رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

وجدتُ حكايات أمى فى الأرانب الحجرية!


28-6-2026 | 13:25

.

طباعة
بقلـم: عاطف محمد عبد المجيد

وأنا صغير كانت أمى تحكى لى العديد من الحكايات الخرافية؛ منها أن شخصًا كان يسير بمفرده فى وقت الظهيرة ووجد أرانب كثيرة فأمسك بها ووضعها فى حِجْر جلبابه، ولما وصل بيته فتح حِجره فإذا به مليء بالأحجار. هذه الحكاية يسردها د. عمار على حسن، فى كتابه «الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية» الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، على لسان صديقه أستاذ الهندسة الغارق طوال يومه فى معادلات الرياضيات والعارف بقوانين العلم الحديثة والمعجب بنيوتن وأينشتاين، والذى لا يزال كلما التقاه يحكى له كيف أنه فى طفولته حمل أرانب ضخمة وجدها فى حديقة تواجه بيته، فلما ذهب إلى البيت تحولت إلى أحجار. 

هنا يخبرنا الكاتب أنه رغم كل ما قرأه من قصص وروايات ومسرحيات وأشعار، لا يمكنه نسيان الحكايات الهائمة التى كانت تُسرد على مسامعه فى الصغر، بعضها كان مخيفًا وبعضها كان مسليًا، وكلها كانت تلهب الخيال الغض فينطلق مجنحًا، وتُشحذ الذاكرة بصور ومشاهد وعبارات ومجازات، وينطلق الذهن مراوحًا بين التوسمات والتوهمات، وينتقل من الإبهام والإلهام إلى الإفهام، فيتسع عالم الطفولة حتى لو كان اتساعه من صنع الخيال، متسائلًا هل يمكن إنكار أن ما كشفه العلم إلى الآن ليس سوى النذر اليسير من أسرار الكون؟ مشيرًا إلى أنه حتى لو بلغ العلم شوطًا بعيدًا فى إجلاء الغامض وفهم السائد، فهناك الكثير مما لم يبلغه بعد، وهناك ما قد لا يقدر البشر على كشفه أبدًا بالأدوات المادية، مما يدور فى المساحات المجهولة من الكون، وحتى لو قدر على ذلك، فهناك فى الحياة أشياء مفيدة وملهمة مربوطة بالتذوق والحدس وجيشان المشاعر والشغف بالغرائب والبحث عن الدهشة التى تكسر رتابة الحياة، وتعلن تمرد الإنسان على أن يكون مجرد آلة منضبطة، وكل هذا لا يعنيه العلم فى شيء.

معرفة الغرائب

«عمار» يرى هنا أن الجمال بوصفه إحدى الجواهر الأساسية للفن، لا يمكن أن يكون معادلات صماء ولا يخضع لمنطق ولا يقف عند حدود الحدس، بل بوسعه أن يسيح فى كل ما وراء الطبيعة وما وراء العقل وما وراء القدرة التى بوسع الإنسان أن يحصلها فى تفاعله مع تصاريف العيش، وكل هذا يعطى طعمًا للحياة، ويجعل قانون «المنفعة الجدية» الذى يتحدث عنه الاقتصاديون واقفًا عند حدود استهلاك الأشياء المادية؛ بينما تجدد الرغبة فى معرفة الغرائب والتسلية والتسرية والتزجية بابنها مفتوح بلا حد ولا سد ولا قيد، مؤكدًا أن الحكايات الخرافية نوع من الأدب السردى القصير المنتمى إلى عالم الوهم، حيث الشخصيات الخيالية والأفعال الخارقة، هذا العالم يتم تداوله شفاهة ويرسو فى القيعان الاجتماعية البعيدة، وقد يصير مع الزمن نمطًا من الأعمال الكلاسيكية التى تتفاعل وتتشاكل وتنتقل بين الثقافات الإنسانية؛ لتصبح مصدرًا ثريًّا للمعرفة والحكمة والتجربة، ومخزنًا لإنتاج القيم الاجتماعية وأحد روافد الأدب الذى تبدعه النخبة من قصص وروايات؛ حيث تُستلهم الخرافات وتعيد إنتاجها وفق صيغ جديدة.

ما نعرفه من «الأرانب الحجرية» أن الحكايات الخرافية موجودة فى تراثنا العربى مثلما ورد فى «ألف ليلة وليلة» من قصص مدهشة، وعند إخوان الصفا فى شكوى الحيوانات إلى ملك الجان من الظلم الاجتماعى، ولدى ابن المقفع فى كتابه «كليلة ودمنة»، وكذلك توجد فى الآداب الأوروبية عند مارى دى فرانس، جان دى لافونتين، إيفان أندريتش كريلوف، كريستيان جلبرت، هانز كريستيان أندرسون، وعند الألمانى هيرمان هسه فى كتابه «حكايات خرافية»، وموجودة أيضًا فى الآداب الأسيوية التى تنهل من روافد ما ورائية ومناهل يعجز العقل عن إثباتها، لكنها تؤثر على عيش الناس، حين تنعكس على معتقداتهم وتصوراتهم، وتلعب أحيانًا دور الطبابة فى مواجهة الشقاء والحيرة وانفساح الغيب بلا حد.

ثراء التراث المحلى

ما يتوقف عمار على حسن عنده هنا فى حكاياته الخرافية، وما يلفت الانتباه كذلك هو أن كثيرًا من الأعمال السردية العربية سواء أكانت قصصًا قصيرة أم روايات قد تأثرت بالحكايات الأسطورية والخرافية المتداولة فى آداب أخرى لا سيما فى أمريكا اللاتينية، إثر ترجمة الكثير منها إلى لغتنا دون أن يلتفت مثل هؤلاء الكتاب العرب إلى ثراء التراث المحلى أو المأثور والموروث الشعبى فى كل مجتمع عربى بحكايات ملهمة، معتقدًا أن الحكايات الخرافية المرتبطة بالعوالم الخفية بوصفها أحد تجليات إبداع الطبقات الدنيا والمهمشة تمارس دورًا مهمًّا لدى الجماعة البشرية فى التنفيس عن مكبوتها وتعويض حرمانها وتحايلها على العيش الصعب، ونقدها لبعض السائد والمتاح من أحوالها، ومنحها بعض الأمل فى إمكانية وجود مجتمع مثالى وتمكينها من فتح مسرب ملموس على المشترك الثقافى الإنسانى ومسرب هائم عن كشف الحجب ومحاولة معرفة الغيب والتنبؤ بما سيأتي. كذلك يرى الكاتب أن الحكايات الخرافية التى يتداولها الناس فى قرى مصر ومدنها كافة تتشابه ولا تختلف إلا فى تفاصيل صغيرة أو فى أبطال الحكاية من البشر والطريقة التى يسردون بها ما جرى لهم حين لجأوا إلى منْ يستحضرون الجان أو السحرة والمشعوذين أو قارئى الكف والفنجان وضاربى الودع، مشيرًا إلى أنه مهما فاض خياله فى التصوير وارتقت بلاغته فى التعبير فإن هذا لن يقدر على وصف الدهشة التى كانت تسكنه والعجب الذى كان يخطفه وهو يسمعها من أهل قريته وهو صغير، فتصنع له أملًا فى حياة بهيجة مفعمة بالشغف، مؤكدًا أنه مهما ألقى فى النفس من هموم فليس بوسعه أن يبدد جمال الحكايات الهائمة القديمة التى أراد بكتابه هذا ألا يتركها فى سيلانها وجريانها على الألسنة هائمة عائمة، إنما راسية على الأرض بين سطور مكتوبة، وهى فى خاتمة المطاف رواية لهذه الحكايات.

وهكذا فى كتابه السردى هذا جمع وقدم عمار على حسن سبعين حكاية من عوالم خفية، لعل القارئ يكتشف بها ومعها ثراء مخيلة أهلنا الذين تناسلت على ألسنتهم الحكايات العجيبة الغريبة على مدار آلاف السنين، ويكتشف فى ركابها قدرة جيلنا على الاستفادة منها وتقديمها سِفرًا من أسفار عجائبيتنا وغرائبيتنا الساحرة، وهو أمر مطلوب ومرغوب على حد قوله.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة