يزخر صعيد مصر بسحر التاريخ الشعبى والتراث الأصيل، الذى يحتل مساحة عريضة من حياة أهل محافظات الجنوب، إذ يحمله جيلًا بعد جيل رغم مرور قرون عديدة، ولكن وسط الأمور الحياتية وصخبها أصرّت الذاكرة الشعبية لأهل الصعيد على إحياء هذا التراث والتغنى به، لما يضمه من تاريخ متفرد وأصيل.
ومع عصر العولمة الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعى، وسرعة التطور التكنولوجى، أصبح هناك افتقار شديد لمعرفة التراث الثقافى والشعبى لكافة محافظات الصعيد ابتداءً من بنى سويف ونهاية بمحافظة أسوان، وخوفًا من اندثار وضياع ذلك التراث عبر الأزمان، كان لزامًا توثيقه فى شكل صورة وثائقية ناطقة ومُعبرة عن هوية المكان، وتحكى عن أصالته، وإبراز الجانب الجمالى والحضارى له، وتقديم تجربة جديدة غنية تبرز التنوع الثقافى والشعبى فى التراث بين محافظات «قبلي» المختلفة، وتسرد أن هناك «جمالا حقيقيا بكل محافظة جنوبًا»، وتغيير بعض الصور السيئة المأخوذة عن الصعيد بشكل عام.
فى هذا الإطار، أوضح الفنان أحمد مصطفى محمد، مصور وثائقى بمحافظة أسيوط، أن التصوير الوثائقى له مكانة كبيرة لديه بصفة خاصة، وذلك عندما منحه والده كاميرا فورية للتصوير، وهو ما غُرس بداخله الحب الشديد للكاميرا والصور، لافتًا إلى أن البداية الفعلية كانت بعد التخرج فى كلية الزراعة عام 2014م، والاهتمام الكبير بالعمليات الزراعية بداية من زراعة المحاصيل حتى حصادها، بالإضافة إلى تصوير الآفات الزراعية، وغيرها الكثير.
ولفت إلى أن مهنة العمل الوثائقى نادرة بالصعيد، عكس الوجه البحرى، حيث تنتشر هناك بشكل موسع، لكن بالنسبة لإقليم وجه قبلى تكاد تكون معدومة، وبذلك يكون الاهتمام بالتصوير الوثائقى فكرة جديدة على المواطن الصعيدى، كما أن كل صورة تحكى عن قصة، على سبيل الذكر صورة جنى ثمار المانجو بمركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط تُدون فكرة أن ذلك المكان هو مصدر رئيسى لتصدير ذلك المنتج خارج مصر، وصورة صناعة الأوانى الفخارية تُعبر عن أن محافظة قنا رائدة فى تلك الصناعة الفرعونية إلى يومنا هذا، وصورة ملامح وتعبيرات وجه الإنسان المصرى الأصيل، تدل على رحلة كفاحة ونجاحه، وهناك الكثير من الصور التى كانت حكاية كاملة الأركان قبل أن تكون صورة بكاميرا فى يد مُصور وحسب، فهنا لم يكن الاهتمام بالكم الكبير من الصور، ولكن الهدف هو تقديم صور لها لسان ناطق.
وأكد «مصطفى» أنه شارك فى عدد كبير من المعارض داخل مصر، كان آخرها معرضا عن التراث القنائى فى المتحف القومى للحضارة المصرية بمحافظة القاهرة، وذلك للمرة الخامسة على التوالى، حيث تمت المشاركة بنحو 20 صورة متنوعة فى مجال التراث الصعيدى، والتى تعكس الحياة اليومية والمناسبات والأعياد المختلفة خاصة فى محافظة قنا وحبهم الشديد للعبة المِرماح والتحطيب، بالإضافة إلى مهنة وصانعى الأوانى الفخارية، والتى لا توجد إلا بها، والاحتفال بالموالد خاصة مولد سيدى «عبدالرحيم القناوي»، وبذلك يكون المعرض فرصة كبيرة للتعريف بتراث جنوب مصر وإعادة التنشيط السياحى لتلك الأماكن المهدور حقها، بما يُتيح للأجانب والسياح معرفة تراثنا الأصيل.
وأكمل: «أنه حصل على العديد من الشهادات والتكريمات من خلال المعارض التى أُقيمت بمختلف المحافظات، والتى بلغ عددها 6 شهادات فى مجال تصوير التراث، وهي: «فعالية تراث أسوان - فعالية متحف الأقصر - فعالية تراث مصرى - فعالية تراث إسنا - فعالية تراث أسيوط - قنا ذاكرة الجنوب» بالمتحف القومى للحضارة المصرية ومتحف الأقصر.
كما أوضح أن هناك العديد من التحديات التى كانت تقف أمام الكاميرا بشكل متكرر، من أهمها هو خوف الناس من حامل الكاميرا وخصوصًا فى الصعيد، حيث إن حمل السلاح فى الصعيد أسهل من حمل الكاميرا، علاوة على الجملة الأكثر شيوعًا «ممنوع التصوير»، لذلك كانت مهمة التقاط الصورة ليست بالسهل، ومحاولة إقناعهم تحتاج إلى مجهود ذهنى ليس بالقليل، كى يتم التصوير دون مضايقات من أحد.
وأشار الفنان أحمد مصطفى محمد، إلى أن النصيحة الأولى والأخيرة للشباب ومُحبى التصوير ومَن يرغبون فى ذلك، هى أن تكون لديهم رسالة وهدف من التصوير وليس مجرد التقاط صورة وحسب، لأن الصورة تساهم فى حفظ وحماية تراث بلدنا أولًا وتقديمه بشكل يليق بالمجتمع الصعيدى ثانيًا، خاصة أن وجه قبلى قدم العديد من العظماء والرواد فى كافة المجالات والمهن عبر مختلف الأزمان.