بدأت الجريمة بترجمة كلمة «المحتل» إلى «مستعمر» المشتقة من التعمير والبناء، وترجمة كلمة «المغتصبات» إلى «مستوطنات» من الجذر «وطن»، فحدث تغييب للوعى العربى.
توقفنا فى المقال السابق عند الفصل الرابع من دراستنا هذه عن سيناريوهات سقوط وانهيار المشروع الصهيونى فى فلسطين العربية، وختمنا الفصل باليسار الغربى المتواطئ أحيانًا مع السردية الصهيونية، ومع المتدينين المسيحيين الذين يتعجلون صعود إسرائيل تمهيدًا لنزول المسيح وحكم العالم لألف سنة ذهبية، حيث تعانقت الرؤية الصهيونية مع المسيحية الصهيونية لتحقيق هذا الهدف. وننتقل فى المقال الحالى إلى الفصل الخامس من دراستنا تلك.
يتناول الفصل الخامس خديعة الترجمة ومعركة الوعى اللغوى والتضليل المنهجي، حين تصبح الكلمات أدوات للاحتلال قبل الأسلحة. فبعد أن حللنا «الصهيونى الوظيفي» فى تجلياته السياسية والاقتصادية والثقافية، لا بد أن نتوقف عند أخطر وأعمق تجليات هذه الوظيفة، ألا وهو «الصهيونى الوظيفى اللغوي». فقبل أن تدخل الدبابات وتنهمر القنابل، وقبل أن تُبنى المستوطنات والمستعمرات، تُشن الحرب الحقيقية فى ميدان اللغة والمصطلحات، لأن السيطرة على الوعى اللغوى للشعوب المستهدفة هى الخطوة الأولى والأكثر فاعلية فى عملية الاحتلال والإحلال. فمن يملك القدرة على تسمية الأشياء يملك القدرة على تعريف الواقع وتشكيله، ومن يخسر معركته اللغوية يخسر الحرب قبل أن تبدأ.
وهذا الاستنتاج يضع أيدينا على واحدة من أخطر معارك الوعى اللغوى التى خاضها المشروع الصهيونى وحلفاؤه ضد الأمة العربية والإسلامية. والمفارقة الصادمة والمذهلة حقًا هى أن المصطلحات الغربية نفسها، الإنجليزية والفرنسية تحديدًا، كانت فى بداياتها أكثر صراحة ووضوحًا وأمانة فى التعبير عن جوهر المشروع وطبيعته الإجرامية. ولكن ماكينة «الترجمة التضليلية» فى المنطقة العربية، التى يديرها «الصهاينة الوظيفيون اللغويون» بوعى أو بغير وعي، عملت على استهلاك وإشاعة مفردات ناعمة ولينة ومطمئنة تُفرغ العمل من بشاعته وجوهره الإجرامي، وتضفى عليه مسحة من «الشرعية والحضارية والبناء».
ولفهم هذه الظاهرة بعمق، علينا أن نشرح بعضًا من أفظع الأمثلة على هذا التواطؤ فى الترجمة، وكيف تم استخدامه أداةً من أدوات التضليل المنهجى وتخدير الوعى الجمعى العربي.
أولًا: تشريح نماذج التضليل اللغوي.. حين يُسمّى الجلاد المجرم «بانى الحضارة»
خديعة «الاستعمار»
بترجمة اللفظ عن الإنجليزية يصبح المحتل «معمرًا»، وهو فى الحقيقة مدمّر للحضارة. فكلمة (Colonialism) مشتقة من الجذر اللاتينى (Colonia)، وتعنى فى الأصل «المزرعة» أو المستوطنة التى تُقام خارج حدود الدولة الأم. والكلمة تحمل فى جوهرها دلالات السيطرة والملكية المطلقة والاستحواذ على الأرض والموارد. إنها كلمة تعبر عن علاقة قوى غير متكافئة، وعن مشروع هيمنة واستغلال.
ولكن عندما نُقلت هذه الكلمة إلى اللغة العربية، تم اختيار جذر لغوى مختلف تمامًا فى دلالاته وإيحاءاته، وهو جذر «عَمَرَ»، فصار المقابل العربى للكلمة هو «الاستعمار». وهو اختيار خبيث فى عمقه، لأنه يربط فى العقل الجمعى العربى بين الغازى والبناء، وبين المحتل والإعمار. إنه يوحى بأن من يأتى إلى أرضنا ويستولى عليها إنما يأتى ليعمرها ويبنيها ويزرعها، بعد أن كانت خرابًا أو مهملة أو غير مستغلة.
وهذا بالضبط ما روجت له السردية الصهيونية والاستعمارية حين قالت: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وزعمت: «لقد جعلنا الصحراء تزهر».
ولو كانت الترجمة أمينة لجوهر الفعل فى الإنجليزية، ولجوهر الممارسة على الأرض، لكان المقابل العربى الأدق: «الاستيطان الاستحواذي»، أو «الاستملاك القسري»، أو «الاستيلاء الإحلالي». فهذه المصطلحات تنقل حقيقة ما يحدث من سطو على الأرض وطرد للسكان وإحلال للمستوطنين.
أما باستخدام كلمة «استعمار»، فقد أصبحنا نصف القاتل والسفاح وسارق الأرض باسم «المستعمر»، أى بمعنى «بانى الأرض ومعمرها ومحييها». وهذا أقصى درجات الاستلاب اللغوى وأخطره. إنها جريمة فى حق اللغة والوعى والتاريخ.
وهنا يبرز دور «الصهيونى الوظيفى اللغوي»، ذلك المترجم أو الإعلامى أو الأكاديمى أو الكاتب الذى يتبنى هذا المصطلح المضلل دون تفكير نقدى أو وعى كامل، فيساهم فى تمرير هذا النموذج المعتل وتجميله فى العقل العربي. إنه، كما قال المفكر الدكتور عبدالوهاب المسيري، «يشارك فى خيانة الوعي».
المثال الثاني: من «المغتصبة» إلى «المستوطنة»
كلمة «المستوطنة» هى ترجمة لكلمة (Settlement) الإنجليزية، التى تعنى الاستقرار فى مكان جديد، وغالبًا ما كانت تستخدم فى سياق الأرض المباحة أو الأرض الخالية التى يرتادها المستوطنون الأوائل. وتحمل الكلمة دلالات السكن والإقامة وبناء المجتمع.
وعندما تحولت فى العربية إلى «مستوطنة»، وهى مشتقة من الجذر «وطن»، حملت دلالة خطيرة، لأنها توحى بأن المحتل يتخذ له وطنًا، وأن له حقًا فى ذلك، وأن المكان أصبح موطنه. إنها تمنح الفعل الإجرامى صبغة الحق الوجودى والألفة فى المكان والتجذر الطبيعي، وتوحى بأن هؤلاء القادمين من أقاصى الأرض ومن وراء البحار هم «مواطنون جدد» لا غزاة مغتصبون.
أما الحقيقة التى يخفيها هذا المصطلح، وفق رؤية الكاتب، فهى أن ما يجرى على الأرض ليس استيطانًا بريئًا، بل اقتلاع لأصحاب الأرض الشرعيين واغتصاب لممتلكاتهم وإحلال لمجموعة بشرية أخرى مكانهم. إنها عملية سطو منظمة يجرى تغليفها بغلاف لغوى ناعم يجعلها تبدو كأنها تطوير عمرانى أو توسع سكنى طبيعي.
ومن ثم فإن «الصهيونى الوظيفى اللغوي» هو، فى نظر الكاتب، من يصر على استخدام كلمة «مستوطنة» بدلًا من «مغتصبة»، فيسهم فى تغييب الجريمة وتطبيعها فى الوعي.