رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

في ذكرى استشهاده.. المحطات الكاملة في مسيرة "محامى الشعب" المستشار هشام بركات


28-6-2026 | 19:01

.

طباعة
كتبت: إيمان كامل
في تاريخ القضاء المصري، تظل هناك أسماء حفرت بمداد من نور، ولم يكن المستشار هشام بركات مجرد عابر في هذا السلك العريق، بل كان حارسًا من حراس العدالة، وُضع في أصعب الفترات التاريخية التي مرت بها البلاد ليكون "محامي الشعب" بحق، حتى افتدى هذا اللقب بروحه في مشهد مأساوي وصادم.

لم يكن مجرد توقيع على قرار، أو صوت صارم يتردد في قاعات المحاكم؛ بل كان أبًا، وزوجًا، وابنًا بارًا، تشهد جدران منزله وضحكات أطفاله على تفاصيل حياة لم تلتفت إليها كاميرات الأخبار يومًا. وفي ذكرى استشهاد النائب العام السابق، المستشار هشام بركات، نزيح الستار عن المنصة لنقترب أكثر من الإنسان الذي عاش بقلب نابض بالحب قبل أن يرحل شهيدًا للواجب .

ولد المستشار هشام محمد زكي بركات في 21 نوفمبر 1950. وتميز منذ صغره بالشغف بالقانون والعدالة، وهو ما قاده إلى الالتحاق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، ليحصل منها على شهادة الليسانس بتقدير عام جيد جدًا عام 1973.

أهم المحطات القضائية في سيرته: البداية بالنيابة العامة: عُين في السلك القضائي، وتحديدًا بالنيابة العامة، في ديسمبر 1973، حيث بدأ معاونًا للنيابة، وتدرج في مناصبها المختلفة بفضل كفاءته ونزاهته .

العمل بالمحاكم: انتقل للعمل بالقضاء الإداري والمحاكم الابتدائية، ثم عُين رئيسًا بمحكمة استئناف القاهرة.

رئاسة المكتب الفني: تولى منصب رئيس المكتب الفني لوزير العدل، ثم رئيسًا للمكتب الفني بمحكمة استئناف الإسماعيلية، ثم بمحكمة استئناف طنطا .

لقد عُرف المستشار بركات طوال مسيرته بالهدوء الشديد، والتدقيق الصارم في أوراق القضايا، موازنًا بين هيبته القضائية وبين إنسانيته وعلاقاته الطيبة بزملائه وأسرته.

البدايات.. ملامح شاب وحلم يولد تعود بنا الذاكرة إلى صور قديمة من ألبوم العائلة؛ ملامح شاب يحمل في عينيه طموحًا لا يحده حد، ونظرة واثقة ومبتسمة بجانب شريكة عمره في يوم زفافهما، كما يظهر في ألبوم الصور الحصري الذي نستعرضه في هذا التقرير. تلك البدايات الدافئة التي أسست لأسرة مصرية بسيطة، لم يغير من بساطتها منصب أو جاه، بل ظلت المودة والرحمة هما الشعار المرفوع دائمًا داخل أروقة هذا البيت .

أب يحمل الدنيا على كتفيه خلف الهيبة القضائية التي فرضتها طبيعة عمله نائبًا عامًا، كما يبدو في وقاره الرسمي في ألبوم الصور، كان هناك أب يخلع رداء العمل بمجرد عبور عتبة منزله.

لحظات الطفولة: تظهر اللقطات النادرة بالأبيض والأسود في ألبوم الصور المستشار الراحل وهو يحمل طفلتيه على كتفيه فوق شاطئ البحر، ضاحكًا بملء فيه، تاركًا هموم القضايا المعقدة خلف ظهره ليصنع معهما ذكريات لا تموت .

ولم تخلُ حياته من تدليل صغاره؛ ففي ألبوم الصور نراه يحتضن طفله الصغير على الشاطئ، وفي لقطات أخرى يشارك عائلته أدق التفاصيل والمناسبات، لتظل تلك الابتسامة الأبوية الصافية هي البصمة الأعمق في قلوب أبنائه.

إن إنسانية "محامي الشعب" لم تتوقف عند حدود كونه أبًا، بل تجلت في بره الشديد وتوقيره لعائلته؛ حيث تبرز صورة إنسانية غاية في الرقة وهو يقبل يد والدته بحب واحترام شديدين، كأنه يستمد مدده وقوته من دعواتها. ومع مرور السنوات وتوالي الأجيال، تحول ذلك الأب الصارم في الحق إلى جد حنون، يحتضن أحفاده الصغار برقة بالغة، يراقب نموهم بابتسامة هادئة امتدت معه حتى الأيام الأخيرة من حياته .

في 10 يوليو 2013، أدى المستشار هشام بركات اليمين الدستورية نائبًا عامًا لمصر، خلفًا للمستشار عبد المجيد محمود. وجاء هذا التعيين في واحدة من أدق وأصعب المراحل السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد.

خلال فترة توليه المنصب، باشرت النيابة العامة تحت إشرافه المباشر التحقيق في آلاف القضايا الشائكة والمعقدة المتعلقة بالأمن القومي، والإرهاب، وأعمال العنف، والفساد المالي. ورغم التهديدات المستمرة التي كانت تحيط به، كان يردد دائمًا: "نحن لا نخاف إلا الله، والعدالة لن تهتز يداها" .

اللحظات الأخيرة وحادث الاغتيال الغادر في صباح يوم الإثنين الأسود، 29 يونيو 2015، الموافق 12 رمضان، كان المستشار هشام بركات يستعد لمغادرة منزله في حي مصر الجديدة متوجهًا إلى مقر عمله بدار القضاء العالي، صائمًا يؤدي واجبه، دون أن يعلم أن يد الغدر كانت تتربص به في الشارع المجاور.

التسلسل الزمني للحادث الدامي: الساعة 09:50 صباحًا (التحرك): استقل النائب العام سيارته المصفحة، يرافقه طاقم حراسته الشخصي، من أمام منزله بشارع عمار بن ياسر .

الساعة 10:00 صباحًا (الانفجار المدوي): عند تقاطع شارع عمار بن ياسر مع شارع سلمان الفارسي، وتحديدًا أمام الكلية الحربية، فجرت عناصر إرهابية سيارة مفخخة كانت مركونة على جانب الطريق عن بُعد، بمجرد مرور الموكب.

قوة الانفجار: كان التفجير هائلًا، حيث استُخدمت فيه كميات كبيرة من المواد شديدة الانفجار. وتسبب الانفجار في تدمير وتفحم أكثر من 11 سيارة في محيط الحادث، وتهشم واجهات المنازل والمحال التجارية المحيطة، وخلف حفرة عميقة في الأسفلت .

الإصابة ونقله إلى المستشفى: اخترقت الشظايا والموجة الانفجارية السيارة المصفحة، مما أسفر عن إصابة المستشار بركات بتهتك في الكبد، ونزيف داخلي حاد، وكسور متعددة، كما أُصيب 8 أشخاص آخرون من طاقم الحراسة والمارة. ونُقل على الفور إلى مستشفى النزهة الدولي في محاولة لإنقاذ حياته.

لحظة الصعود: دخل المستشار غرفة العمليات فورًا، وخضع لجراحة دقيقة لوقف النزيف، إلا أن روحه الطاهرة صعدت إلى بارئها متأثرة بالإصابات البالغة، ليعلن الفريق الطبي استشهاده بعد ساعات قليلة من الحادث .

ليلة الوداع.. المكالمة الأخيرة وشهادة غالية لم يكن يوم 28 يونيو 2015 يومًا عاديًا في مسيرتي الصحفية؛ بل كان الليلة التي شهدت آخر نبضات التواصل مع رجل تميز بالوقار الشديد والصمت المهيب. وبحكم مسؤوليتي عن ملف الشؤون القضائية، اعتدت دائمًا اللجوء إليه لاقتناص تفسير لقانون معقد، أو لتوضيح زوايا غامضة في تقارير النيابة العامة والطب الشرعي.

كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً حين هاتفته، وكان كعادته صارمًا في مهنيته، حريصًا على ألا يُذكر اسمه، يردد عقب كل معلومة: "لا تنشري اسمي في الموضوع الصحفي بالمجلة"؛ فالحق عنده لا يحتاج إلى بريق الأسماء .

لكن تلك الليلة حملت نبوءة وداع لم أفهمها إلا في الصباح؛ فقبل أن ننهي المكالمة، تفاجأت بنبرة أبوية دافئة لم أعهدها في صرامة القاضي، نبرة هزت وجداني وهو يقول:

"أنتِ أكثر صحفية أمينة في نقل المعلومة وتحترم مصادرها.. ربنا يوفقكِ يا بنتي ويسعدكِ". دعاء أبوي صادق، وشهادة شرف تقلدتها في تلك الليلة من قمة هرم العدالة في مصر.. وانتهت المكالمة .

ولم تكن سوى ساعات قليلة، حتى استيقظت في صباح اليوم التالي على دوي خبر زلزل أركان الوطن؛ مانشيتات الصحف وعواجل الأخبار تصرخ برحيله. لقد غيب الانفجار الغادر ذلك الصوت الأبوي الصارم، لتظل كلماته لي في تلك الليلة هي آخر ما نطق به إلي، وكأنها كانت وثيقة الوداع، وشهادة أمانة أحملها على كتفي ما حييت .

رحل المستشار هشام بركات تاركًا خلفه إرثًا قضائيًا عظيمًا، وعائلة مكلومة فخورة ببطولته. لقد دفع حياته ثمنًا لتمسكه بكلمة القانون وحماية الدولة المصرية من الفوضى، ليصبح اسمه رمزًا لشهداء العدالة، الواقفين على ثغور الحق، لا ينحنون.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة