المتجددة سنوياً فى مصر من نحو 1,972 متر مكعب عام 1970 إلى حوالي570 مترا مكعبا عام 2025، بينما يُتوقع أن تصل إلى نحو 390 مترا مكعبا للفرد بحلول عام 2050 إذا استمرت الزيادة السكانية على ما هى عليه الآن، لذا فقد أصبحت مصر تحت خط الفقر المائى والذى يقدر بحوالى 1000 متر مكعب للفرد سنوياً.

ويقدر الطلب السنوى على المياه فى مصر بحوالى 104 مليارات متر مكعب سنويا، فى حين أن إجمالى الموارد المائية المتاحة تقدر بحوالى 84 مليار متر مكعب لذلك فإن هناك عجزا يقدر بحوالى 20 مليار متر مكعب يتم التغلب عليه من خلال تدوير وإعادة استخدام المياه أكثر من مرة.

وهناك العديد من التحديات التى تواجه قطاع المياه فى مصر من أهمها الزيادة السكانية المطردة وارتباط المياه بالزراعة وإنتاج الغذاء حيث يستخدم القطاع الزراعى نحو 80 فى المائة من إجمالى الموارد المائية المتاحة فى مصر، أضف إلى ذلك تأثير التغيرات المناخية المتوقعة وهو ما قد يزيد تفاقم الجفاف أو تذبذب تدفّق وإيراد نهر النيل، وتملّح الأرض والماء فى الدلتا والمناطق الساحلية بفعل ارتفاع منسوب البحر، مما قد يقلل من الأراضى الصالحة للزراعة ويُضعف الإنتاج الغذائى وزيادة الاعتماد على استيراد الغذاء. وسوف يؤدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على المياه الافتراضية عبر استيراد الأغذية وهى استراتيجية غير مستدامة وتتأثر بتقلبات سلاسل الإمداد بالمواد الغذائية والأوضاع السياسية.

وما أبرز الخطوات التى اتخذتها الدولة لتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه وتأمين احتياجات المواطنين؟

وضعت الحكومة الخطة الاستراتيجية القومية للموارد المائية 2050 والتى وضعتها وزارة الموارد المائية والرى بالتعاون مع الجهات المعنية والشركاء سواء الحكوميين أو القطاع الخاص.

وتهدف إلى إدارة شاملة ومتكاملة للموارد المائية عبر أربعة محاور رئيسية هى ترشيد استخدامات الموارد المائية المتاحة، تنمية هذه الموارد، تحسين نوعية المياه، وتهيئة البيئة المواتية للإدارة المتكاملة والتنمية المستدامة. وتسعى الاستراتيجية إلى تعظيم العائد من وحدة المياه وتحقيق الأمن المائى والغذائى فى ظل التغيرات المناخية وزيادة النمو السكاني.

كذلك قامت الدولة بالتوسع فى مشروعات إعادة استخدام المياه مثل إنشاء محطات المعالجة الثلاثية لمياه الصرف الصحى لتحسين نوعية المياه المعالجة لتسمح باستخدامها فى الرى والإنتاج الزراعي. وكذلك بناء ثلاث محطات ضخمة لمعالجة مياه الصرف الزراعى وهى محطة المحسمة بسعة إنتاجية مليون متر مكعب يومياً ومحطة بحر البقر بسعة إنتاجية 5.6 مليون متر مكعب يوميا ثم محطة الدلتا الجديدة بسعة 7 ملايين متر مكعب يوميا.

ويُعاد استخدام هذه المياه المعالجة فى استصلاح الأراضى الجديدة والمشاريع القومية مثل سيناء والدلتا الجديدة. وقد ساهمت هذه المحطات فى إعادة استخدام نحو15 مليار متر مكعب سنويًا من مياه الصرف الزراعي، مع خطة لزيادتها تدريجيًا فى المستقبل وفقا لتوافر مياه الصرف الزراعي. كما توسعت الدولة فى الاستثمار فى قطاع تحلية مياه البحر حيث تم إنشاء وتشغيل أكثر من 100 محطة تحلية حتى الآن بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى نحو 1.25 مليون متر مكعب سنوياً يتم إنتاج حاليا نحو 860 ألف متر مكعب يوميا، وهناك خطة للتوسع ورفع السعة الإنتاجية لمحطات التحلية إلى 8 ملايين متر مكعب يومياً بحلول 2050. وتستخدم هذه المياه فى تزويد المناطق السكنية والترفيهية فى الساحل الشمالى وسيناء والبحر الأحمر بدلا من توصيل مياه النيل لهذه المناطق البعيدة والذى يستلزم بنية تحتية مكلفة لتوصيل المياه لها. وقد تم تنفيذ العديد من مشروعات إنشاء سدود وخزانات لتخزين مياه الأمطار والسيول فى سيناء والبحر الأحمر ومطروح، وتطوير مخرّات السيول لحماية المدن والمناطق الزراعية والسكنية. أضف إلى ذلك قيام الدولة بتنفيذ حملات توعية مثل «كل نقطة بتفرق» و«وفر المياه». وتدريب المزارعين على الممارسات الزراعية الذكية مائيًاً.

وكيف ترى التطورات الأخيرة فى ملف سد النهضة، وهل تغيرت السياسة الإثيوبية تجاه المفاوضات؟

فى تحد واضح للتعاون مع دولتى المصب، قامت إثيوبيا بإعلان الانتهاء من بناء وتشغيل السدّ تقريباً، إذ جرت مراسم افتتاحه فى سبتمبر الماضي. ونتيجة هذا التعنت الواضح من قبل إثيوبيا، فإن مصر والسودان أعلنتا أن المفاوضات الثلاثية وصلت إلى طريق مسدود فى نهاية عام 2023 بسبب عدم قبول إثيوبيا مقترحات قانونيّة أو فنيّة تخضع لمطالبهما ومحاولة إثيوبيا لفرض سياسة الأمر الواقع. ولم تبد إثيوبيا أى استعداد لتوقيع اتفاق ملزِم قانونياً يغطى مراحل الملء والتشغيل تحت ظروف الجفاف أو الجفاف الممتد والسنوات ذات الإيراد المنخفض لنهر النيل، وهو مطلب مصر والسودان منذ سنوات برغم أن ذلك لا يؤثر كثيرا على إنتاجية السد للكهرباء. وبالرغم من التصريحات الإثيوبية عن وجود (نوايا تفاوضية مرنة) من جانبها، إلا أن ذلك لم يترجم حتى الآن إلى أفعال أو إلى تقديم مبادرات كافية لإقناع مصر أو السودان بأن مصالحهما محمية وأن هناك شفافية فى توفير البيانات حول عملية التشغيل.

وعدم وجود اتفاق ملزم قد يترك المنطقة عرضة لمخاطر عالية فى سنوات الجفاف أو فى حالة انخفاض إيراد النهر.

ما التأثيرات المحتملة للخطوات الأحادية الإثيوبية على مصر والسودان خلال الفترة المقبلة؟

تتمثل التأثيرات المحتملة للخطوات الإثيوبية المنفردة فى إمكانية تخفيض حصّة المياه وخصوصا فى سنوات الجفاف أو الجفاف الممتد نتيجة القرارات الأحادية لتشغيل السد دون التعاون أو مشاركة البيانات مع كل من مصر والسودان. وهو ما يساهم فى التأثير على القطاع الزراعى فى البلدين، لكن قامت بخطوات وإجراءات استباقية من خلال التوسع فى تحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف الصحى ومياه الصرف الزراعى المعالج وهى مشاريع تتطلب استثمارات مالية رأسمالية وتشغيلية ضخمة لعمل البنية التحتية والتشغيل والصيانة.

حدثنا عن خطط مصر لمواجهة أى طارئ مائى؟

تمتلك مصر مجموعة من الخطط والإجراءات الاحترازية لمواجهة أى طارئ مائى أو تصرف أحادى مفاجئ من جانب إثيوبيا، وهى مبنية على ثلاثة مستويات: التخطيط الاستراتيجي، الإجراءات التشغيلية، والسياسات الدبلوماسية والقانونية. حيث تم إعداد خطة الطوارئ الوطنية للمياه والتى تشمل تحديد الأولويات لاستخدامات الموارد المائية أثناء الطوارئ وكذلك الإدارة المثلى لاحتياطى مخزون المياه خلف السد العالي. وضبط مناسيب المياه لتوفير استقرار نسبى خلال فترات انخفاض إيراد نهر النيل، واستخدام السد كمخزن احتياطى للطوارئ، ما يتيح تخفيف تأثير أى تعبئة أحادية لسد النهضة.

إلى أى مدى ساهمت مشروعات التحلية وإعادة استخدام المياه فى تعزيز الأمن المائى المصري؟

فى ظل التحديات المائية التى تواجهها مصر، خاصةً فى ظل ثبات حصة مصر من مياه نهر النيل والزيادة السكانية المستمرة، أصبح من الضرورى البحث عن مصادر بديلة ومستدامة لتأمين احتياجات المياه. وتُعد مشروعات تحلية المياه وإعادة استخدامها من أبرز الحلول التى تبنتها الدولة لتعزيز الأمن المائي. وقد وضعت مصر خطة استراتيجية لتحلية مياه البحر حتى عام 2050، تتضمن ست خطط خمسية، تهدف إلى زيادة الطاقة الإنتاجية لمحطات التحلية لتصل إلى 8 ملايين متر مكعب يوميًا. وتبدأ الخطة الأولى من عام 2025 حتى 2030، وتشمل 23 مشروعًا بإجمالى إنتاج يبلغ 2.655 مليون متر مكعب يوميًا. وتمتلك مصر حاليًا نحو 100 محطة تحلية مياه، بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 1.25 مليون متر مكعب يوميًا. وتسعى الدولة إلى زيادة عدد محطات التحلية لتلبية احتياجات المياه المتزايدة، خاصةً فى المناطق الساحلية والمدن الجديدة.

وكيف ترى دور التعاون الإقليمى و«دبلوماسية المياه» فى تخفيف التوترات وضمان الحقوق المائية؟

فى ظل التطورات المتسارعة التى يشهدها حوض نهر النيل، خصوصًا بعد بناء سد النهضة الإثيوبي، أصبح من الضرورى التأكيد على الدور المحورى الذى يمكن أن يلعبه التعاون الإقليمى ودبلوماسية المياه فى تخفيف حدة التوترات وضمان الحقوق المائية لدول الحوض كافة، وعلى رأسهما مصر والسودان. فالنيل ليس مجرد نهر يربط بين إحدى عشرة دولة، بل هو شريان حياة ومصدر بقاء لمئات الملايين من البشر، ولا يمكن الحفاظ على استدامته إلا من خلال إدارة جماعية قائمة على الثقة والمنفعة المتبادلة.

ولقد أثبتت التجارب العالمية أن الأنهار الدولية لا تُدار بالقوة بل بالتفاهم، وأن دبلوماسية المياه تمثل الأداة المثلى لتحقيق الأمن المائى المشترك.

ما أهم مخرجات أسبوع القاهرة الثامن للمياه، وكيف يمكن ترجمتها إلى سياسات واقعية؟

شكل الحدث منصة مهمة لتبادل الخبرات وتعزيز التعاون فى مواجهة تحديات ندرة المياه والتغير المناخي. من أبرز المخرجات التى تم التوصل إليها: التأكيد على ضرورة تعزيز التكامل الإقليمى والتعاون العابر للحدود فى إدارة الموارد المائية المشتركة، وتبنى نهج تقاسم المنافع بين الدول بدلاً من تقاسم الحصص، بما يضمن التنمية المشتركة والأمن المائى للجميع. كما دعا المشاركون إلى توسيع استخدام التقنيات الحديثة فى تحلية المياه وإعادة استخدامها، وتطبيق الزراعة الذكية وأساليب الرى الموفّرة للمياه لزيادة كفاءة الاستخدام.

وكذلك تم التشديد على أهمية التمويل المبتكر لمشروعات المياه، ودعم الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإنشاء آليات تمويل مستدامة لمشروعات التكيف مع المناخ، إلى جانب تعزيز بناء القدرات والبحث العلمى وتمكين الشباب فى مجالات الابتكار المائي. كما اتفق المشاركون على ضرورة تطوير حوكمة فعّالة للمياه تدمج البعد البيئى والاقتصادى والاجتماعى فى عملية صنع القرار. ولترجمة هذه المخرجات إلى سياسات واقعية، يمكن العمل على إعداد خطة وطنية وإقليمية متكاملة تضع أولويات تنفيذية واضحة، مع ربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس. كما ينبغى تفعيل آليات المتابعة والتقييم لمخرجات أسبوع القاهرة، وتحويل التوصيات إلى برامج تنفيذية ومشروعات نموذجية، مثل مشروعات التحلية بالطاقة المتجددة وإدارة المياه الجوفية وإعادة استخدام المياه المعالجة.

وبالتأكيد أسبوع القاهرة للمياه أصبح منصة إقليمية وعالمية لصياغة توجهات جديدة نحو الإدارة المستدامة للموارد المائية فى المنطقة، ومن المهم أن تُترجم مخرجاته إلى سياسات عملية تسهم فى تحقيق الأمن المائى وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية فى مصر والمنطقة العربية وإفريقيا. غير أنه يجب أن يتم لاحقا النظر بعين الاعتبار فى إمكانية عقد المؤتمر مرة كل سنتين بدلا من كل سنة لإثراء المشاركات ومنح الوقت للتسويق بشكل جيد إقليميا وعالمياً وإثراء المشاركات العلمية الرصينة وتقليل تكلفة الأسبوع.

وما الرسالة التى توجهها للمواطنين بخصوص ترشيد المياه والحفاظ على هذا المورد الحيوى؟

كل قطرة ماء لها قيمة، وأن الحفاظ على هذا المورد الحيوى ليس مسؤولية الحكومة فقط، بل هو واجب وطنى وسلوك يومى يجب أن يلتزم به كل فرد فى المجتمع. المياه ليست مورداً لا ينضب، بل هى مورد محدود يتأثر بتغير المناخ، والزيادة السكانية، والاستخدام غير الرشيد. فكل لتر يُهدر فى الرى أو فى الاستخدام المنزلى يعنى نقصاً فى نصيب الأجيال القادمة من هذا الحق الطبيعى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة