منذ مراحلٍ مبكرة من بلورة الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه المشرق العربى، برز جبل العرب -المعروف أيضًا بـ«جبل الدروز»- كأحد المفاتيح الجغرافية والطائفية التى يمكن توظيفها فى مشروع إعادة تشكيل المنطقة على أسسٍ إثنية وطائفية. لم يكن ظهوره فى بعض الخرائط الإسرائيلية والغربية المحتمَلة للتقسيم مجرد ترف أكاديمى أو تفكير نظرى، بل نتاج عقيدة أمنية عميقة الجذور تقوم على تفكيك الدولة المركزية العربية إلى كيانات متناحرة ومنقسمة.
يُعد جبل العرب/الدروز فى سوريا واحدًا من أكثر المناطق تجانسًا طائفيًا، حيث تحتفظ الطائفة الدرزية هناك بأغلبية عددية واضحة فى محافظة السويداء. هذا التجانس، إلى جانب الطبيعة الجبلية للمنطقة، منحها عبر التاريخ نوعًا من الاستقلال الفعلى، خاصة خلال فترات ضعف الدولة المركزية. وقد دفعت هذه الخصائص إسرائيل إلى تصنيف الجبل ضمن المناطق القابلة – وفق تصورها – للانفصال أو الإدارة الذاتية فى حال انهيار الدولة السورية.
يرجع هذا التصور إلى ما عُرف لاحقًا بـ«خطة ينون» (Yinon Plan – 1982)، تلك الوثيقة غير الرسمية التى نشرها الصحفى الإسرائيلى أوديد ينون فى مجلة استراتيجية، والتى تُعد مرآة للرغبة الإسرائيلية فى تفتيت الدول العربية المحيطة على أُسُسٍ طائفيةٍ وعرقية؛ حيث يظهر الجبلُ فيها كركيزةٍ محتملة لـ«كيان درزي» يضم دروز سوريا ولبنان وإسرائيل ضمن كتلة وظيفية متعاونة أو موالية لإسرائيل، على غرار النموذج الكردى فى العراق.
الجبل فى الخرائط غير الرسمية: تصور لكيانات طائفية بديلة
ظهرت تصورات التقسيم فى عدة خرائط أصدرتها مراكز أبحاث إسرائيلية وغربية (مثل MERIA – Middle East Review of International Affairs عام 1996)، وتكررت بعد عام 2011 مع اندلاع الثورة السورية. هذه الخرائط تضمنت كيانًا درزيًا مستقلًا فى السويداء وما حولها، ودويلة علوية على الساحل السورى، ودويلة سنية فى الشمال والوسط، وكيانًا كرديًا شمال شرق سوريا، بالإضافة لدويلة شيعية فى البقاع اللبنانى المتصل بجنوب لبنان. الغاية من هذا التصور إذًا، ليست فقط تفكيك سوريا، بل منع عودة أى كيان عربى موحد قوى قد يمثل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل، عبر إحاطتها بفسيفساء سياسية ضعيفة وسهلة الاختراق.
دور الجغرافيا: الجبل كمنطقة فاصلة أو قاعدة حليفة
تكمن أهمية جبل العرب من منظور الأمن الإسرائيلى فى موقعه الجغرافى الحاسم؛ فهو قريب من الجولان المحتل، ما يجعله خط تماس استراتيجيًا محتملاً. وهو أيضًا قاطع جغرافى بين الجنوب السورى ودمشق، أى أنه يشكل حاجزًا بين عُمق الدولة ومحيطها الحيوي. كما أنه يتاخم الحدود الأردنية، ما يمنحه أهمية فى ضبط أو توجيه حركة الحدود الجنوبية، بجانب ذلك، فهو امتداد غير مُعلن للمثلث الدرزى (الجليل فى فلسطين، الشوف فى لبنان، السويداء فى سوريا)، وهو ما تراه إسرائيل كإطارٍ ناعمٍ لعلاقةٍ إقليمية مُحتملة مع الطائفة. بعبارة أخرى، ووفقًا لهذا المنظور، فإن أى شكلٍ من الإدارة الذاتية أو التحالف الطائفى فى الجبل قد يُستخدم لعزل الجنوب السورى عن النظام أو عن القوى المعادية لإسرائيل، أو حتى كمنطقةٍ عازلة تُستخدم عند الضرورة.
مع اندلاع الأزمة السورية، ظهرت مجددًا سيناريوهات تفكك الدولة السورية، واحتل الجبلُ موقعًا متقدمًا فى مقاربات إسرائيلية متعددة، خاصة فى مراكز مثل «بيغن-السادات». ورغم أن إسرائيل لم تُقْدِم على خطوات سياسية رسمية، إلا أن سلوكَها الميدانى كشف عن إشارات اهتمام استراتيجية تمثَّلت فى تقديم مساعدات طبية ودعم لوجستى لبعض قرى الجبل، وتسهيل التنقلات لأغراض دينية ودينية-سياسية لزعامات درزية بين الداخل الفلسطينى والجبل، بالإضافة للقاءات غير معلنة مع شخصيات درزية محلية أو مهاجرة. وتُظهر كل هذه المؤشرات أن جبل العرب/الدروز ظل حاضرًا فى الذهنية الإسرائيلية كأداةٍ محتملة فى سياق التفكك السوري.
الحدود بين التصور والتطبيق
رغم كثافة الطرح النظرى، فإن الواقع السياسى والاجتماعى حدّ كثيرًا من ترجمة هذه الرؤية؛ فالمجتمع الدرزى فى جبل العرب/الدروز أظهر تمسكًا قويًا بوحدة سوريا، وخاصة فى ظل رمزية قائد الثورة سلطان باشا الأطرش. كما غابت الإرادة الشعبية الداعمة لأى انفصال أو تحالف مع قوى خارجية، لا سيما إسرائيل. كما أن التعقيد الإقليمى بعد تورط إيران، وحزب الله، وروسيا فى سوريا جعل أى تحرك انفصالى محفوفًا بمخاطر عالية. وعليه، فقد ظل التصور الإسرائيلى حبيس الخرائط الذهنية والاستشرافات البحثية، دون القدرة على التحول إلى سياسة عملية، ما يؤكد أن الطرح التقسيمى، رغم استمراره، ليس قدرًا محتوماً، بل رهنًا للتوازنات الداخلية والخارجية.
غير أن المستجدات الأخيرة فى السويداء والتى بلغت ذروتها مع الاشتباكات العنيفة المتصاعدة منذ يوليو الماضى بين قوى درزية مُسلحة ومجموعات بدوية مدعومة من الحكومة السورية والتى أسفرت عن مقتل أكثر من 600 شخص وإصابة نحو ألف، وصولًا للإعلان (خلال الأيام الأخيرة) عن تشكيل «قوات الحرس الوطني» تحت إمرة الشيخ حكمت الهجرى، كل ذلك بالإضافة إلى النزوح القسرى لآلاف المواطنين، تشير إلى وضعٍ أكثر رخاوة فى البيئة الأمنية والاجتماعية.
بجانب ذلك، فإن غياب استراتيجية وطنية محددة من جانب حكومة دمشق «المرتبكة»، التى لا تبدو قادرة – حتى اللحظة – على تحقيق الاستقرار، قد أضعف التماسك الذى تميَّزت به الطائفة الدرزية تاريخيًا، بل إن ذلك يغذى الإحساس المتزايد بالمظلومية، وهو ما انعكس على الاحتجاجات المطالبة بإطلاق سراح المختطفين ووصول المساعدات.
يمتزج ذلك كله – أيضًا – مع التدخلات الإسرائيلية وعملياتها العسكرية المتكررة فى محيط السويداء، ودعاوى فتح ممرات إنسانية مباشرة بين السويداء وإسرائيل لتقديم المساعدات، فى ظل الاشتباكات الدامية بين المجموعات الدرزية والبدوية والقوات الحكومية، رغم وقف إطلاق النار الذى تم التوصل إليه فى يوليو الماضى بوساطة أمريكية وفرنسية. الأمر الذى يجعل أى تحرك انفصالى أو تحالفى أكثر جاذبية للبعض وهو ما عبَّرت عنه بعض الأصوات على الأرض وفى الفضاء الإلكترونى، وإن بدا ذلك ضعيفًا لكن نطاقه قد يتسع بمرور الوقت فى ظل الرخاوة الأمنية وسهولة تشكل الكيانات المسلحة «قوات الحرس الوطني».
الغاية إذًا أن التصور الإسرائيلى، الذى كان حبيس الخرائط الذهنية، يجد اليوم فرصًا أكبر للتحول إلى سياسة عملية فى ظل التعقيدات الإقليمية المتجددة، بل يمكن أن تجد لها متنفسًا من خلال مفاوضات باريس بين إسرائيل وحكومة دمشق التى تسعى لاستعادة اتفاقية «فك الاشتباك» لعام 1974 وتفعيل الممرات الإنسانية، ما يؤكد أن الطرح التقسيمى رهين التوازنات الداخلية المتقلبة والخارجية المتدخلة.
أخيرًا، فإن استحضار جبل العرب فى الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية ليس مجرد انعكاس لهواجس أمنية، بل يُمثل امتدادًا لمشروعٍ أوسع يسعى لإعادة تشكيل الخارطة السياسية للدولة السورية ومحيطها على أسس طائفية وعرقية. ورغم أن الواقع السورى والمجتمع الدرزى – تاريخيًا – شكّلا عائقًا أمام تحقيق هذه التصورات، إلا أن المستجدات الأخيرة فى السويداء، وتفاقم الأزمات الأمنية والاجتماعية بدأت تُحدث تصدعات يمكن استغلالها إقليميًا ودوليًا. وعليه، فبينما يظل الطرح التقسيمى رهن التوازنات المحلية والخارجية، فإن مصير جبل العرب/الدروز سيبقى اختبارًا حاسمًا لمدى صمود الهوية الوطنية السورية فى مواجهة مشاريع التجزئة وإعادة الاصطفاف الطائفى، الأمر الذى تتحمل مسؤوليته «التاريخية» حكومة دمشق من جهة والقوى السياسية والمجتمعية الدرزية من جهة أخرى.
