«وحدة السودان».. أحد أهم الثوابت المصرية التى طالما أكدت عليها مصر منذ اندلاع الأزمة السودانية بين قوات الجيش السودانى وميليشيا الدعم السريع، وهو ما أكدت عليه القاهرة مؤخرا حين وضعت خطوطاً حمراء للمرة الأولى فى الأزمة السودانية، مؤكدة أنها لا يمكن أن تسمح بتجاوزها باعتبارها تمس الأمن القومى المصرى الذى يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن القومى السودانى.
كما تضمنت التحذيرات المصرية الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم العبث بمقدرات الشعب السودانى، وعدم السماح بانفصال أى جزء من أراضى السودان، مؤكدة أن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ومنع المساس بهذه المؤسسات، خط أحمر آخر، وأن لها الحق الكامل فى اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة التى يكفلها القانون الدولى، ومن بينها تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.
القاهرة، أكدت أيضا عبر بيان رئاسى، جاء فى ختام زيارة ثانية خلال شهرين، أجراها رئيس مجلس السيادة الانتقالى وقائد الجيش السودانى الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى القاهرة، التقى خلالها الرئيس عبدالفتاح السيسى، دعمها الكامل لرؤية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الخاصة بتحقيق الأمن والاستقرار والسلام فى السودان، وأن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السودانى هى أحد أهم هذه الخطوط الحمراء مؤكدة «عدم السماح بانفصال أى جزء من أراضى السودان».
الموقف المصرى جاء اتساقا مع بنود الاتفاقية الموقعة بين مصر والسودان، فى أغسطس 1976، للدفاع المشترك بين الرئيسين أنور السادات وجعفر النميرى قبل أن يقوم البلدان فى مارس 2021، بتجديد بعض بنودها باتفاقية جديدة للتعاون العسكرى، أسفرت عن إجراء مناورات مشتركة، مثل: «نسور النيل» و«حماة النيل» و«حارس الجنوب».
وفى هذا السياق، قال السفير صلاح حليمة، عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية إن «الأمن القومى المصرى يرتبط مباشرة بوحدة الأراضى السودانية، وفى ظل وجود مؤامرات تهدف إلى تقسيمه، فإن ذلك يستدعى وضع خطوط حمراء لعدم تجاوزها، بما يحقق الحفاظ على مقدرات الدولة السودانية، وبما يشكل ضمانة لحماية الأمن القومى المصرى»، موضحا أن «الموقف المصرى بشأن الحفاظ على وحدة وسلامة السودان ثابت وقوى، والقاهرة قادرة على تنفيذ ما تعلن عنه من شعارات ومبادرات لحماية مؤسسات الدولة السودانية».
عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية، لفت إلى أن استدعاء اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين جاء للتأكيد على أن هناك تنسيقا مشتركا بين البلدين فى إطار الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة فى السابق بين البلدين.
وأشار «حليمة»، الى أن بيان الرئاسة المصرية، جاء مضمونه أن القاهرة تتابع بقلق بالغ استمرار حالة التصعيد والتوتر الشديد الحالية فى السودان، وما نجم عن هذه الحالة من مذابح مروعة وانتهاكات سافرة لأبسط قواعد حقوق الإنسان فى حق المدنيين السودانيين، خاصة فى الفاشر، كما أكدت رفضها القاطع لإنشاء أى كيانات موازية أو الاعتراف بها، باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه، ما يؤكد أن التنسيق المصرى السودانى جاء لمجابهة تهديدات تقسيم البلاد، ويأتى فى إطار حماية الأمن القومى المصرى والسودانى والعربى، خاصة أن البلدين ضمن مجلس الدول المتشاطئة على البحر الأحمر، وهذا المجلس لديه أدوار رئيسية تتمثل فى الدفاع والتنمية.
وأضاف: أن الموقف المصرى يأتى فى إطار مبادرة «الرباعية الدولية»، التى طرحها ولى العهد السعودى رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان، أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة، موضحا أن القاهرة تدعم تنفيذ خريطة طريق تبدأ بهدنة تستمر ثلاثة أشهر، ودمج قوات الدعم السريع فى الجيش السودانى، مع الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية السودانية.
كما أكد أن «الأزمة السودانية بالتأكيد تمس الأمن القومى بصورة مباشرة باعتبار السودان دولة جوار مباشر، فى إطار ما يربطها من اتفاق دفاع مشترك بين البلدين، وما يربط مصر والسودان من تاريخ مشترك، وفى تهديد الأوضاع فى السودان لمجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر»، مشددا على أن كل هذه الأمور المشتركة بين مصر والسودان تدفع مصر لإصدار هذه الرسائل الواضحة والحاسمة فى ظل التحركات التى يشهدها السودان، خاصة الأوضاع الكارثية من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية شهدتها مدينة الفاشر، مؤكدا أن رسالة القاهرة واضحة بأنها لن تسمح بتكرار تلك الجرائم فى حق الشعب السودانى أو بتفتيت وحدة الدولة السودانية.
وأوضح عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية، أن «الخطوط الحمراء التى أعلنتها الرئاسة المصرية تشمل الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السوداني، وعدم السماح بانفصال أى جزء من أراضى السودان، ورفض القاهرة القاطع لإنشاء أية كيانات موازية أو الاعتراف بها باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بهذه المؤسسات باعتباره خطا أحمر لمصر»، معتبرا أن المساس بتلك الخطوط الحمراء تهديد حقيقى لوحدة السودان وأهميته الإقليمية ومساس مباشر بالأمن القومى المصرى.
وأشار السفير «حليمة» إلى أن الرؤية المصرية لحل الأزمة السودانية ووقف الحرب تميل إلى خطوات عملية فى مقدمتها وقف إطلاق النار ودمج الدعم السريع فى الجيش السودانى وإحياء «منبر جدة» للمفاوضات بخصوص الأزمة السودانية، ومعالجة الأوضاع الإنسانية على نحو يضمن عدم تكرار ما حدث فى الفاشر، ثم محور سياسى لتسوية الأزمة بصورة كاملة من خلال الحوار السودانى-السودانى.
بدورها، قالت أمانى الطويل، مديرة البرنامج الإفريقى بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: مصر وضعت خطوطاً حمراء لأول مرة فى الملف السودانى، وموقفها الأخير هو الأكثر حدة منذ اندلاع الحرب، وهو يتماشى مع الموقفين السعودى والأمريكى بشأن الحفاظ على وحدة السودان، وضرورة وقف الحرب، ورفض الكيانات الموازية، والحفاظ على مؤسسات الدولة، كما أن هناك توافقاً سعودياً - مصرياً على المواقف القوية بشأن وحدة السودان، ما يبرهن على أن الاتجاه السائد الآن هو بلورة مبادرة لوقف إطلاق النار وإقرار هدنة إنسانية.
وأوضحت «الطويل»، أن مصر لها الحق الكامل فى اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة فى حال المساس بتلك «الخطوط الحمراء» وفقا لاتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين، مشيرة الى أن تدخل القاهرة فى حال المساس بتلك الخطوط مجددا هو خيار شرعى وقانونى لأنه يستند إلى اتفاق قانونى أبرم بين دولتين ذات سيادة، وأنه بمثابة تحرك فى إطار القانون الدولى يستند إلى الاتفاقية الثنائية، لافتة إلى أن هدف مصر الأساسى هو الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها وفى مقدمتها المؤسسة العسكرية السودانية باعتبارها ضمانة حقيقية لحفظ وحدة السودان، وهو ما يضمن ويحفظ الأمن القومى المصرى، وموضحة أنه «رغم ذلك فإن القاهرة تؤكد دعمها الدائم لكافة الجهود المخلصة التى تدعم وقف الحرب فى السودان».
واعتبرت مديرة البرنامج الإفريقى بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، زيارة «البرهان» إلى القاهرة فى هذا التوقيت الحساس الذى تمر به الأزمة السودانية ذات أهمية بالغة فى ظل ما تمر به الأزمة السودانية، خاصة الوضع العسكرى والذى يمس الأمن القومى المصرى بصورة خاصة والأمن القومى العربى أجمع.
فى حين أكد حاتم باشات، قنصل مصر الأسبق فى السودان، أن إعلان القاهرة خطوطاً حمراء فى السودان هو الثالث، بعد ليبيا (خط سرت -الجفرة) وتهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، ما يعكس حجم الخطر الذى تواجهه الحدود الجنوبية لمصر، وحجم الأزمة التى يواجهها السودان فى الوقت الراهن خاصة ما يتعلق بتهديدات تقسيم البلاد والحديث عن انفصال آخر بعد انفصال جنوب السودان فى عام 2012.
وأوضح أن «البيان الذى أصدرته الرئاسة المصرية يؤكد دعم مصر للأمن القومى السودانى، وتعزيز دور الجيش السودانى فى التعامل مع الأزمة الحالية، باعتباره إلى جانب الحكومة السودانية الأطراف الشرعية الوحيدة فى البلاد حالياً»، مشدداً على أن القاهرة لن تسمح تحت أى ظرف بتقسيم السودان أو انفصال أى جزء من أراضيه.
«باشات» أشار إلى أن «الحدة التى تضمنها بيان الرئاسة المصرية واعتبره البعض تلويحاً ضمنياً باللجوء إلى الخيار العسكرى، أمر طبيعى فى ظل تعالى الحديث بالآونة الأخيرة عن التقسيم وإنشاء حكومة فى غرب السودان موازية للحكومة الشرعية، ما يفتح الباب أمام المضى قدماً فى التقسيم والانفصال»، مؤكدا أن «القاهرة تحتفظ بكل الخيارات الممكنة للتصدى لهذا الأمر، خاصة أن مصر هى أكثر دولة تستطيع التعامل مع الملف السودانى، بحكم الجيرة والتاريخ المشترك والعلاقات السياسية والاقتصادية».
وأضاف أن «الأولوية بالنسبة لمصر تبقى للخيار الدبلوماسى والحل السياسى للأزمة السودانية»، مشيرا الى أن «الإشارة إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين فى بيان الرئاسة المصرية؛ كانت بمثابة رسالة، مفادها أن القاهرة لن تصمت حال تفاقم الأزمة».
من جانبه أكد السفير معتز أحمدين خليل، عدم رغبة القاهرة فى اللجوء إلى الخيار العسكرى، واصفاً البيان الرئاسى المصرى بأنه «محاولة للردع بدلاً من التدخل المباشر».
وأوضح أن «القاهرة تشعر بالقلق إزاء ما تقوم به قوات الدعم السريع من انتهاكات بالآونة الأخيرة، واتجاه التطورات نحو انفصال بعض أقاليم غرب السودان أو التقسيم بحكم الأمر الواقع، وهو ما ترفضه مصر بشكل واضح وصريح خاصة أن ذلك سيفتح جبهات تهدد الأمن القومى المصرى من ناحية الجنوب، والتقديرات غير إيجابية حال نجاح مخطط التقسيم خاصة أن موقف مصر منذ بداية الأزمة يقوم على دعم الجيش والحكومة السودانية الشرعية المتواجدة حالياً فى بورتسودان وهى الأطراف المناوئة للقوى التى تسعى للانفصال فى الغرب»، مشيرا إلى أن «اللهجة المصرية الحادة فى البيان الأخير تأتى بمثابة رسالة إلى الأطراف المتحاربة فى السودان، مفادها أن هناك حدوداً لما يمكن أن تقبل بها القاهرة».
من جانبه أشاد الخبير العسكرى اللواء أمين إسماعيل مجذوب، بموقف مصر الصريح فى دعم السودان وتمسك القاهرة بوحدة وسلامة الدولة السودانية واعتبار المساس بوحدة السودان بمثابة خط أحمر، معتبرا أن بيان الرئاسة المصرية «تاريخى» وتعبير صادق عن موقف مصر الداعم للسودان.
وأكد أن «السودان يعانى من مؤامرة لتفتيت وحدة البلاد وإحداث تغيير ديموغرافى لسكانه»، مشيرا إلى أن قوات الدعم السريع تسعى لتنفيذ هذا الغرض لخدمة أجندات خارجية لا تريد الخير للسودان وهدفها الوحيد الاستيلاء على موارد وثروات البلاد، مؤكدا أن القاهرة لن ترضى بالمساس بوحدة السودان أو تفتيته لأنه يؤثر على مستقبل السودان وسلامة الأمن القومى المصرى.
وحول دلالات البيان المصرى، أكد الخبير العسكرى أنه رسالة مصرية «حازمة وحاسمة» تقول إنه «على من يريد إشعال تلك المنطقة أن يعلم أن هناك خطوطا حمراء لا يمكن المساس بها أو تجاوزها، وأن على جميع الأطراف أن تعلم أن مصر لن تقف عاجزة أمام أى تهديد لحدودها الجنوبية سواء كان بتقسيم السودان أو وجود لميليشيا فيها أو بتحويلها إلى معبر للهجرة غير الشرعية أو مكان لإيواء الكيانات الإرهابية أو الجريمة العابرة للحدود».
فى حين أوضح اللواء محمد عبدالواحد، الخبير فى شئون الأمن القومى، أن بيان الرئاسة المصرية يشكل نقطة تحول فى السياسة الخارجية المصرية تجاه السودان، من الدعم الدبلوماسى الناعم إلى التحذير والتهديد الدفاعى، مشيرا الى أن خطاب القاهرة جاء داعما بشكل رئيسى للجيش السودانى وقائده عبدالفتاح البرهان، والذى يعانى ضغوطاً داخلية بعد انتصارات الدعم السريع الأخيرة فى دارفور وكردفان، والاستيلاء على مناطق نفطية استراتيجية».
وأضاف: القانون الدولى فى ميثاق الأمم المتحدة، وبالتحديد المادة 51، تتحدث عن حق الدول فى الدفاع عن نفسها حال تعرضها للتهديد، والأمن القومى المصرى معرض للخطر فى ظل حالة الفوضى التى تعم السودان، وحالة الفوضى فى السودان تهدد الأمن القوى المصرى عبر نزوح ملايين اللاجئين السودانيين إلى مصر، وسيطرة ميليشيا مسلحة، لها ماضٍ كارثى فى جرائم القتل والتشريد والترويع، على مناطق استراتيجية، ما يعزز المخاوف من فتح ممرات تهريب فى مناطق سيطرتها.
وأوضح أن «القاهرة قادرة على أن تقدم دعما عسكريا مباشرا عبر التدخل بقوات، أو غير مباشر عبر تقديم السلاح واللوجستيات للجيش السودانى، وذلك فى إطار القانون الدولى واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، إلا أنها داعمة بشكل واضح للمبادرة الأمريكية فى إطار الرباعية الدولية، لوقف الحرب واللجوء للمسار السياسى، عبر التوصل لهدنة تقود إلى اتفاق يُنهى الحرب تماما».
«عبدالواحد» لفت إلى أن مشكلة السودان تعود إلى تسعينيات القرن الماضى مع وصول عمر البشير إلى الحكم، مشيرا إلى أن الأزمة جاءت ضمن مخطط برنارد لويس لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وكان أول ملامحه فصل السودان الشمالى عن الجنوبى، وهو ما تحقق بالفعل، موضحا أن هناك مخططًا جديدًا يستهدف تقسيم السودان مرة أخرى، مصر تضع هذا السيناريو كخط أحمر لما له من تداعيات مباشرة وخطيرة على الأمن القومى المصرى.
كما أكد أن الحدود المصرية السودانية تُعد من أطول وأوسع الحدود، ما يشكل ضغطًا كبيرا على القوات المسلحة المصرية لتأمينها، خاصة مع استغلال هذا الخط فى تهريب المواد غير المشروعة، وعلى رأسها المخدرات والأسلحة.

