أدت موجة الحر المفاجئة في بريطانيا بالتزامن مع تداعيات حرب إيران إلى سلسلة من الظروف غير المواتية التي كشفت عن نقاط الضعف في شبكة الكهرباء البريطانية.
وأصدر المسؤولون عن الشبكة، ثاني إشعار خلال أسبوع بشأن هامش احتياطي الكهرباء، وهو تنبيه يشير فعليًا إلى أن أوضاع الإمدادات أصبحت تقترب من مستويات مقلقة، ويدعو هذا الإشعار شركات التوليد إلى استخراج أقصى قدرة إنتاجية ممكنة من محطاتها.
وجاء ذلك بعد تحذير مماثل، مساء الثلاثاء الماضي، عندما دفعت درجات الحرارة المرتفعة الأسر والشركات إلى تشغيل المراوح وأجهزة تكييف الهواء للتغلب على الحر، بحسب ما نقلته صحيفة "تليجراف" البريطانية.
ولدعم الإمدادات، اضطر مشغل نظام الطاقة البريطاني في نهاية المطاف إلى الاستعانة بمحطات الكهرباء العاملة بالغاز، بالإضافة إلى استيراد الكهرباء من الدول الأوروبية المجاورة، وذلك بتكلفة مرتفعة.
ويأتي هذا رغم أن وزير الطاقة البريطاني إد ميليباند كان قد أعلن قبل أقل من شهر أن البلاد تنتج "طاقة نظيفة أكثر من أي وقت مضى"، بعد أن دافع مرارًا عن التحول بعيدًا عن النفط والغاز، معتبرًا أن ذلك سيحرر بريطانيا من "تقلبات" أسعار الوقود الأحفوري التي تؤدي إلى ارتفاع التكاليف.
وعادة ما تُعد أشهر الصيف فترة هادئة، لأن الطقس الدافئ يعني انخفاض استخدام الكهرباء والغاز في التدفئة، لكن مشغلي الشبكة واجهوا هذا الأسبوع مجموعة من الظروف الصعبة، أبرزها الطقس شديد الحرارة.
ويشرح توم إدواردز، من شركة "كورنوال إنسايت" للاستشارات في مجال الطاقة، أن الحرارة الشديدة تضغط على نظام الكهرباء البريطاني من اتجاهين، إذ تزيد الطلب على الكهرباء، وفي الوقت نفسه تقلص حجم الإمدادات، كما أن أنماط الاستهلاك تزيد الوضع تعقيدًا، فعادة يبلغ استهلاك الكهرباء ذروته في وقت الإفطار ثم مرة أخرى مساءً مع عودة الناس من أعمالهم.
لكن عندما تكون درجات الحرارة بهذا الارتفاع، تقوم الأسر والشركات بتشغيل المراوح وأجهزة التكييف طوال اليوم، ويستمر بعضها في تشغيلها خلال المساء والليل، وهي الفترة التي ينخفض فيها إنتاج الطاقة الشمسية.
وفي الوقت نفسه، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تقليل كفاءة مختلف مكونات الشبكة، بدءًا من محطات الغاز، مرورًا بخطوط نقل الكهرباء، ووصولًا إلى الألواح الشمسية.
ويقول إدواردز: "شهدنا بالفعل العديد من محطات الغاز تصدر إشعارات بعدم توافر كامل طاقتها الإنتاجية، معلنة أنها لا تستطيع العمل بكامل قدرتها. فالطقس أصبح شديد الحرارة لدرجة تمنعها من التشغيل بأقصى كفاءة."
وبالمثل، وربما على نحو يحمل مفارقة، تصبح مزارع الطاقة الشمسية أيضًا أقل كفاءة؛ إذ تنخفض كفاءة اللوح الشمسي النموذجي بنسبة تتراوح بين 0.3% و0.5% مع كل درجة حرارة تتجاوز 25 درجة مئوية.
أما خطوط نقل الكهرباء فليست بمنأى عن ذلك، فالكابلات التي تعمل بمثابة طرق سريعة عالية الجهد لنقل الكهرباء عبر أنحاء البلاد، ترتفع حرارتها أثناء التشغيل، ومع ارتفاع درجة حرارة الجو تنخفض كمية الكهرباء التي يمكنها نقلها بأمان، ما يجبر مشغلي الشبكة على خفض الأحمال عليها.
أما آخر حلقات سوء الحظ هذا الأسبوع فتمثلت في توقف بعض المحطات النووية عن العمل؛ إذ يستغل المسؤولون عن المحطات عادة أشهر الصيف لإعادة تزويد المفاعلات بالوقود، فيما توجد حاليًا محطة هيشام البريطانية، إضافة إلى محطات فرنسية عبر القناة، خارج الخدمة.
وتؤدي كل هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة الضغط على النظام، إذ تنتج المحطات كميات أقل من الكهرباء، كما تتراجع القدرة على نقل الطاقة عبر الشبكة.
ولأن بريطانيا تمر بمرحلة انتقال كبيرة في قطاع الطاقة، تتحول خلالها من نظام يعتمد على محطات الفحم والغاز الكبيرة والمركزية إلى نظام أكثر انتشارًا يعتمد على طاقتي الرياح والشمس، فإن قدرات التوليد الاحتياطية أصبحت أقل، لأن تحديثات شبكة الكهرباء اللازمة لهذا التحول لم تكتمل بعد.
كما أن التدخل لزيادة إنتاج الكهرباء ليس أمرًا منخفض التكلفة، حيث كانت أسعار الغاز مرتفعة بالفعل نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران التي أدخلت الشرق الأوسط في حالة من الاضطراب، مع ارتفاع سعر بيع الغاز في بريطانيا هذا الأسبوع إلى 1 جنيه إسترليني لكل وحدة حرارية، مقارنة بنحو 78 بنسًا للوحدة الحرارية قبل عام.
وهذا يعني أن تكاليف الوقود بالنسبة لمحطات الغاز كانت مرتفعة بالفعل، ومع تقليص الاعتماد على الكهرباء المولدة بالغاز في إطار خطة ميليباند للطاقة النظيفة، أصبحت الشركات المالكة للمحطات تطالب بمقابل أعلى مقابل تشغيلها.
ومع استمرار موجات الحر، التي قالت هيئة الأرصاد الجوية إنها قد تدفع درجات الحرارة إلى تجاوز 45 درجة مئوية بحلول منتصف القرن، يبرز سؤال حول كيفية تكيف نظام الطاقة البريطاني مع هذه الظروف.
ونوهت "تليجراف" عن أن النظام الحالي للطاقة في بريطانيا تم تشييده ليتناسب مع طبيعة مناخية قد لا تبقى على حالها في المستقبل، ولذلك يجب التفكير في كيفية الحفاظ على مستوى الاعتمادية نفسه خلال الصيف كما هو الحال في الشتاء.