رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انحيازا للعباسيين على حساب الفاطميين.. «السيوطى» يكتب «تاريخ الخلفاء»


28-6-2026 | 13:25

.

طباعة
بقلـم: شعبان ناجى

عندما نذكر التاريخ، فلا بد أن نذكر معه عددا من المؤرخين العمد ممنْ حملوا رايته، وقدموا لنا عددا من المؤلفات الرائدة التى نستفيد منها حتى الآن، كما أننا عندما نذكر هؤلاء المؤرخين فلا بد أن يأتى على رأسهم المؤرخ العظيم «جلال الدين السيوطى»، الذى أوقف حياته كلها عند دراسة وكتابة التاريخ، رغم أنه قدم لنا كتبا أخرى فى الفقه والحديث والتراجم، لكن التاريخ كان له منها النصيب الأكبر والأشهر.

 

ويأتى على رأس كتبه التى سوف نتناولها بالقراءة كتاب «تاريخ الخلفاء» وهو كتاب دسم فى مادته، متفرد فى أفكاره، مفيد للقارئ والباحث على السواء، كتبه السيوطى فى نهايات عهد الدولة العباسية الثانية فى مصر، وقدم فيه تراجم وافية لخلفاء تلك الفترة والفترة التى تليها أو تسير معها أحيانا، وهى فترة الدولة الفاطمية، وقد شفع ذلك ببعض الأحداث المهمة التى وقعت فى الدولة الإسلامية آنذاك.

وقد حدد «السيوطى» هدفه من تأليف هذا الكتاب بقوله «هذا تاريخ لطيف، ترجمت فيه للخلفاء وأمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة من عهد أبى بكر الصديق إلى عهدنا هذا، على ترتيب زمانهم، الأول فالأول، وذكرت فى ترجمة كل منهم ما وقع فى أيامه من الحوادث المستغربة ومنْ كان فى أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة».

هذا هو هدف السيوطى من كتابه كما بيّن لنا، ولكن ماذا كان منهج السيوطى وهو يؤلف كتابه؟ ما الأسلوب الذى اتبعه فى كتابة هذا السفر الجليل؟ هل كان السيوطى موضوعيا عند تناوله لشخصياته، أم أنه انحاز إلى طرف على حساب طرف ليحقق مكاسب ذاتية؟ هناك أسئلة أخرى كثيرة ستتكشف لنا إجاباتها ونحن نفند رؤى السيوطى التى قدمها فى هذا الكتاب.

فى حقيقة الأمر، فإن السيوطى قد أدرك أشياء كثيرة وهو يؤلف كتابه هذا، ولكنه فى الوقت نفسه قد غابت عنه أشياء أكثر، كما أنه وقع فى أخطاء ما كان له أن يقع فيها، فهو من ناحية المنهج تأثر كثيرا ببعض أساتذته وشيوخه ممن كتبوا فى هذا اللون، نذكر منهم محمد بن سليمان الكافيجى المتوفى سنة 879 للهجرة، والذى كان قد كتب كتابا فريدا من نوعه عنوانه «المختصر المفيد فى علم التاريخ» فسر فيه المسائل المتعلقة بخصائص علم التاريخ وغرضه وفوائده، وأما من ناحية الفكرة والمضمون فقد أخذ السيوطى معظم أفكار كتابه من كتب بعض المؤرخين السابقين عليه، نذكر من بينها كتاب «الطبقات» لابن سعد الذى نقل منه السيوطى ذلك الجزء الخاص بالخلفاء الراشدين، كما نقل أجزاء أخرى من كتاب «الكامل فى التاريخ» لابن الأثير لا سيما ما يتعلق بالأحداث التى وقعت فى تلك الفترة من حكم الدولة العباسية الثانية، كما اعتمد «السيوطى» فى الحصول على معلومات عن معظم تراجمه على كتابين آخرين هما: «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادى، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر، فضلا عن كتب أخرى للذهبى والطبرى والمسعودى وابن الجوزى والبيهقى وابن كثير.. وكان السيوطى قد نقل عنها جميعا، أو على الأقل سار على منوالها.

كما يظهر فى الكتاب تأثر «السيوطى» بمنهج علماء الحديث، وهو منهج يعتمد بالأساس على الجرح والتعديل، وكان هذا خطأ كبيرا وقع فيه «السيوطى»، وذلك لأنه من المعروف أن النقد عند علماء الحديث كان ذاتيا منصبا على الرواة، لا موضوعيا منصبا على المرويات؛ لذا فقد اتبع «السيوطي» هواه وهو يكتب الفصلين الخاصين بالأحاديث النبوية، وخاصة تلك الأحاديث المنذرة بخلافة بنى أمية والمبشرة بخلافة بنى العباس، وكأنه يحاول جمع الرواية التاريخية، ثم يقوم بنقدها بعد ذلك.

وعندما سجل «السيوطى» الحوادث التى وقعت لم يقم بتمحيصها أو تعليلها أو نقدها، وإنما أسندها إلى الرواة، فقد وقعت عدة حوادث كان منها الطبيعى مثل هبوب ريح عاصفة بالعراق، ووقوع زلازل بدمشق وتونس وخراسان، ومنها ما هو خرافى مثل تحرك جبل باليمن من مكان إلى مكان آخر، وسماع أهل مدينة «خلاط» لصيحة عظيمة من السماء تسببت فى موت خلق كثيرين، ولقد كان «السيوطي» سلبيا إزاء كل تلك الحوادث الطبيعية منها والخرافى، فهو لم يقدم أسبابا علمية للكوارث الطبيعية، وغض طرفه أمام الخرافات والأساطير، وكأنه كان يؤمن بالغيبيات التى لا يقبلها العقل ويتبرأ منها الدين.. وهو ما يذكرنا بكتاب “أخبار الزمان” للمسعودي.

ويلاحظ أيضا عدم اهتمام «السيوطى» بتاريخ الدول، فهو لم يلتفت إلى النتائج السياسية والاجتماعية المترتبة على تغير الدول، فمثلا لم يشعر القارئ وهو يقرأ ترجمته لمعاوية بن أبى سفيان بأنه انتقل من عصر الخلافة الراشدة إلى عصر الدولة الأموية، وهما عصران مختلفان فى كل شىء، كما لم يشعر القارئ أيضا وهو يقرأ ترجمة أبى العباس السفاح بأنه انتقل من عصر أموى إلى عصر عباسى، وشتان الفرق بين العصرين.

كما أننا لم نلمس كثيرا اهتمام «السيوطى» بالنقد التاريخى، اللهم إلا فى عبارات موجزة مبتورة، وفى مواضع قليلة جدا من الكتاب. ومن اللافت أيضا أننا نجد السيوطى يضيف معلوماته الخاصة إلى الروايات التى ينقلها من مصادره، وهو ما يشى بأن تلك المعلومات منسوبة إليه، وهو الأمر الذى نتج عنه تعدد الروايات وتناقضها من دون ترجيح إحداها على الأخرى، فيبدو أنه كان مهموما بالجمع لا أكثر، فلم يرتب ما جمعه ترتيبا دقيقا.

وأما عن الناحية الموضوعية، فـ«السيوطى» لم يكن حياديا وهو يترجم لشخصياته، فقد انحاز للعباسيين - الذين التهمت تراجمهم نصف مساحة الكتاب- على حساب الفاطميين، فالخلفاء العباسيون من وجهة نظره هم أفضل خلفاء جاءوا فى تاريخ الإسلام، وهم الأولى بالخلافة من أى خلفاء آخرين، بينما الفاطميون لا شرعية لهم ولا يستحقون الخلافة، وهو فى هذا يفرد لهم فصلا كاملا من كتابه.

ومن الواضح أن تحيز «السيوطى» للخلافة العباسية ربما له أسباب خاصة فى نفسه، فأبوه كان إماما تابعا لأحد هؤلاء الخلفاء وهو «المستكفى»، وقد نشأ السيوطى نفسه منعما فى بعض قصور العباسيين بمصر، ومن ثم فقد راح يدافع عن ملكهم باستماتة ضد خصومهم المناوئين لهم وهم الفاطميون.. صحيح أن الفاطميين كانت لهم مسالبهم الكثيرة؛ لكننا لا يجب أن نغفل ومعنا السيوطى أن للعباسيين مسالب أكثر وأخطر، فعصرهم كان عصر اللهو والمجون والسرقة والتهتك وأكل أموال الناس بالباطل. ولقد كان معظم خلفاء العباسيين يمارسون كل أنواع البطش والتنكيل بالرعية غير مكترثين بأخلاق أو دين أو قانون، فالمعتضد مثلا عندما ولى الخلافة ادخر لنفسه من خزينة الدولة ما يقرب من عشرة ملايين دينار، ولما خلفه ابنه المكتفى بلغ بالمدخر أربعة عشر مليونا، ثم جاء «المقتدر» فأتلف كل هذه الأموال الطائلة على اللهو والخلاعة، ثم راح يفرض الضرائب الكاوية على الشعب المسكين.

ويقال إنه فى عصر «المتوكل» وصلت النفقات أعلى سقف لها، وذلك من جراء القصور الكثيرة التى كان يبنيها والتى تعدت العشرين قصرا، كلها كانت تحوى أعمدة وأسرة من الذهب الخالص، ويذكر أن «المستعين» كان يمتلك فص ياقوت أحمر اشتراه الرشيد بأربعين ألف دينار، ويروى أن «المقتدر» طلب الصناديق وأوعيتها المحفوظة بالخزائن فاختار منها مائة حبة ونظمها سبحة يسبح بها، وعندما عرضت على تجار الجواهر قدروا كل حبة منها بأكثر من مائة ألف دينار، وهذه مجرد نقطة فى بحر الفساد الذى كان يعوم فيه خلفاء العباسيين الذى مدحهم السيوطى فى كتابه وأفرد لهم الفصول الكثيرة بما لا يستحقون.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة