لقد كانت سياسة مصر الخارجية تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ عام 2014 تحمل توجهاً جديداً قائما على ما يمكن تسميته بـ«الوضوح الاستراتيجى»، وكانت ترجمته العملية بالإعلان الصريح عن «خطوط حمراء» فى ملفات؛ إما أنها تمس صميم الأمن القومى، أو أنها تمس المصالح الأساسية للأشقاء العرب. وبالتالى، لم يكن الإعلان عن تلك الخطوط الحمراء مجرد رسائل سياسية، بل قلْ فرمانات –سيادية تستند إلى تحركات عسكرية ودبلوماسية واسعة وظهير شعبى قوى، هدفت إلى نقل الردع من مستوى الخطاب إلى حيز الفعل، بما يفرض معادلات جديدة على الفاعلين الإقليميين والدوليين، لا سيما منْ حاولوا التلاعب بمعادلة الأمن القومى المصرى، والأمثلة كثيرة.
القضية الفلسطينية
أقرب مثال إلى المصريين – بل والعالم – الحالة الفلسطينية، فمع وقوع أحداث السابع من أكتوبر 2023، برز تهديد مختلف تمثَّل فى محاولات دفع سكان قطاع غزة نحو سيناء، وبدت ملامح مخطط التهجير للشعب الفلسطينى من قطاع غزة واضحة، بما يمس السيادة المصرية ويهدد جوهر القضية الفلسطينية؛ فتهجير الغزاويين كان يفتح الباب أمام تهجير الفلسطينيين فى الضفة الغربية بكل سهولة، وحينها لن يكون هناك مجال للحديث عن دولة فلسطينية، وتنتهى قضية الفلسطينيين وتبقى مجرد أصوات تتحدث عن أنه ذات يوم كان هناك شعب فلسطينى يعيش هنا على تلك الأرض.
لكن كانت مصر أول منْ تنبه لتلك النوايا الإسرائيلية، فاعتبرت القاهرة التهجير خطاً أحمر، وأكدت أنها لن تسمح أبداً به. وأن الأمر يتصل بحق الفلسطينيين فى أرضهم. كما أن مخطط التهجير كان هدفه تحويل سيناء إلى مسرح صراع أو نقطة ضغط تخلخل ترتيبات السلام.
ورغم كل ما تعرضت له مصر من ضغوط عبر أدوات عدة، انتهجت «دبلوماسية صلبة»، عبر ربطها فتح معبر رفح بتدفق المساعدات الإنسانية لا لأى خيار آخر، ووجهت رسائل واضحة لإسرائيل وراعيتها الولايات المتحدة بأن لا مجال أبداً أمام أى مخطط من شأنه تصفية القضية الفلسطينية، وأن السيادة المصرية غير قابلة للمساومة. وقد رافق تلك الرسائل رسائل عسكرية واضحة من خلال استعراضات عسكرية تؤكد أن القاهرة جاهزة لكل السيناريوهات.
كانت إسرائيل فى تلك الفترة تعتقد بأنها أقرب ما تكون من تهجير الشعب الفلسطينى، فقد كان المخطط فى ظل حرب الإبادة يبدو مؤهلاً للتنفيذ، وطوَّعت الأدوات اللازمة لتحقيقه، إما من خلال إغراء القاهرة بالمال عبر أطراف أخرى لاستقبال الفلسطينيين وإقامة مخيمات لهم فى سيناء، أو من خلال محاولات التشويه المستمرة ضد الدولة المصرية، سواء عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية أو من خلال وسائل إعلام غربية تخدم الأجندة الصهيونية. أو من خلال أحقر أدواتهم جماعة الإخوان الإرهابية وأبواقها الإعلامية التى كانت تكيل الاتهامات ضد مصر ليلاً ونهاراً، وكانت تطالب بفتح معبر رفح بداعى التخفيف عن الشعب الفلسطينى، وتوحدت فى مطالبها مع المحتل التى تصب باتجاه تصفية القضية الفلسطينية.
ولم يكن خط مصر الأحمر الرافض للتهجير مجرد موقف يخص القاهرة، بل انتقلت مصر إلى ما يمكن تسميته بدبلوماسية هجومية ضد هذا المخطط، من خلال اتصالات دولية مكثفة، واستقبال الوفود وعقد المؤتمرات والقمم، التى تحشد باتجاه بلورة رفض دولى لفكرة التهجير، وهو ما قد كان، وتحول الخط الأحمر إلى مظلة حماية للفلسطينيين داخل أرضهم، مع إعادة التأكيد على أن الحل لا يكون بترحيل الأزمة بل بتسوية سياسية عادلة، ومن خلال حل الدولتين، أى إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، وما استتبع ذلك من موجة اعترافات دولية بالدولة الفلسطينية. لقد كانت مواجهة شاقة – ولا تزال مستمرة – لصالح القضية الفلسطينية وأمن مصر القومى، بدأت بالإعلان عن خطوط حمراء لا مجال أمامها لأى مهادنة على الإطلاق.
وحدة السودان
لقد اكتسب الجميع ثقة فى خطوط مصر الحمراء، وها هى تظهرها مرة أخرى خلال الأيام الماضية، لكنها تتعلق بوحدة السودان. وأن السودان بالنسبة للدولة المصرية امتداد استراتيجى لا مجرد دولة مجاورة، وهنا يأتى الخط الأحمر يتمثل فى الحفاظ على الدولة الوطنية ومنع تفككها. نحن هنا فى واقع الأمر أمام خط عام أحمر فى سياسة مصر الخارجية ودبلوماسيتها الرئاسية ومحددات أمنها القومى، هو التصدى لأى محاولة من شأنها تفكيك الدول العربية، ورفض كافة أشكال التدخل فى شئونها.
ومع اندلاع القتال بين الجيش السودانى ومليشيات الدعم السريع، التى يقودها محمد حمدان دقلو «حميدتي»، كان الموقف المصرى بلا مواربة داعماً لمؤسسات الدولة ورافضاً لمعادلة الجيش بالميليشيات، وفى نفس الوقت تبسط القاهرة يدها من أجل الحوار والحلول السلمية، التى تحفظ وحدة السودان، وتوقف نزيف الدم الفلسطينى، وتقى البلاد سيناريو التقسيم الثالث بعد انفصال جنوب السودان من قبل.
والأمثلة كثيرة على هذه التحركات، منها أن استضافت القاهرة قمة دول الجوار، وسعت إلى مسار سياسى يحد من التدخلات الخارجية، إلى جانب دور إنسانى واسع باستقبال مئات الآلاف من السودانيين، على نحو أسهم فى منع الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة السودانية، وعرقلة مخططات إقليمية كانت تستهدف تمكين الميليشيات، والحفاظ على الحد الأدنى من تماسك البلاد. أكدت القاهرة حقها فى اتخاذ كافة التدابير التى يكفلها القانون الدولى واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لضمان عدم المساس بهذه الخطوط، التى قالت إنها ترتبط بشكل مباشر بأمنها القومي.
خطوط مصر هنا هى الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السوداني. وعدم السماح بانفصال أى جزء من أراضى السودان. والرفض القاطع لإنشاء أى كيانات موازية أو الاعتراف بها باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه. وتأكيد الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بهذه المؤسسات. خطوط شاملة، والتجارب السابقة تعنى بشكل بديهى أن الرسالة المصرية ستصل سريعاً إلى المقصودين بتلك الخطوط، وستكون هناك تطورات مختلفة خلال الفترة المقبلة تخص الأزمة السودانية، كما كان الحال فى أزمات أخرى، ومن ثم فلن يفكر أى طرف فى التجربة مع مصر.
الأزمة الليبية
الحالة الليبية كانت مثالاً واضحاً على ذلك، ففى يونيو 2020، ومن داخل قاعدة سيدى برانى العسكرية، أعلن الرئيس السيسى أن سرت والجفرة خط أحمر، فى تصريح شكل منعطفاً فاصلاً فى مسار الأزمة الليبية. وذلك حين كانت الميليشيات المسلحة التابعة لغرب ليبيا، والمعضدة صفوفها بتنظيمات مثل الإخوان والجماعة المقاتلة ومرتزقة أجانب وغيرها من العناصر المتطرفة، وبدعم مباشر من قوى إقليمية تتقدم باتجاه الشرق الليبي عقب تثبيت نفوذها فى طرابلس الكبرى.
فى واقع الأمر، كانت السيطرة على سرت والجفرة مفتاحاً للإمساك بمفاصل الهلال النفطى، وفتح الطريق نحو الحدود المصرية الممتدة لأكثر من 1200 كيلومتر. أى أن الأمر كان يعنى تحول الحدود المصرية مع الجارة الليبية إلى نار لجماعات وفصائل معروف عداؤها الشديد لمصر 30 يونيو، وربما كانت تخطط لأن تكون نقطة انطلاق تثير من خلالها القلاقل ومحاولات الاختراق، خاصة إدخال العناصر الإرهابية.
ولأن خطوط مصر الحمراء لم تكن مجرد كلمات فى الهواء، أعقب الإعلان عنها تحرك عسكرى واسع النطاق، شمل حشوداً غير مسبوقة على الحدود الغربية، وتنفيذ مناورات «حسم 2020»، التى أظهرت تكامل القدرات بين القوات الجوية والبحرية والبرية، كما حظى القرار بغطاء قانونى عبر تفويض البرلمان المصرى ودعم القبائل الليبية.
وقد وصلت الرسالة وقتها بوضوح، وصلت رسالة الردع بوضوح إلى القوى المعنية، فكان تجاوز الخط يعنى مواجهة مباشرة مع الجيش المصرى، حينها توقفت العمليات العسكرية، لتبدأ مسارات التهدئة ووقف إطلاق النار عبر مباحثات جرت فى مدينة جنيف السويسرية، ثم الانتقال إلى العملية السياسية، التى حتى وإن كانت متعثرة حتى الآن، إلا أنها حقنت الدماء، وحالت دون تفكك ليبيا، ووضعت مساراً سياسياً يمكن السير عليه حتى لو كان به إشكاليات. وقبل كل ذلك كانت الحماية لأمن مصر القومى من الحدود الغربية.
أمن الخليج العربى.. مسافة السكة
أيضاً فى سياق الحديث عن خطوط مصر الحمراء يجب التوقف عند أمن الخليج العربى، الذى يعد ركناً ثابتاً فى العقيدة الأمنية المصرية، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي. إن أمن الخليج العربى التزام تاريخى لدى الدولة المصرية، عبر عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى إحدى المناسبات بقوله «مسافة السكة»، ولم تكن تلك العبارة توصيفاً إنشائياً، بل تعبير عن الاستعداد السريع للتحرك. وهذه ثوابت لدى القاهرة لا ترتبط على الإطلاق بوضع العلاقات مع دول مجلس التعاون، صعوداً وهبوطاً، فهى التزام ثابت لا يمكن أن تتملص منه أبداً.
وفيما يخص خطوط مصر الحمراء تجاه أمن الخليج العربى فهى كثيرة – منها ما يمكن الحديث عنه ومنها ما لا يمكن – من ذلك مشاركة مصر فى تأمين الملاحة بالبحر الأحمر، وتعزيز أسطولها الجنوبى، وافتتاح قاعدة برنيس كمنصة استراتيجية لحماية المصالح العربية، مع مواقف سياسية واضحة ضد أى تهديد لأمن الخليج. وقد أسهم الوجود المصرى فى خلق توازن ردعى، ورسخ دور القاهرة كعنصر توازن فى منظومة الأمن العربي. وكل الدول التى تريد النيْل من أمن الخليج تضع فى اعتباراتها بكل تأكيد الموقف المصري.
الصومال.. اختبار مهم
وفى الفترة الماضية وجدت مصر نفسها أمام اختبار جديد، عندما قررت إثيوبيا التعامل مع ما يسمى بـ«إقليم صومالى لاند» الانفصالى بشكل منفصل بعيداً عن الدولة الصومالية، بل – حسب عديد من التقارير – وعدت أديس أبابا هذا الإقليم بالاعتراف به كدولة، والمساعدة فى الدفع نحو مزيد من الاعترافات الدولية به، مقابل اتفاقية غير قانونية للاستفادة بأحد الموانئ الصومالية التى تقع ضمن نطاق الإقليم. ورغم انشغال مصر بالعديد من الأزمات والإشكاليات، كانت مواقفها واضحة جاعلة من أى مساس بوحدة الصومال خطا أحمر، ولوَّح الرئيس السيسى بتفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك، كما تم إبرام تفاهمات عسكرية بين القاهرة ومقديشو.
وقد قال الرئيس السيسى مؤخراً خلال أعمال المؤتمر الوزارى الثانى لمنتدى الشراكة «روسيا – إفريقيا» إنه على ضوء الارتباط الوثيق بين مصر ومنطقة القرن الإفريقى، تشدد مصر على أهمية تحقيق واستدامة الاستقرار فى تلك المنطقة، وضمان أمن الملاحة فى البحر الأحمر، باعتبارهما عنصرين أساسيين للأمن الإقليمى والدولي. وأضاف أنه هذا المنطلق تعتزم مصر المشاركة فى بعثة الاتحاد الإفريقى الجديدة فى الصومال «أوصوم»، كما تبذل جهوداً مضنية فى سبيل توفير التمويل اللازم للبعثة.
خطوط حمراء من منطلق القوة
إن فرض الخطوط الحمراء أتى من منطلق القوة، قوة الموقف وشرفه، وأيضاً قوة مصر العسكرية، فلم يكن ممكناً فرض تلك الخطوط دون التطور الكبير فى قدرات القوات المسلحة. هذه رسائل الردع التى واقعياً الخطوط الحمراء وتجعلها واقعاً عملياً، على الأقل على مستوى خشية الآخرين منها ومهابتها.
لقد اعتمدت مصر سياسة تنويع مصادر السلاح، ما منحها استقلالية فى القرار. وعززت برامج التصنيع العسكرى من استدامة القوة، فضلاً عن المناورات الكبرى التى شكلت إشارات عملية بأن الخطوط الحمراء محمية بقوة فعلية.
فى الواقع، كانت هناك أطراف إقليمية ودولية تعتقد أن مصر «لقمة سائغة»، نتيجة كثير من الأحداث السياسية التى مرت بها البلاد، والمخططات الفوضوية التى أرادت إضعاف الدولة، إلا أن القاهرة لم تكن أبداً هكذا، وكانت خطوطها الحمراء صدمة لتلك القوى، والتى معها يمكن القول إن مصر انتقلت من رد الفعل إلى صناعة المعادلات، فحمت القضية الفلسطينية، وفرضت حدود الصراع فى ليبيا، ودعمت الدولة السودانية، وثبتت الأمن الخليجى، وتصدت للمطامع فى الأراضى الصومالية، وجعلت من أمنها القومى جحيما ممنوعا الاقتراب منه.
وبقى التأكيد على أن تثبيت الخطوط الحمراء المصرية لم يكن أبداً سعياً للتوسع أو الهيمنة، أو طمعاً فى مصالح معينة كحال بعض الأطراف الأخرى، بل انطلق من مبدأ استخدام القوة كأداة حماية واستقرار، قولاً وفعلاً.