يشهد العالم الرقمى تحولات متسارعة تفرض تحديات ومخاطر أمنية جديدة، وتأتى فى مقدمتها حماية النشء من مخاطر التطرف الإلكترونى والجريمة الافتراضية، وفى هذا السياق تتصدر وزارة الداخلية المشهد وتتصدى لهذه الظاهرة عبر استراتيجية وقائية متكاملة تستهدف حماية جيل «زد» من الأفكار المتطرفة والهدامة، ومن منطلق إدراكها لحساسية هذه المرحلة العمرية، وضعت وزارة الداخلية خطة شاملة تقوم على الرصد المستمر للحسابات التى تنشر الفكر المتطرف، وتعمل على احتوائها قبل أن تتحول إلى تهديدات أمنية حقيقية، ولم تقف الجهود عند هذا الحد بل امتدت إلى تطوير العمل المؤسسى داخل الوزارة نفسها، حيث تم تدريب الأجهزة الأمنية على فهم خصائص هذا الجيل واكتساب مهارات التعامل معه وفق منهجية علمية حديثة، كما استحدثت «الداخلية» وحدات متخصصة لمكافحة التطرف الإلكترونى وتكوين شراكات استراتيجية مع الجامعات والخبراء لتحليل أنماط الاستقطاب الرقمى وأساليب التجنيد الإلكترونى التى تستهدف الشباب.
أيضاً عملت الوزارة على تهيئة الأوضاع داخل مراكز الإصلاح لتعزيز وعى النزلاء وتصحيح المفاهيم الخاطئة لمن تأثر بهذه الأفكار، كما لم تغفل وزارة الداخلية دور المؤسسات الدينية فى مواجهة هذا الخطر فعززت التعاون معها للاستعانة برجالها فى تنفيذ البرامج التوعوية، وطورت شراكاتها مع المنصات الرقمية لتتبع الفكر المتطرف وحصاره فى إطار استراتيجيتها الوقائية التى تسبق وقوع التهديدات الأمنية، وفى ضوء ذلك تولى مراكز البحوث الأمنية التابعة للوزارة اهتماما بالغا بدراسة الاتجاهات الفكرية الحديثة لهذا الجيل بهدف تقديم أفضل الأطر الأمنية الكفيلة بحمايته من مخاطر الإرهاب والتطرف.
وأكد اللواء الدكتور محسن الفحام، نائب رئيس «جهاز أمن الدولة» سابقاً مساعد وزير الداخلية الأسبق ومقرر لجنة الرصد ببيت العائلة المصري، أن أكثر من ربع سكان مصر من جيل «زد» الذى ولد فى عصر الإنترنت ولم يعاصر أحداث العنف، وهو جيل يعيش فى فضاء رقمى مفتوح تتشكل فيه هويته بعيدا عن الأسرة والمدرسة، هذا الواقع يفرض تحديات أمنية جديدة تضع وزارة الداخلية على رأس أولوياتها لحماية هذا الجيل من خطابات التطرف والاستقطاب الفكرى مما يستلزم تحصين العقول من الاختراق الناعم، وهو قضية أمن قومى بامتياز لا تقل أهمية عن الدفاع عن الحدود الجغرافية للدولة، وهو ما تترجمه جهود أكاديمية الشرطة فى بناء جسور الثقة مع الشباب وطلاب الجامعات المصرية على مستوى الجمهورية ضمن استراتيجية وطنية لحماية جيل شباب المستقبل.
وكشف «الفحام» أن الحروب فى العصر الحالى لم تعد تقليدية بل أصبحت حروبا غير متماثلة يتصدر فيها الوعى والمعلومة قائمة الأسلحة الأكثر تأثيرا، متجاوزة فى كثير من الأحيان قوة الرصاص، وحماية الأجيال الجديدة من التطرف الفكرى باتت تمثل أحد أبرز تحديات الأمن القومى المصرى فى ظل التحولات الرقمية المتسارعة، ويمثل جيل «زد» أكثر من ربع سكان مصر يعيش فى فضاء رقمى مفتوح تتنافس داخله جهات متعددة على تشكيل وعيه وهويته، ما يجعله أكثر عرضة لمحاولات الاستقطاب والتأثير السلبى إذا لم يمتلك القدر الكافى من المناعة الفكرية والوعى النقدي، ووزارة الداخلية المصرية تتبنى انطلاقا من هذه المعطيات استراتيجية وقائية متكاملة تقوم على الرصد والمتابعة والتحصين، مع التركيز على فهم خصائص هذا الجيل وتطوير آليات التعامل معه، بما يسهم فى حمايته من مخاطر التطرف والإرهاب الإلكتروني، ومعركة اليوم هى فى الأساس معركة وعى وانتماء، وتحصين العقول من محاولات الاختراق الناعم والتأثير الفكرى الموجه يمثل قضية أمن قومى لا تقل أهمية عن حماية حدود الوطن وصون مقدراته.
ونوه مساعد وزير الداخلية الأسبق، إلى أن قضية بناء الوعى لدى جيل «زد» تمثل إحدى القضايا شديدة الأهمية فى المرحلة الراهنة فى ظل ما يشهده هذا الجيل من تحديات فكرية وثقافية ناتجة عن الانفتاح الواسع على الفضاء الرقمى ووسائل التواصل الاجتماعي، فهذا الجيل المنفتح الذى لم يعاصر أحداث العنف والإرهاب فى عام 2011 هو أكثر عرضة للتأثر بالخطابات المتطرفة، مما قد يؤدى إلى وقوع بعضهم فريسة للتعاطف مع الجماعات الإرهابية، والحقيقة أن أكاديمية الشرطة تنظم برنامج تعايش بين طلبة الأكاديمية وطلبة الجامعات المصرية وذلك تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى الرامية إلى بناء الإنسان المصري، وهذا البرنامج نجح فى تعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة المختلفة والشباب وبناء جسور من الثقة والتفاهم إلى جانب صقل مهاراتهم الحياتية والمهنية بما يخدم المجتمع ويعزز الأمن والاستقرار.
وأشار إلى أن وزارة الداخلية تقوم أيضا بتنفيذ هذا البرنامج من خلال تنظيم زيارات ميدانية لمرافق الشرطة والأقسام وإدارات الشرطة المختلفة مما أتاح للطلاب فرصة التعرف عن قرب على طبيعة العمل الشرطى والمهام اليومية التى يقوم بها ضباط الشرطة، مما أسهم فى تعزيز إدراكهم لدور الأجهزة الأمنية فى حماية المجتمع وتحقيق الاستقرار، مؤكدا على أن مفهوم القوة فى العصر الحديث لم يعد يقتصر السلاح التقليدي، بل أصبح الوعى والمعلومة والقدرة على التأثير فى الوجدان البشرى من أهم أدوات الصراع فى الحروب الحديثة وغير المتماثلة، ونجاح أى قوى معادية يرتبط بدرجة هشاشة الجبهة الداخلية ومدى تماسك الوعى الجمعي، فضلًا عن قدرة المواطنين على الحفاظ على هويتهم الوطنية، فهذا الواقع يجعل من تحصين العقول ضد محاولات الاختراق الناعم وتعزيز قيم الانتماء والوعى الوطنى قضية أمن قومى بامتياز.