«أن تأتي متأخرًا خيرٌ من أن لا تأتي».. هذا المثل الشهير للشاعر الإنجليزي «جيفري تشوسر» في عمله الأدبي الرائع «حكاية الوزير»، الذي كتبه في القرن الرابع عشر الميلادي، واشتهر في العالم كله منذ ذلك الوقت إلى الآن، ينطبق تمامًا على لحاق مصر «المتأخر» بركب صناعة التكنولوجيا التي باتت واحدة من أهم وأخطر وأثرى صناعات الحاضر والمستقبل، إلى الحد الذي جعل العلماء يلقبونها بصناعة الذهب الجديد، صانع ثروات الأمم!
وما حدا بخبراء التكنولوجيا إلى التأكيد على أنها باتت ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة في مصر، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، ودعم جهود الدولة لتحقيق أهداف رؤية مصر 2030، وبناء مجتمع أكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا، وأن توطين هذه الصناعة أصبح مطلبًا رسميًا وشعبيًا ومصدرًا ضخمًا لحصد مليارات المليارات سنويًا.
بعدما فقدت الثروات الطبيعية من غاز ونفط ومعادن قوتها، ولم تعد معيارًا تقاس به قوة اقتصادات الدول، كما لم تعد مضمارًا للمنافسة، بينما سطع نجم امتلاك المعرفة والابتكار والقدرة على إنتاج وتصدير التكنولوجيا المتقدمة.
حقيقةً، قطعت مصر مسافة على طريق صناعة التكنولوجيا، لكنها غير مُرضية مقابل معدل استهلاك عالٍ لهذه الصناعة، بعد أن أصبحنا من أكثر الشعوب إقبالًا على استخدام التكنولوجيا الحديثة والخدمات الرقمية، مدفوعين بالانتشار الرهيب للهواتف الذكية، وزيادة الاعتماد على الإنترنت، والتوسع في خدمات الدفع الإلكتروني والتجارة الرقمية.
ولكننا ما زلنا بعيدين عن قائمة الدول الكبرى المنتجة للتكنولوجيا المتقدمة أو المصدرة للابتكارات العالمية، فمعظم النشاط التكنولوجي المحلي ينحصر في تقديم الخدمات البرمجية والدعم التقني، وبعض الصناعات البسيطة، بينما لا تزال صناعات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي المتقدم وصناعة الحواسيب والهواتف الذكية والمعدات التكنولوجية الدقيقة محدودة، في حين يظل الاعتماد الأكبر على استيراد الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر ومعدات الاتصالات والمكونات الإلكترونية التي تكلف الدولة مليارات الدولارات سنويًا!
بيانات التجارة الدولية تقول إن مصر استوردت أجهزة ومعدات كهربائية وإلكترونية وأجهزة حاسوب وهواتف ذكية تجاوزت قيمتها نحو 6.6 مليار دولار خلال عام 2025، في حين بلغت فاتورة مكونات الهواتف الذكية وحدها 533 مليون دولار خلال أول عشرة أشهر من عام 2025، بناءً على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في الوقت الذي استحوذت فيه الصين وحدها على 4.1 مليار دولار من وارداتنا من صناعة التكنولوجيا! في حين ارتفعت وارداتنا من أجهزة ومعدات تكنولوجيا المعلومات خلال السنوات الأخيرة لتصل إلى 1.1 مليار دولار، نتيجة التوسع في مشروعات التحول الرقمي وزيادة الطلب على التكنولوجيا الحديثة.
وأتصور أن مصر تمتلك ثروة هائلة ومقومات واعدة تؤهلها لتكون واحدة من أكبر الدول التي تمتلك اقتصادًا رقميًا عالميًا، فلديها بنية تحتية رقمية شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ناهيك عن قاعدة سكانية كبيرة، ومئات الآلاف من خريجي كليات ومعاهد الهندسة والحاسبات وتكنولوجيا المعلومات، وسوقًا جاذبة للاستثمار في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، باعتبارها واحدة من أكبر أسواق التكنولوجيا في المنطقة العربية وإفريقيا.
وبناءً على المعطيات المهمة السابقة، علينا أن ندخل في زمرة دول العالم التي تتسابق للاستحواذ على نصيب أكبر من سوق التكنولوجيا العالمية، هذه السوق لا تزال تتزعمها الصين كأكبر الدول المصدرة للتكنولوجيا في العالم، وتحقق صادراتها التكنولوجية مئات المليارات من الدولارات سنويًا، ما جعلها أحد أهم المحركات الاقتصادية العالمية بعد أن نجحت في تحويل نفسها إلى مصنع عالمي للإلكترونيات والهواتف الذكية وأجهزة الاتصالات والبطاريات المتطورة.
ثم تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثانية بتصدير البرمجيات والخدمات الرقمية والرقائق الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي تحقق لها أرباحًا سنوية تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، بينما تأتي الماكينات الألمانية في المرتبة الثالثة بعد تقدمها الهائل في تكنولوجيا الصناعات المتقدمة والمعدات الهندسية وصناعة السيارات والتقنيات الطبية، حتى باتت الصادرات التكنولوجية الألمانية أحد الأعمدة الرئيسية ليس للاقتصاد الألماني فحسب، بل للاقتصاد الأوروبي كله.
وعند الحديث عن النمور الآسيوية، لا بد أن نعظم تجربة كوريا الجنوبية التي أصبحت رائدة عالميًا في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والشاشات الذكية، ومن ثم ازداد الطلب العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي الكوري بصورة غير مسبوقة.
نحن لا ننكر ما بذلته الدولة من جهود في دعم قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فضلًا عن إنشاء العديد من المدن التكنولوجية ومراكز الإبداع وريادة الأعمال، إلى جانب التوسع في برامج التحول الرقمي والاعتماد على الخدمات الإلكترونية الحكومية خلال العقد الماضي، لكن مصر التي تمتلك عقولًا مبدعة وباحثين حققوا إنجازات مهمة في مجالات الطب والهندسة والطاقة والزراعة تستحق أن تكون في مكانة أفضل بقائمة الدول الكبرى المنتجة للتكنولوجيا إذا نجحت في إزالة الفجوة بين البحث العلمي والابتكار وواقع التصنيع، أو بمعنى آخر اجتياز التحدي الأكبر الذي يتمثل في تحويل ما تملك من أبحاث واختراعات إلى منتجات صناعية وتجارية قادرة على المنافسة عالميًا.
وفي الختام أقول إن الرؤية مبشرة، والفرصة لا تزال قائمة، فالتجارب العالمية أثبتت أن بناء اقتصاد تكنولوجي قوي لا يعتمد فقط على الإمكانات المادية، بل يحتاج إلى خطط طويلة الأجل، واستثمارات مستمرة في التعليم والبحث العلمي، وربط الجامعات بالصناعة، وتشجيع الشركات الناشئة، وتوفير بيئة جاذبة للمبتكرين والمستثمرين، وهذا ما تطالب به القيادة السياسية مرارًا وتكرارًا.
إن التكنولوجيا لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت ركيزة أساسية للأمن القومي والتنمية المستدامة، فالدول التي تستثمر في البحث العلمي والتعليم والابتكار تستطيع تحقيق عوائد اقتصادية ضخمة تفوق في كثير من الأحيان عوائد تصدير المواد الخام التقليدية.
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية العالمية أن مستقبل الثروة لن يكون لمن يملك الموارد الطبيعية، وأن مستقبل مصر التكنولوجي لن يُقاس بعدد المستخدمين للهواتف الذكية أو الإنترنت، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وتصديرها.