رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قراءة هادئة فى الاتفاق الإيرانى - الأمريكى


26-6-2026 | 15:25

.

طباعة
بقلـم: محمد الشافعى

قصة طريفة من التراث الشعبى المصرى.. يتطابق مضمونها مع مضمون الاتفاق الإيرانى الأمريكى.. الذى تم الإعلان عنه الأسبوع الماضى.. تحكى القصة عن قرية مصرية منذ عشرات السنين.. انفردت من بين كل القرى.. بوجود اثنين من (المسحراتية) يعملان على إيقاظ الناس فى ليل شهر رمضان لتناول وجبة السحور.. وقد اتفقا على اقتسام القرية فيما بينهما.. وفى إحدى الليالى تغوَّل أحدهما على الجزء المخصص لزميله.. فسارع الرجل بالذهاب إلى العمدة ليشكو له وقال (ياحضرة العمدة لقيته بيطبل فى المطبل).. وأى مراجعة دقيقة أو سريعة لأهم بنود الاتفاق الأمريكى الإيرانى.. تكتشف أن هذا الاتفاق (بيطبل فى المطبل).. أى أنه يعيد إنتاج ما تم الاتفاق عليه من قبل..

 
 

فمن وجهة نظر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن أهم بنود هذا الاتفاق.. يكمن فى التأكيد على عدم امتلاك إيران لأسلحة نووية.. ثم التأكيد على فتح مضيق هرمز بالآلية التى كان عليها قبل الإغلاق.. وهذا المضيق كان مفتوحا منذ أن خلق الله الجغرافيا.. وحتى حدوث العدوان الصهيو أمريكى على إيران نهاية شهر فبراير الماضى.. أما عن التأكيد على عدم امتلاك إيران للسلاح النووي.. فمنذ بداية ثورة الخمينى فى إيران عام 1979.. وهناك فتوى من الخمينى المرشد العام للثورة.. أكدتها فتوى من خلفه خامنئى.. تمنع إيران من امتلاك السلاح النووى لأسباب شرعية (من وجهة نظرهما).. كما استطاع الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما إبرام اتفاق مع إيران فى عام 2015 بمشاركة الدول الخمس الكبرى الصين.. روسيا.. إنجلترا- فرنسا – ألمانيا.. وهذا الاتفاق يبيح لإيران تخصيب اليورانيوم بمعدلات بسيطة للأغراض السلمية.. ويمنعها من امتلاك السلاح النووي.. وقرر ترامب أثناء ولايته الأولى (2018) إلغاء اتفاق أوباما مع إيران.. مع فرض المزيد من العقوبات على الدولة الإيرانية.. مما سمح لإيران العمل على زيادة معدلات تخصيب اليورانيوم.. حتى وصلت إلى 60 فى المائة أى أنها أصبحت على مقربة من النسبة التى تسمح لها بإنتاج السلاح النووى (90 فى المائة).. أى أن ترامب هو الذى صنع الأزمة فى الحالتين؛ زيادة معدلات تخصيب اليورانيوم.. إغلاق مضيق (هرمز).. ثم يأتى الآن ليعلن فى كل مكان أنه قد حقق انتصاراً كبيرا بإنجاز هذين الأمرين.. وكأنه يردد مقولة المسحراتى المصرى القديم (بيطبل فى المطبل).. والحقيقة أن الرئيس ترامب كان مجبرا على الوصول إلى مثل هذا الاتفاق مع إيران.. بعد أن ازدادت عليه الضغوطات من كل جانب.. فلم يستطع حسم أمر العدوان عسكريا.. وتلقى ضربات موجعة فى قواعده بمنطقة الخليج.. كما جاء تصويت بعض أعضاء حزبه الجمهورى.. إلى جانب كل أعضاء الحزب الديمقراطى فى مجلس النواب بمثابة الطامة الكبرى على رأسه.. حيث نجح الديمقراطيون فى الحصول على الأغلبية.. التى جعلتهم يصدرون قرارا بتقييد حركة ترامب فى إيران.. بإلزامه بالرجوع إلى الكونجرس.. ولذلك جاءت آخر ضرباته ضد إيران تحت مسمى ساذج وهو (العمليات الدفاعية).. ومن الضغوطات التى دفعت ترامب لإنجاز هذا الاتفاق إقامة جزء كبير من مباريات كأس العالم على الأراضى الأمريكية، وكرة القدم رياضة إنسانية تدعو إلى السلام.. فكيف تقام أكبر منافساتها على أرض دولة.. يقوم رئيسها بالعدوان على الآخرين من دون وجود أى مبرر مقنع لأى إنسان على هذا الكوكب.. أما أهم الضغوطات التى دفعت ترامب لحتمية إنهاء هذا الاتفاق.. اكتشافه أن أمريكا وأنه شخصيا.. قد تم استخدامه (مخلب قط).. لتحقيق مصالح الكيان الصهيوني.. حيث نجح رئيس وزراء الكيان المحتل بنيامين نتنياهو فى إقناع الرئيس الأمريكى بضرورة العدوان على إيران.. كأهم خطوة فى سبيل السيطرة التامة على منطقة الشرق الأوسط.. بعد أن تم تحييد قوتين كبيرتين فى العراق وسوريا.. ولم يتبق إلا إيران.. التى تمتلك العديد من الحلفاء المسلحين حزب الله فى لبنان.. الحوثيون فى اليمن.. الحشد الشعبى فى العراق.. حماس فى فلسطين.. وبدلا من أن يفكر الكيان المحتل فى كيفية الوصول إلى السلام الدائم والكامل.. بالانسحاب من كل الأراضى المحتلة.. راح يفكر فى كيفية إنشاء (إسرائيل الكبرى) عن طريق محاولة قضم واغتصاب المزيد من الأراضى العربية فى سوريا والعراق والأردن والجزيرة العربية ومصر.. وللأسف تم توريط الرئيس الأمريكى فى تلك المؤامرات.. ليكتشف أنه قد خسر الكثير.. فراح يتعامل بقسوة وعنف فى اتصالاته مع نتنياهو.. بل راح يقول أمام شاشات العالم إن إسرائيل مدينة له بوجودها فلولا دعمه لاختفت من الوجود.

ورغم هذه الشدة إلا أن كل قيادات الكيان المحتل.. يعملون بلا كلل أو ملل على تخريب الاتفاق الإيرانى الأمريكى.. من خلال استمرار العمليات فى جنوب لبنان.. والإصرار على احتلال مزيد من الأراضى اللبنانية.. رغم أن الاتفاق ينص صراحة على وقف القتال على كل الجبهات.. بما يعنى أن الجبهة اللبنانية مشمولة فى هذا الاتفاق.

ويسعى ترامب إلى لجم التجاوزات الإسرائيلية.. حتى ينجح فى الوصول إلى اتفاق نهائى مع إيران.. بعد مفاوضات تستمر ستين يوما.. وقد اشترطت إيران تقديم أى اتفاق مع أمريكا إلى مجلس الأمن.. ليصبح اتفاقا دوليا ملزما لطرفيه.. ويتعرض للمساءلة أى طرف يخل بمبادئ هذا الاتفاق.

وعلى الجانب الآخر.. فرغم التدمير الكبير.. والخسائر المادية والبشرية.. التى تعرضت لها إيران.. إلا أنها قد حققت الكثير من المكاسب أولها وأهمها قدرتها على التحكم فى مضيق هرمز.. وقد اكتشف العالم أن إغلاق هذا المضيق.. يمكن أن يؤدى إلى أزمة اقتصادية طاحنة.. تسبب أضراراً بالغة لغالبية دول العالم.. كما استطاعت إيران أن تثبت للأمريكان أنها عصية على الإسقاط والتدمير الكامل.. ولذلك يعمل الأمريكان خلال المرحلة القادمة على وضع سياسات تسعى إلى (دمج إيران) بدلا من معاداتها.. وهذا الدمج سيكون من خلال إعادة إعمار ما هدمه العدوان.. ومن خلال شراكات اقتصادية كبيرة مع حلفاء إيران.. كما يؤكد هذا الاتفاق على اعتراف أمريكا بأن إيران قوة إقليمية مهمة فى هذه المنطقة.. ومثل هذا الاعتراف يجب أن ينسحب على دول الخليج.. التى خسرت كثيرا بتحالفها غير المشروط مع الولايات المتحدة الأمريكية.. حيث اكتشفت هذه الدول أن القواعد الأمريكية على أراضيها.. والتى دفعت من أجلها مليارات الدولارات.. غير قادرة على الدفاع عن نفسها فكيف لها أن تحمى الدول الموجودة فيها.. ليصبح الحل الأكثر إيجابية والأقل كلفة.. هو العلاقات الطبيعية التى تقوم على حسن الجوار وتبادل المصالح مع إيران.. كما اكتشفت دول الخليج خسارتها وتورطها فيما يسمى (الديانة الإبراهيمية).. ورغم إصرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على المضى قدما فى هذا العبث.. وتؤكد تصريحاته الأخيرة أن العديد من الدول سوف تنضم إلى هذا (الحواوشى الدينى).. بعد إتمام الاتفاق مع إيران لأنها كانت تخشى ردة الفعل الإيراني.. إلا أن هذا الكلام غير منطقى وغير حقيقى.. ويكفى أن الأزهر الشريف قد رفض هذا العبث المقيت بالأديان.

ويتبقى أن الآثار الحقيقية على الجانبين الأمريكى والإسرائيلى لعدوانهما على إيران.. سوف تظهر خلال الأشهر القليلة القادمة.. والتى ستشهد انتخابات فى كل من أمريكا والكيان المحتل.. ويتوقع كل الخبراء أن انتخابات التجديد النصفى للكونجرس.. سوف تكون كارثية على ترامب وعلى حزبه الجمهورى.. مما سيدفع به إلى أن يصبح مثل (البطة العرجاء).. خلال المدة المتبقية من ولايته الحالية.. لأن الأغلبية ستكون فى يد الديمقراطيين.. كما يتوقع الخبراء اختفاء نتنياهو من على الساحة السياسية فى الكيان المحتل.. وإتمام عملية محاكمته.. والمرجح ذهابه إلى السجن مقابل التهم الكثيرة الموجهة إليه.

ويتبقى أن هذا الاتفاق بين إيران وأمريكا.. يجب أن يكون دافعا لوجود نظام إقليمى صلب تشارك فيه مصر وإيران وتركيا وباكستان والسعودية.. نظام يقوم على الندية.. ويرفض التبعية.. ويستهدف تحقيق مصالح دول المنطقة.. حتى لو تعارضت تلك المصالح مع مصالح الحلف الصهيوأمريكى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة