رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بعد انتشال قطع أثرية من ميناء «أبوقير».. هل تبنى مصر متحفًا لكنوزها المغمورة بمياه البحر؟


28-8-2025 | 15:04

.

طباعة
بقلـم: أمانى عبدالحميد

انتشال أربع قطع أثرية، كانت مغمورة بمياه خليج أبى قير بالإسكندرية، عملية علمية مذهلة شهدتها مصر والعالم، لكنها جددت حالة الجدل حول مصير آلاف القطع الأثرية الغارقة تحت سطح الماء. هل نتركها تصارع الأمواج والعواصف وأيادى التطوير، وشغف الفضوليين على امتداد حدود مصر البحرية الشمالية، أم نقوم بانتشالها وترميمها ووضعها داخل المتاحف كى يتمكن العالم من تأملها عن قرب؟، تلك بعض من المخاوف التى تواجهها مصر، وتتجدد كل عام بحلول 21 أغسطس «يوم التراث الثقافى المغمور بالمياه»، كما أسمته منظمة اليونسكو، أملا فى معرفة الطريقة المثلى للتعامل مع كنوز مصر المغمورة بمياه البحر المتوسط.

مصر تملك أكثر من مدينة تحمل اسم الإسكندرية، واحدة نراها اليوم وأخرى مغمورة بمياه البحر الأبيض المتوسط. لكل منهما حكايات بشر، وتاريخ دول، وتفاصيل حضارة مصرية عريقة. قصة مدينتين تحملان نفس الاسم ونفس الروح، واحدة تعيش بيننا بزحامها وشوارعها وبيوتها ومتاحفها، وأخرى كانت هنا يوما بقصورها ومعابدها وتماثيلها، ترقد تحت مياه البحر، ساكنة بين صخوره، ترمق كل مَن يقترب من شط المدينة الماريا. حيث يلتقى التاريخ بالبحر عند عتباتها دون أن تنتهى الحكايات التى تخبئها الأمواج فى أعماقها؛ كى تظل الإسكندرية مدينة استثنائية تُحاكى الزمان والمكان معا.

ومعها تتردد التساؤلات: هل هى آثار غارقة أم مغمورة بالمياه، هل يجب انتشالها أم تركها تحت الماء، هل من الممكن إقامة متحف يحمل اسمها فوق الأرض أم تحت الماء؟، تساؤلات مشروعة تتجدد كل عام دون القدرة على تحقيق إجابة شافية عليها. فالكنز الغارق كبير بشكل غير مسبوق، يمثل مدينة كاملة تحت سطح البحر الأبيض المتوسط. صحيح أن مصر تمتلك أيضا آثارا مغمورة تحت مياه نهر النيل على امتداده، إلا أن ما يرقد أمام شواطئ الإسكندرية يمثل مدينة كاملة بكل تفاصيلها من حى ملكى وما به من قصور، وفى المقدمة قصر الملكة كليوباترا، ومعابد دينية، ومنها معبد الإلهة إيزيس، وشوارع، وتماثيل، وأعمدة، ونواميس، حتى فنار الإسكندرية القديم الذى كان طوق نجاة البحارة عبر العصور القديمة. هذه الثروة تمثل متحفا بحريا مفتوحا وتجعل مصر واحدة من أغنى الدول التى تمتلك تراثا ثقافيا مغمورا بالمياه فى العالم. وعلى الرغم من ذلك، فإن مصر تحاول جاهدة منذ أكثر من مئة عام استكشاف ما تملك من الكنوز الأثرية الغارقة، دون أن تضع إجابات شافية أو حلولا عملية للتعامل مع كنوزها.

هناك وقف د. محمد مصطفى، أحد رواد العمل فى مجال استكشاف الآثار الغارقة بالإسكندرية، يتتبع بقلق انتشال القطع الأربع بالرافعة، وأقرانه الذين يرتدون بدل الغطس لا يزالون فى المياه، رءوسهم تعلو مع ارتفاع كل قطعة حتى تصل إلى مستقرها على الشاطئ الرملى للبحر. ما أشبه اليوم بالأمس والفارق أكثر من 25 عاما!، يشعر بما يشعرون به، كان واحداً من أوائل المصريين الذين مارسوا الاستكشاف العلمى الأثرى تحت الماء، رافق الأثرى المصرى العظيم د. إبراهيم درويش فى رحلة البحث تحت سطح البحر المتوسط. كما رافق الفرنسى الأشهر فرانك جوديو فى حفائره العلمية بخليج أبوقير. واليوم ينظر إلى الأفق ليشير بإصبعه، قائلا: «هناك تحت الماء تقبع سفينة تجارية ضخمة تحمل بضاعة من الجوز واللوز»، لم يحالفها الحظ كى تعبر البحر الأبيض المتوسط وتصل إلى وجهتها الأخيرة. غدر بها البحر كعادته، وباتت ترقد أمام شاطئ منطقة أبوقير. تلك السفينة ليست الوحيدة بل ترقد على بعد كيلومترين منها 72 سفينة تجارية أخرى تحت مياه شرق الإسكندرية، لا تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسات والبحث العلمي. ويكشف «د. مصطفى»، بقوله: «عثرنا على ميزان من النحاس لوزن المكسرات.. تلك هى المرة الأولى التى نرى فيها هذا النوع من البضائع.. تحتاج إلى مزيد من البحث لمعرفة طراز بناء السفينة ووجهتها الأخيرة»، موضحا أن القطع التى تم انتشالها هى ضمن مجموعة أكبر يصل عددها إلى 30 قطعة أثرية لا تزال تحت الماء، وأن مصيرها لم يتحدد حتى الآن.. هل سيتم انتشالها أيضا أم ستظل قابعة تحت مياه خليج أبو قير؟، موضحا: «قرار انتشالها يتوقف على خطط تطوير المنطقة وتنميتها».

وهو ما أوضحه د. محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، عندما قال: «الإسكندرية مدينة رائعة فوق الأرض.. ورائعة تحت الماء أيضا»، مرددا بقوله: «إن عملية الانتشال تمثل خطوة محورية ضمن مشروع قومى تتبناه الدولة المصرية لتطوير خليج أبو قير»، حيث أكد على الأهمية الاستثنائية لموقع أبو قير الأثرى، واصفا إياه بأنه «شاهد حىّ على عظمة حضارة مصر العريقة»، حيث نجح فريق من مفتشى الآثار فى انتشال ثلاث قطع أثرية كبيرة الحجم، وهي: تمثال ضخم من الكوارتز على هيئة أبوالهول يحمل خرطوش الملك رمسيس الثاني، وتمثال من الجرانيت لشخص غير معروف من أواخر العصر البطلمى مكسور الرقبة والركبتين، وتمثال من الرخام الأبيض لرجل رومانى من طبقة النبلاء. كما نجحوا أيضا فى اكتشاف مبانٍ ثابتة ومنقولة، غمرتها المياه عبر القرون تحت سطح مياه خليج أبو قير، مشيرا إلى أن احتمال حدوث زلازل أو تغييرات جيولوجية قد يكون سبب هبوطها تحت مياه البحر. موضحا أن الكشف الأثرى يعكس حجم التعاون والتكامل بين مختلف أجهزة الدولة فى سبيل حماية وصون التراث المصرى الفريد، مؤكدا استمرار أعمال البحث والتنقيب تحت الماء فى الموقع لاكتشاف المزيد من أسرار أبو قير.

وعن مصير الكنوز الأثرية التى لا تزال تحت سطح المياه، أوضح «د. إسماعيل» صعوبة انتشال كل القطع الأثرية المغمورة، مرددا: «لا نستطيع القيام باستخراج كامل لكل ما هو غارق تحت الماء»، مشيرا إلى عدد من الاستثناءات مثل حجم القطع الصغيرة التى من الممكن ضياعها أو سرقتها، أو تأثرها بسبب ملوحة المياه بشكل قد يؤدى إلى تلفها أو اندثارها، مؤكدا أن مصر وقّعت على اتفاقية اليونسكو لعام 2001 الخاصة بالحفاظ على التراث الثقافى المغمور بالمياه، ومن بعدها لم تشهد عمليات انتشال لقطع أثرية.

وعلى الرغم من أعمال المسح والدراسة المستمرة التى تجوب شواطئ الإسكندرية، فإن مصر لا تمتلك حصرا كاملا لما تملكه من كنوز مغمورة. حيث أكد «د. إسماعيل» أن «الأعداد فى تزايد باستمرار.. الاكتشافات العلمية تتوالى»، لكنه أكد أن عمليات الانتشال تأتى بعد إجراء دراسات علمية مكثفة للقطع الأثرية التى تخضع لعمليات توثيق ودراسة ومعالجة عن طريق وضعها فى أحواض مائية لمعالجة الملوحة لمدة قد تزيد على العام قبل عرضها المتحفي.

كما أوضح «د. إسماعيل» أن الموقع يمثل مدينة متكاملة المرافق تعود للعصر الروماني، تضم مبانى ومعابد وصهاريج مياه وأحواضًا لتربية الأسماك، فضلًا عن ميناء وأرصفة أثرية، مما يرجح أنه امتداد للجانب الغربى من مدينة «كانوب» الشهيرة، التى سبق اكتشاف جزء منها شرق المنطقة. كما تكشف الشواهد عن استمرار الحضارة عبر مختلف العصور المصرية، البطلمية، الرومانية، والإسلامية. وأسفرت أعمال البحث عن العثور على مجموعة كبيرة من الشواهد الأثرية المهمة، أبرزها قطع تحمل أختاما للبضائع وتواريخ إنشائها، إضافة إلى تماثيل ملكية وتماثيل لأبو الهول، ومجموعة من تماثيل الأوشابتي، ومرساوات حجرية، وعملات من العصور البطلمية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، فضلا عن أوانٍ وأطباق فخارية وأحواض لتربية الأسماك ورصيف بحرى ممتد بطول 125 مترا.

ما تم العثور عليه وانتشاله ما هو إلا جزء بسيط مما تحتضنه شواطئ مدينة الإسكندرية من الآثار الغارقة أمام سواحلها الممتدة. لذا لم يكن مستغربا أن يتجدد النقاش والجدل حول مصير كنوز مصر الغارقة.

لذا عقدت وزارة السياحة والآثار المؤتمر العلمى للتراث الثقافى المغمور بالمياه، داخل مركز مؤتمرات مكتبة الإسكندرية، جمع نخبة من العلماء والخبراء؛ لمناقشة كل ما يخص التراث المغمور تحت المياه، وطرق إدارة المواقع الغارقة، وإلقاء الضوء على أهمية التراث البحرى فى منطقة خليج أبى قير.

كما أقام المجلس الأعلى للآثار معرضا مؤقتا يضم 86 قطعة أثرية، يحمل عنوان «أسرار المدينة الغارقة» داخل المتحف القومى للإسكندرية، حيث استعرض أهم الاكتشافات التى نتجت عن الحفائر العلمية للبحث عن بقايا مدينتى «كانوب» و«هيراكليون» بخليج أبى قير، ويعكس جوانب من الحياة اليومية والمعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية فى العصرين البطلمى والروماني.

تلك القطع الأثرية المعروضة بشكل مؤقت لا تملك متحفا خاصة بها، وتمثل جزءا بسيطا مما تملكه مصر ولا يزال تحت المياه. ومن أجلها وقّعت مصر مذكرة تفاهم بين المجلس الأعلى للآثار والمركز الوطنى للآثار بجمهورية الصين الشعبية، ضمن فعاليات التراث الثقافى المغمور بالمياه، حيث وقّع المذكرة الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، والسيد Tang Wei، مدير عام المركز الوطنى للآثار بالصين. وكشف «د. إسماعيل» أن المذكرة تمنح الفرصة للقيام بمزيد من الدراسات العلمية بالتعاون مع الجانب الصينى لمعرفة الطريقة المثلى لتأسيس متحف للآثار الغارقة.

المذكرة تستهدف تعزيز التعاون فى مجالات البحث، الحماية، التبادل الثقافى والبرامج التعليمية، وتعتبر بداية جديدة للتعاون المصرى - الصينى وممارسة حيّة للحوار الحضاري. وبموجبها سيتم تأسيس المركز المصرى الصينى للآثار البحرية والتراث الثقافى المغمور بالمياه (ECCMAUCH) فى الإسكندرية، ليكون منارة علمية وثقافية جديدة ويتضمن تنفيذ مشروعات بحثية مشتركة.

وكشف د. أحمد رحيمة، معاون الوزير لتنمية الموارد البشرية أن مذكرة التعاون تشمل تسجيلا مشتركا بين مصر والصين لعدد من المواقع المغمورة بالمياه على قائمة التراث العالمى التابعة لمنظمة اليونسكو، حيث تسعى فيها مصر إلى تسجيل مقياس النيل، على اعتباره موقعا أثريا مائيا يستحق الحماية والتسجيل والتوثيق كموقع أثرى بالتعاون مع الصين.

وهى المذكرة التى وصفها شريف فتحى، وزير السياحة والآثار بأنها «إحدى أهم محطات التعاون الدولى فى مجال الحفاظ على التراث المغمور بالمياه، وتكشف عن حرص الدولة المصرية على تبادل المعرفة والخبرات مع الدول التى تمتلك تجارب رائدة، وفى مقدمتها الصين التى يجمعها بمصر تاريخ حضارى ممتد»، مؤكدا على التزام مصر الكامل بأحكام اتفاقية اليونسكو للحفاظ على تراثها المغمور بالمياه.

كما أبدى «فتحي» إعجابه الشديد لدى رؤيته عن قرب القطع الأثرية التى تم انتشالها، مؤكدا: «بعض القطع ستظل فى موقعها الأصلى تحت الماء حفاظًا على قيمتها التاريخية.. وأخرى سيتم انتشالها وفق معايير علمية دقيقة وضوابط صارمة تتيح استخراجها وحمايتها»، وإن كان يرى الحدث بأنه يحمل رسالة قوية إلى العالم، فحواها: «مصر دولة عظيمة قادرة على صون تراثها العريق وتعزيز مكانتها السياحية العالمية»، على حد تعبيره. كما أعلن أن حركة السياحة الأجنبية الوافدة إلى مصر بلغت حوالى 15,8 مليون سائح خلال العام الماضي، مؤكدا على مواصلة بذل الجهود لجذب المزيد خلال المرحلة المقبلة.

وكان مصير آلاف القطع الأثرية الغارقة أمام شواطئ الإسكندرية قد قررته منظمة اليونسكو فى عام 2001، عندما أقرت اتفاقية دولية لحماية آثار وتراث العالم القديمة المغمور بالمياه؛ من أجل تمكين تلك الدول من «حماية تراثها المغمور بالمياه، بوصفه يمثل كنزا ثقافيا للبشرية جمعاء»، على حد تعبير المنظمة الدولية. ووجب توفير الحماية القانونية لها، فى ظل تعرض تلك المواقع لعمليات بحث غير قانونية أو علمية عما تحويه من كنوز، أو إقامة أنشطة صناعية تجارية، تتسبب فى تدمير الإرث البشرى العظيم.

وإذا كان التعاون الدولى يمثل البعد المؤسسى والعلمي، فإن إشراك المجتمع والجمهور بات ضرورة ملحة، حيث أعلنت وزارة السياحة والآثار نتائج مسابقة هواة التصوير الفوتوغرافى للتراث الثقافى المغمور بالمياه، التى استهدفت اختيار أفضل صورة تبرز إحدى القطع الأثرية المنتشلة والمعروضة فى المتحف اليونانى الرومانى ومتحف الإسكندرية القومي. تقدم لها 155 متسابقا من ست دول عربية وأجنبية (الكويت، السودان، الجزائر، بيلاروسيا، إسبانيا، جنوب إفريقيا)، قدموا أكثر من 750 صورة فوتوغرافية. وعلى الرغم من أن المسابقة كانت مخصصة لهواة التصوير، فإن الصور جاءت رائعة، تكشف بصدق عن جمال القطع الأثرية التى ظلت أكثر من ألفى عام مغمورة بالمياه.