احتراز وجوبى، هذه السطور خارج المعركة المحتدمة حول فيلم «الست»، فحسب شهادة تاريخية موثقة تبرهن على علاقة طيبة جمعت بين خالد الذكر الزعيم جمال عبد الناصر، وكوكب الشرق (أم كلثوم).
الفيلم (الست) يحفل بمحطات وجدانية مكثفة تظهر أم كلثوم فى لحظات انكسار حقيقى، قبل أن تعود فتنهض بقوة أشد.
ومن أبرز تلك اللحظات فترة ما بعد ثورة الضباط الأحرار، حين تعرضت لهجوم صحفى قاسٍ واعتُبرت رمزا للعهد السابق، ما دفعها إلى الانزواء بعد تساقط شعرها وتراجع صحتها، حتى جاء طلب جمال عبد الناصر لأغنية جديدة فى حفل رسمى، وهو ما أعادها إلى المسرح والجمهور فى لحظة استعادة تاريخية.
هذا ما انتهى إليه الفيلم الذى جسد فيه الممثل الجميل «عمرو سعد» دور الزعيم جمال عبد الناصر فى مشاهد معدودة على هامش حياة كوكب الشرق، وناصر لم يكن يوما فى الهامش، ولكنها السينما التى تهمش المتون، وتمتن الهوامش بلغتها الخاصة.
وكأن قلبه كان حاسس، قبل أن يغادرنا إلى السماء، وبناء على طلبى كتب الأستاذ «سامى شرف» وزير شئون الرئاسة فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وخازن أسرار الحقبة الناصرية رسالة بعلم الوصول تتضمن ما خفى من علاقة خالد الذكر الزعيم جمال عبد الناصر بكوكب الشرق أم كلثوم.
الشهادة مكتوبة ومنشورة قبلا، وننشرها مجددا بمناسبة ما ورد فى فيلم «الست» عن علاقة الزعيم ناصر بالست، وفى خفايا هذه العلاقة حكىٌ كثير.. ربما لم يصل أسماع صناع الفيلم، وليتهم عادوا إلى مذكرات الأستاذ سامى شرف بوصفه الأمين على أسرار الحقبة الناصرية، وأسرار ناصر شخصيا، ومواقفه الإنسانية مع كوكب الشرق.
***
يقول الأستاذ سامى شرف: «ناصر كان معنيا بشكل خاص بتوطيد علاقته بالسيدة «أم كلثوم» باعتبارها «ثروة قومية»، ليس لها مثيل فى التاريخ الحديث على مستوى العالم العربى بل وعلى المستوى العالمى.
أيضا وإن كانت هذه العلاقة تكاد تكون بنفس الدرجة مع «محمد عبد الوهاب»، وكان أحد أحلامه الذى تحقق فى 1964 أن يجتمع هذان القطبان فى عمل مشترك يجسد الأصالة والعظمة للفن المصرى والعربى، وكانت البداية فى «إنت عمرى».
وقد كانت لها قصة أخذت من الوقت والجهد والإصرار من جانب عبد الناصر، كما شرفت أن أشارك فيه بنفسى معهما حتى يتحقق هذا الحلم.
وفى الحقيقة فإننى قد فاتحت محمد عبد الوهاب سنة 1963 بناء على مكالمة بينى وبين عبد الناصر الذى قال لى «اعرض على عبد الوهاب أن يلتقى مع أم كلثوم فى عمل مشترك، ثم فى نفس الوقت نبهنى بألاّ أضغط عليه لأن مثل هذه الأمور لا تولد بالرغبات أو بالتعليمات ولكن تنبع من ذاتهم بقناعاتهم الشخصية».
وأذكر أننى عندما فاتحت عبد الوهاب فى هذه الفكرة أن قال لى: «هذه الفكرة قد تنجح وقد تفشل وأنا أحلم بها فعلا وفى نفس الوقت آمل أن يجىء هذا اليوم الذى ألتقى فيه مع ثومة.
ولما نقلت رأى عبدالوهاب للرئيس قام بمفاتحته هو والسيدة أم كلثوم فى «عيد العلم» سنة 1963 وقال لهما «إمتى حا نسمع لك لحن تغنّيه الست؟» وكان رد عبد الوهاب «حاضر يا سيادة الريس». كما كان رد أم كلثوم «يا ريس أنا مستعدة وجاهزة أغنى أى لحن لمحمد». وكانت «إنت عمرى»، والتى تبعها بعد ذلك لمدة عشر سنوات روائع أخرى ساهم فيها هذان العملاقان.
ولقد كان تعليق عبد الناصر على لقاء العملاقين: «لقد استطاع فن محمد عبد الوهاب وفن أم كلثوم أن يجمع العرب من المحيط إلى الخليج..».
***
كانت علاقة أم كلثوم بعبد الناصر منذ قيام الثورة علاقة قوية جدا، وكانت تتردد على «منشية البكرى» فى أى وقت، وفى كثير من الأحيان بلا مواعيد تلتقى بالعائلة أو بأى أحد منا، تتصل تليفونيا لتعرض رأيا أو فكرة أو مشكلة أو نقدا قد يعن لها أن ينقل للرئيس بلا حساسيات، وكنا نعتبرها دائما من أهل منشية البكرى.
ولعل الكثيرين لا يعلمون أن أم كلثوم قد أدت أغنية يوم 10 يونيو1967 بعنوان «إبقى» وسمّاها البعض «حبيب الشعب»، وهى من تأليف صالح جودت وتلحين رياض السنباطى ـ ولدىّ (الكلام لسامى شرف) شريط خاص لتسجيل هذه الأغنية تم فى صالون منزل أم كلثوم فى هذه الليلة.
كما أنى أحتفظ بشريط آخر لأم كلثوم يسجل لها أغنية «رسالة إلى الزعيم» تم تسجيلها بعد رحيل عبد الناصر، وهى من تأليف نزار قبانى ومن تلحين رياض السنباطى. وبالمناسبة فإن أم كلثوم قد قدمت أغنية «باسم مين يا خارجين»، وذلك فى أوائل شهر أكتوبر سنة 1961 وبالذات يومى 3 و4 أكتوبر، عقب الحركة الانفصالية بين مصر وسوريا والتى كان من كلماتها: «باسم مين يا خارجين ع الشعب قمتم باسم مين؟.. باسم إسرائيل والاستعمار؟.. ولاّ باسم المأجورين.. ولاّ باسم الشعب؟ والشعب منكم برىء.. ده مستحيل تفريق قلوب المولى جمعها فى طريق..».
( ماذا طلبت أم كلثوم من ناصر.. نُكمل الأسبوع المقبل).
