صباح السبت القادم، تتجه أنظار القارة الإفريقية والعالم العربى صوب ملعب المباراة التى ستجمع بين منتخبنا الوطنى الكروى الفراعنة ونظيره الإيرانى، فى الجولة الثالثة والأخيرة من منافسات المجموعة السابعة بالمونديال، وفى التوقيت ذاته تماماً، تنطلق على ملعب آخر، المواجهة الثانية فى المجموعة ذاتها بين منتخبى بلجيكا ونيوزيلندا. وهذه ليست مصادفة، بل هى سمة أصيلة فى لوائح الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا»، بحيث تُلعب مباريات الجولة الثالثة من دور المجموعات فى توقيت واحد لضمان مبدأ تكافؤ الفرص، وقطع الطريق على أية محاولات للتلاعب بالنتائج أو انتظار نتيجة المباراة الأخرى.
وبعيداً تماماً عن نتيجة مباراتنا الثانية أمام منتخب نيوزيلندا، لأن الحقيقة التى يجب أن يدركها الجميع، لاعبون وجهاز فنى وجماهير، هى أن نتيجة مباراة نيوزيلندا، لم تحسم بشكل نهائى وقاطع موقف منتخبنا فى المجموعة، كما أنها لم تحسم موقف المنتخبات الثلاثة الأخرى التى تشاركنا المنافسة، بلجيكا، وإيران، ونيوزيلندا، ونفس الموقف يفرض نفسه على كثير من المجموعات الأخرى، فالحسابات ما زالت معلقة، والأوراق ما زالت مبعثرة على طاولة المجموعة السابعة حتى الآن.
ولكن لماذا مباراة إيران، لأنها تعد موقعة حاسمة أو فاصلة، الإجابة تكمن فى طبيعة الجولة الثالثة نفسها، هى جولة الحسم، وجولة كشف المستور، وجولة لا تقبل أنصاف الحلول، ودعونا نشرح الموقف بموضوعية وتجرد.
لقد خرج منتخبنا من مواجهة الافتتاح أمام منتخب بلجيكا، أحد أقوى المرشحين للفوز باللقب، بنتيجة التعادل، وهو تعادل بطعم الانتصار من الناحية المعنوية والفنية، لكنه على مستوى جدول الترتيب منحنا نقطة واحدة فقط. ثم جاءت مباراة نيوزيلندا فى الجولة الثانية، فنتيجتها لم تمنحنا بطاقة العبور، ولم تخرجنا من مضمار السباق، وفى كل الحالات سنذهب إلى مباراة إيران ونحن مطالبون بتحقيق نتيجة إيجابية لضمان العبور، التعادل مع بلجيكا ونتيجة نيوزيلندا لم يحسما الموقف، بشكل نهائى، لذا فإن موقعة إيران هى بالنسبة لنا مباراة التأهل، مباراة إعلان الصعود رسمياً، مباراة كتابة التاريخ، وأى تهاون أو تراخٍ يعنى وضع مصيرنا فى يد الآخرين، وانتظار هدايا قد لا تأتى.
وعلى الجانب الآخر، يخوض المنتخب الإيرانى المباراة بالدوافع ذاتها، لقد استهل الإيرانيون مشوارهم فى المونديال بتعادل ثمين أمام منتخب نيوزيلندا، قبل أن يصطدموا بالمنتخب البلجيكى القوى فى الجولة الثانية، وأصبح وضعهم يشبه وضعنا تماماً، التعادل مع نيوزيلندا ونتيجتهم مع بلجيكا لم يحسما موقفهم بصفة نهائية، هم أيضاً يدخلون الجولة الثالثة بحسابات مفتوحة على كل الاحتمالات، ولذا فإنهم سيخوضون مباراتنا بمثابة «حياة أو موت»، الفوز بالنسبة لهم يعنى العبور، والخسارة تعنى العودة إلى طهران، إنهم يعلمون أن منتخب الفراعنة ليس بالخصم السهل، لكنهم يعلمون أيضاً أن هذه تسعون دقيقة قد تغير تاريخ الكرة الإيرانية. ومن هنا تكتسب المباراة سخونتها وأهميتها القصوى، وهذه هى سمة المباراة الثالثة فى كل مجموعات المونديال دون استثناء، هى مباراة فاصلة وحاسمة بطبيعتها، لا توجد فيها فرصة للتعويض، ولا مجال للخطأ، ولا متسع من الوقت لتدارك الأمور. الفريق الذى يدخلها بعقلية المنتصر، وبتركيز كامل، وبروح قتالية عالية، هو الذى يخرج منها مرفوع الرأس إلى دور الـ32.
وبعيداً عن لغة الأرقام والحسابات، فإن هناك مكسباً كبيراً حققه منتخبنا الوطنى فى هذا المونديال حتى الآن، وهو مكسب لا يقدر بثمن، لقد كسب ثقة الجماهير المصرية والعربية من جديد، لقد دخلنا البطولة وأعين المشككين تتربص بنا، لكن الأداء الذى قدمه لاعبونا فى مباراة بلجيكا، وما تلاها أمام نيوزيلندا، أعاد الهيبة إلى قميص الفراعنة، لقد شاهدنا منتخباً يلعب كرة قدم هجومية حديثة. منتخباً لا يخشى المنافسين، ولا يلعب مدافعاً طوال تسعين دقيقة. شاهدنا جرأة فى الأداء، وسرعة فى التحولات، وشخصية قوية داخل الملعب، لقد أصبح لمنتخب مصر شكل وأسلوب وهوية، وهذا هو الأهم، فالجماهير قد تغفر لك الخسارة، لكنها لا تغفر لك أن تلعب دون روح ودون شكل. ولاعبونا قدموا كرة حديثة، وبروح قتالية، تحمل آمال 110 ملايين مصرى.
والحقيقة أن الجهاز الفنى بقيادة العميد حسام حسن يستحق التحية، لقد تعامل مع مباراة بلجيكا بواقعية وتعامل مع مباراة نيوزيلندا بعقلية المبادر الذى يريد الفوز، والآن، جاء الدور على المباراة الأهم، والتى تتطلب مزيجاً من الواقعية والجرأة، تتطلب خطة محكمة تغلق مفاتيح لعب المنتخب الإيرانى، الذى يمتاز بالقوة البدنية والكرات العرضية والالتحام، وفى الوقت ذاته تتطلب مبادرة هجومية لحسم التأهل بأقدامنا دون انتظار نتائج الآخرين.
موقعة إيران، هى المباراة الأخيرة فى دور المجموعات، بعدها مباشرة، إما أن نكون بين الـ32 الكبار فى العالم، أو نعود إلى الديار، لا يوجد خيار ثالث، إن التأهل إلى دور الـ32 فى نظام كأس العالم الجديد، والذى يضم 48 منتخباً، هو إنجاز تاريخى بحد ذاته. إنه إنجاز لم يحققه جيل 1990، ولا جيل 2018، إنه إنجاز سيكتب أسماء اللاعبين والجهاز الفنى بحروف من ذهب فى سجلات الكرة المصرية، ونقول للاعبين والجهاز الفنى، لقد قطعتم شوطاً كبيراً، ولم يتبقَّ إلا الخطوة الأخيرة. نريد منكم أن تدخلوا ملعب مباراة إيران وأنتم مؤمنون بقدراتكم، لقد واجهتم بلجيكا، وقدمتم واحدة من أفضل العروض، وإيران منتخب قوى، ولكنه ليس أقوى من بلجيكا، وهو منتخب يمكن قهره بالتركيز والانضباط واللعب برجولة.
إن الفوز لا يعنى فقط التأهل، بل يعنى تأكيد أن ما قدمتموه فى المباراتين السابقتين لم يكن ضربة حظ وأن الكرة المصرية عادت إلى مكانها الطبيعى بين الكبار، وأن مشروع بناء منتخب جديد يسير فى الطريق الصحيح، تسعون دقيقة تفصلكم عن المجد. تسعون دقيقة لتفرحوا شعباً بأكمله. العبوا للفوز، العبوا للتاريخ، العبوا لمصر. الجماهير تثق بكم، والجهاز الفنى يراهن عليكم، والوطن كله خلفكم، لا نريد أداءً مشرفاً فقط، نريد النقاط الثلاث، ونريد التأهل، ونريد أن نكمل الحلم. هذه هى كرة القدم، لحظة واحدة، مباراة واحدة، قد تغير كل شيء، فلتكن مباراة إيران هى ليلة إعلان التأهل، فلتكن ليلة يثبت فيها هذا الجيل أنه جيل من ذهب، لقد انتهى زمن الحسابات المعقدة، الآن الحساب بسيط انتصروا تصعدوا، اجعلوها ليلة لا تُنسى فى تاريخ الكرة المصرية، مصر كلها معكم، وقلوبنا تدعو لكم.