كيف تابعت مشوار منتخب مصر فى أول جولتين من كأس العالم؟
أعتقد أننا أمام واحد من أفضل المنتخبات المصرية التى شاركت فى كأس العالم من ناحية الشخصية والهوية الفنية، عندما نتحدث عن التعادل أمام بلجيكا فى الجولة الأولى، يجب ألا ننظر فقط إلى النتيجة، بل إلى طريقة الأداء، فالمنتخب لم يدخل المباراة للدفاع أو انتظار الهجمات البلجيكية، بل لعب بشجاعة كبيرة ونجح فى فرض شخصيته خلال فترات طويلة من اللقاء، بلجيكا منتخب يمتلك لاعبين فى أعلى المستويات الأوروبية، ورغم ذلك شاهدنا منتخب مصر منظمًا وقادرًا على صناعة الفرص ومجاراة المنافس بدنيًا وفنيًا، لذلك أرى أن نقطة بلجيكا كانت رسالة مهمة جدًا بأن هذا المنتخب لا يشارك من أجل التمثيل المشرف فقط، وإنما من أجل المنافسة الحقيقية، ثم جاءت مباراة نيوزيلندا لتؤكد أن ما حدث أمام بلجيكا لم يكن مصادفة، بل نتيجة عمل فنى واضح، فالمنتخب تأخر فى النتيجة، لكن رد الفعل كان رائعًا، واستطاع العودة بثلاثة أهداف وأداء هجومى مميز.
هل ترى أن مباراة بلجيكا كانت نقطة التحول الحقيقية فى البطولة؟
بالتأكيد، أحيانًا تكون هناك مباريات أهم من الفوز نفسه، فالتعادل مع بلجيكا منح اللاعبين ثقة كبيرة فى قدراتهم. فعندما تواجه منتخبًا من الصف الأول عالميًا وتقدم مباراة قوية وتخرج بنتيجة إيجابية، فأنت ترسل رسالة لنفسك قبل أن ترسلها للمنافسين، ما أعجبنى فى مباراة بلجيكا أن المنتخب لم يشعر بالنقص أمام اسم كبير، واللاعبون كانوا مقتنعين بأنهم قادرون على المنافسة، وهذه العقلية هى التى صنعت الفارق لاحقًا أمام نيوزيلندا.
ما أكثر ما لفت انتباهك فنيًا فى أداء المنتخب؟
التوازن، هذه الكلمة تلخص ما يقدمه المنتخب. فى بطولات كأس العالم لا يمكن أن تنجح بالهجوم فقط أو بالدفاع فقط، يجب أن تمتلك توازنًا بين الخطوط، وهذا ما شاهدناه، المنتخب أصبح أكثر انضباطًا فى التحولات الدفاعية، وفى الوقت نفسه يمتلك حلولًا هجومية متنوعة، ولم يعد الاعتماد مقتصرًا على لاعب واحد أو نجم بعينه، بل أصبح هناك عمل جماعى واضح، فعندما يسجل زيكو، ويتألق صلاح، ويحسم تريزيجيه، فهذا يعنى أن المنظومة كلها تعمل بشكل جيد.
كيف تقيم عمل حسام حسن حتى الآن؟
يجب أن يحصل حسام حسن على حقه الكامل، الرجل تسلم المهمة فى ظروف لم تكن سهلة، وكان عليه أن يبنى منتخبًا قادرًا على المنافسة القارية والعالمية فى وقت قصير نسبيًا، ما أراه اليوم هو منتخب يمتلك شخصية تشبه شخصية مدربه، فهناك حماس، وإصرار، وقتال على كل كرة، وفى الوقت نفسه تطور فى الجانب التكتيكي، البعض كان يربط حسام حسن دائمًا بالحماس فقط، لكن ما نراه فى كأس العالم يؤكد أن هناك عملًا فنيًا حقيقيًا ودراسة جيدة للمنافسين.
ماذا عن محمد صلاح ودوره داخل الفريق؟
محمد صلاح حالة استثنائية، نحن نتحدث عن أحد أعظم اللاعبين فى تاريخ الكرة المصرية والإفريقية، لكن ما يعجبنى حاليًا ليس فقط مستواه الفني، وإنما دوره القيادى، فـ «صلاح» أصبح قائدًا حقيقيًا داخل الملعب، خبراته الأوروبية الكبيرة تنعكس على زملائه. عندما يرى اللاعبون قائدهم يضغط ويقاتل ويلتزم تكتيكيًا، فإن الجميع يلتزم تلقائيًا، وهدفه أمام نيوزيلندا لم يكن مجرد هدف منح مصر التقدم، بل كان هدفًا أعطى المنتخب دفعة نفسية هائلة فى توقيت بالغ الأهمية.
البعض يرى أن هذا الجيل قادر على تحقيق أفضل إنجاز مصرى فى تاريخ المونديال.. هل تتفق مع هذا الرأي؟
نعم، لكن بشرط مهم جدًا، وهو عدم التسرع فى إطلاق الأحكام، المنتخب قدم مباراتين كبيرتين، لكن الطريق ما زال طويلًا، ما يجعلنى متفائلًا هو أن الفريق يتطور من مباراة لأخرى، ففى البطولات الكبرى هناك منتخبات تبدأ قوية ثم تتراجع، وهناك منتخبات تنمو تدريجيًا، وأعتقد أن منتخب مصر ينتمى للفئة الثانية، إذا استمر هذا التطور بنفس الوتيرة، فإننا قد نشاهد إنجازًا غير مسبوق للكرة المصرية.
بعد نيوزيلندا نواجه إيران.. كيف ترى هذه المباراة؟
أراها أصعب مباراة فى دور المجموعات بالنسبة لمنتخب مصر، إيران منتخب قوى جدًا على المستويين البدنى والتنظيمي، كما أنه فريق لا يمنحك مساحات كثيرة، ويجيد اللعب تحت الضغط، كما أنه يمتلك خبرات كبيرة فى بطولات كأس العالم، ولكن فى المقابل، أعتقد أن منتخب مصر يمتلك أفضلية فنية واضحة، خاصة فى الثلث الهجومي، وإذا لعب المنتخب بنفس التركيز والانضباط اللذين ظهر بهما أمام بلجيكا ونيوزيلندا، فأرى أن هناك فرصة كبيرة جدًا فى تحقيق نتيجة إيجابية.
ما مفاتيح الفوز على إيران؟
أولًا: عدم التسرع. إيران ستلعب بحسابات دقيقة لأنها تعلم أن المباراة مصيرية، ثانيًا: استغلال السرعات فى التحولات الهجومية، لأن المنتخب الإيرانى يواجه صعوبات عندما يُجبر على التراجع لفترات طويلة، ثالثًا: التركيز فى الكرات الثابتة، لأنها تمثل أحد أهم أسلحة المنتخب الإيراني، وأخيرًا الحفاظ على الثقة دون الوصول إلى مرحلة الثقة الزائدة. فالفوز على نيوزيلندا كان رائعًا، لكن مباراة إيران ستكون مختلفة تمامًا.
توقعك للنتيجة؟
لا أحب التوقعات كثيرًا، لكن إذا حافظ منتخب مصر على مستواه الحالي، فأعتقد أنه قادر على الفوز والتأهل رسميًا فى صدارة المجموعة.
هل ترى أن منتخب مصر بات يمتلك هوية واضحة داخل الملعب؟
بلا شك، وهذه من أهم المكاسب التى حققها المنتخب خلال الفترة الأخيرة، فى الماضى كنا نشاهد منتخبات مصرية تمتلك أسماء كبيرة، لكن أحيانًا لم تكن تمتلك هوية فنية واضحة أو طريقة لعب مستقرة، الآن عندما تشاهد المنتخب تستطيع أن تميز شخصيته؛ فريق يجيد الضغط فى أوقات معينة، ويعرف متى يستحوذ ومتى يتراجع، كما أن اللاعبين أصبحوا أكثر فهمًا لأدوارهم داخل الملعب، الهوية لا تبنى فى مباراة أو بطولتين، لكنها نتاج عمل مستمر، وأعتقد أن الجهاز الفنى نجح فى الوصول إلى مرحلة متقدمة فى هذا الملف، المنتخب أصبح يلعب بثقة أكبر، واللاعبون يؤمنون بما يطلبه منهم المدرب، وهذه نقطة مهمة جدًا فى البطولات الكبرى.
كيف ترى مستوى خط الوسط فى المنتخب خلال البطولة؟
أعتقد أن خط الوسط كان أحد أبرز أسباب نجاح المنتخب حتى الآن، كرة القدم الحديثة تحسم فى منطقة الوسط، وعندما تملك لاعبين قادرين على استعادة الكرة والاحتفاظ بها وصناعة اللعب، فإن فرص نجاحك تصبح أكبر، أمام بلجيكا شاهدنا وسط الملعب المصرى يتفوق فى فترات كثيرة رغم قوة المنافس، وأمام نيوزيلندا كان الوسط هو المحرك الرئيسى لعملية العودة فى النتيجة، ما يعجبنى أن هناك تنوعًا فى الأدوار، فهناك من يقوم بالأدوار الدفاعية، وهناك من يربط الخطوط، وهناك من يساند الهجوم، هذا التنوع يمنح المنتخب حلولًا متعددة خلال المباريات.
هل تعتقد أن المنتخب أصبح أقل اعتمادًا على محمد صلاح مقارنة بالسنوات الماضية؟
نعم، وهذه نقطة إيجابية جدًا، «صلاح» سيظل النجم الأبرز والأكثر تأثيرًا، لكن الفرق الكبيرة لا تعتمد على لاعب واحد مهما كانت قيمته، ما يطمئننى أن المنتخب أصبح يمتلك مصادر متعددة للخطورة، فعندما يسجل زيكو، ويتألق تريزيجيه، ويصنع لاعب الوسط الفارق، فهذا يعنى أن المنافس لن يستطيع التركيز على إيقاف «صلاح» فقط، وهذا ما يميز المنتخبات القادرة على الذهاب بعيدًا فى البطولات الكبرى.
ما رأيك فى شخصية اللاعبين بعد التأخر أمام نيوزيلندا؟
هذا أكثر شيء أسعدنى فى المباراة، فى بطولات كأس العالم تحديدًا، فهناك منتخبات تنهار نفسيًا بمجرد استقبال هدف، خصوصًا إذا كانت المباراة مصيرية، لكن ما حدث مع منتخب مصر كان العكس تمامًا، اللاعبون لم يفقدوا هدوءهم، ولم يلجأوا للعشوائية أو التسرع. استمروا فى تنفيذ التعليمات، ومع مرور الوقت ظهرت الفوارق الفنية، هذه الشخصية لا تأتى من فراغ، بل نتيجة ثقة متبادلة بين اللاعبين والجهاز الفني، ونتيجة وجود عناصر قيادية داخل الملعب تستطيع احتواء المواقف الصعبة.
لو طلبنا منك اختيار أبرز لاعب فى المنتخب خلال أول جولتين.. من سيكون؟
من الصعب اختيار لاعب واحد لأن الأداء الجماعى كان مميزًا، لكن إذا تحدثنا عن التأثير والقيادة والخبرة، فمحمد صلاح يظل الرقم الأهم، فى الوقت نفسه لا يمكن تجاهل الدور الكبير الذى قام به «تريزيجيه»، وكذلك بعض اللاعبين الذين ربما لا يحصلون على نفس الاهتمام الإعلامى رغم أنهم يقومون بأدوار تكتيكية مهمة جدًا، النجاح الحقيقى للمنتخب حاليًا أنه لم يعد قائمًا على نجم واحد، بل على مجموعة كاملة تعمل من أجل هدف واحد.
كيف ترى فرص مصر إذا تأهلت إلى الأدوار الإقصائية؟
إذا تأهل المنتخب، وأعتقد أنه قريب جدًا من ذلك، فإن كل شيء يصبح ممكنًا، فى كأس العالم رأينا عبر التاريخ منتخبات لم تكن مرشحة للمنافسة لكنها وصلت إلى أدوار متقدمة لأنها امتلكت الانضباط والثقة، مصر تمتلك عناصر تلعب فى أقوى الدوريات الأوروبية، وتمتلك قائدًا بحجم محمد صلاح، وجهازًا فنيًا يعرف طبيعة اللاعب المصرى جيدًا، وجماهير تعيش حالة من الحلم والطموح، لذلك أقول إن سقف الطموحات يجب ألا يتوقف عند التأهل فقط، بل يجب التفكير فى كيفية الذهاب لأبعد نقطة ممكنة.
هل ترى تشابهًا بين هذا الجيل وأجيال مصر الذهبية؟
لكل جيل ظروفه المختلفة، لكن هناك قواسم مشتركة، جيل 1998 كان يمتلك شخصية البطل، وجيل 2006 و2008 و2010 امتلك الثقة والروح الجماعية، وجيل 2018 كان يضم نجمًا عالميًا بحجم محمد صلاح، أما الجيل الحالى فأراه يجمع بين أكثر من ميزة، لديه لاعبون محترفون على أعلى مستوى، ولديه خبرات دولية كبيرة، والأهم أنه يمتلك عقلية تؤمن بأنها قادرة على المنافسة عالميًا.
لو تأهل منتخب مصر من هذه المجموعة، أين ستضع هذا الإنجاز فى تاريخ الكرة المصرية؟
سيكون من أهم الإنجازات بلا شك، علينا أن نتذكر أن كأس العالم هى البطولة الأصعب فى كرة القدم، مجرد التأهل إليها إنجاز، فما بالك بالظهور بهذا المستوى وتحقيق نتائج إيجابية أمام منتخبات قوية مثل بلجيكا وإيران ونيوزيلندا، إذا نجح المنتخب فى العبور إلى الأدوار الإقصائية، فسيكون ذلك خطوة تاريخية تضاف إلى سجل الكرة المصرية، وربما تكون بداية لمرحلة جديدة من الحضور المصرى على الساحة العالمية.
هل يمكن أن يكون مونديال 2026 نقطة تحول فى تاريخ الكرة المصرية؟
نعم، وأقولها بكل ثقة، هناك بطولات تمر فى التاريخ كحدث عابر، وهناك بطولات تؤسس لمرحلة جديدة بالكامل، إذا واصل المنتخب بنفس الشخصية والطموح والتنظيم الذى ظهر به حتى الآن، فقد نتحدث بعد سنوات عن كأس العالم 2026 باعتباره البطولة التى أعادت مصر إلى مكانتها الطبيعية على الساحة الدولية، لدينا لاعبون مميزون، وجهاز فنى طموح، وجماهير استثنائية، وكل عناصر النجاح موجودة، الآن حان وقت استثمار هذه الفرصة وتحويل الحلم إلى حقيقة.
ما رأيك فى الأجواء المحيطة بالمنتخب داخل المعسكر؟
من خلال ما نراه ونسمعه، هناك حالة من الانسجام والثقة بين اللاعبين والجهاز الفني، هذه الأمور قد لا تظهر للجماهير بشكل مباشر، لكنها تصنع فارقًا كبيرًا داخل البطولات الطويلة، والمنتخبات الناجحة ليست فقط التى تمتلك أفضل اللاعبين، وإنما التى تمتلك أفضل أجواء عمل جيدة، عندما يشعر اللاعب بالراحة والثقة والعدالة، فإنه يقدم أفضل ما لديه داخل الملعب، وأعتقد أن حسام حسن وجهازه الفنى نجحوا فى خلق هذه الحالة داخل المنتخب.
أخيرًا.. ما رسالتك للاعبى منتخب مصر قبل مواجهة إيران؟
رسالتى لهم أن يستمتعوا بما يقدمونه، لكن دون أن يفقدوا التركيز، لقد أسعدوا ملايين المصريين بما قدموه حتى الآن، لكن الفرصة ما زالت قائمة لتحقيق إنجاز أكبر، مباراة إيران ليست مجرد مباراة فى دور المجموعات، بل قد تكون بوابة لعبور تاريخى نحو مرحلة جديدة فى البطولة، أثق أن اللاعبين يدركون حجم المسئولية، وأثق أيضًا أن الجماهير المصرية ستكون خلفهم بكل قوة، ما أراه اليوم هو منتخب يلعب بقلب مصر كلها، وهذه هى أعظم نقطة قوة يمتلكها الفراعنة فى هذا المونديال.