فجر الخميس الثامن عشر من يونيو 2026، استيقظت موسكو على مشهد لم تألفه منذ سنوات؛ إذ شنّت أوكرانيا هجومًا بطائرات مسيّرة على العاصمة الروسية، فى أكبر استهداف لها منذ سنوات، مما أدى إلى اندلاع حرائق داخل المدينة وفى محيطها، وشمل مصفاة نفط كبرى، وتسبب فى إجلاء ركاب من أكبر مطارات العاصمة. ولم يكن ذلك حادثًا معزولًا، بل كان رسالةً استراتيجية كُتبت بالنار والدخان الأسود فوق سماء عاصمة نووية.
تقع مصفاة «إم إن بى زي» التابعة لشركة غازبروم فى منطقة كابوتنيا جنوب شرق موسكو، وهى تؤمّن أكثر من ثلث احتياجات الوقود للعاصمة الروسية، ولا سيما مطاراتها، وقد أصابتها المسيّرات الأوكرانية للمرة الثانية خلال أسبوع واحد، وتم توثيق لقطات جرى التحقق منها أظهرت تعرّض المصفاة لضربة مباشرة؛ إذ أدى الانفجار الهائل إلى تطاير غطاء خزان النفط فى السماء، وأعقب ذلك اندلاع حريق ضخم وتصاعد سحب كثيفة من الدخان الأسود غطّت أجواء المنطقة.
وامتدت الأضرار إلى ما هو أبعد من المصفاة؛ إذ بادرت هيئة الطيران المدنى الروسى إلى تعليق الرحلات الجوية مؤقتًا فى جميع مطارات موسكو الرئيسية، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن دفاعاتها الجوية اعترضت 555 طائرة مسيّرة أوكرانية فى أنحاء البلاد، وفى خطوة لافتة كشفت عمق الأزمة، أعلنت شركة «تاتنفت» المنتجة للنفط فرض حدود قصوى على شراء الوقود على مستوى البلاد، الأمر الذى دفع روسيا إلى الاستعداد لاستيراد الوقود بحرًا لمعالجة نقص البنزين الذى أعقب هجمات المسيّرات المتكررة.
ولم يتردد الرئيس الأوكرانى «فلاديمير زيلينسكى» فى تبنّى الهجوم صراحةً، إذ قال إن قواته استهدفت مصفاة النفط فى موسكو للمرة الثانية خلال الأسبوع، معتبرًا ذلك ردًا مبررًا تمامًا على الهجمات الروسية ضد المدن والمجتمعات الأوكرانية. وأضاف قائلًا: «كما أنه يأتى نتيجةً لعمل مقاتلينا ضد المنشآت التى تدعم آلة الحرب الروسية». وفى رسالة لافتة الدلالة، قال: «لقد لاحظ جميع شركائنا الدقة والفاعلية لضرباتنا متوسطة المدى وعملياتنا بعيدة المدى؛ ولهذا أقول: حان الوقت لإنهاء الحرب، ويجب على روسيا اتخاذ الخطوات اللازمة نحو الدبلوماسية”.
والجدير بالذكر أن هذه الهجمات تأتى فى سياق استراتيجية أوكرانية مدروسة تهدف أساسًا إلى تقليص القدرة المالية التى سخّرتها موسكو لتمويل حربها، عبر استهداف شرايين قطاع الطاقة لديها. ويأتى ذلك فى توقيت حساس شهدت فيه الأسواق العالمية ارتفاعًا فى أسعار النفط، وهو ما كان من الممكن أن يمنح روسيا مكاسب إضافية.
واللافت أن الهجوم وقع فى توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تزامن مع استضافة الرئيس «فلاديمير بوتين» قادةً من جنوب شرق آسيا فى قمة روسيا ـ آسيان المنعقدة بمدينة كازان، وظهر بوتين فى صورة جماعية مع القادة دون أن يتطرق فى كلمته الافتتاحية إلى الضربة الأوكرانية، فى مؤشر واضح على حرصه على إبراز صورة الاستقرار أمام ضيوفه.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد أكد المتحدث باسم الكرملين «دميترى بيسكوف» أنه لا توجد قنوات اتصال رسمية بين موسكو وكييف، وأن روسيا تأمل فى استئناف المفاوضات لحل النزاع، غير أن المواقف الروسية على الصعيد الميدانى جاءت متشددة؛ إذ ردّت موسكو بإطلاق أكثر من مائتى مسيّرة وعدد من الصواريخ على أوكرانيا، فى تصعيد متبادل لا يوحى بوجود أفق قريب للسلام.
وعلى الجبهة الدبلوماسية، كان «فلاديمير بوتين» قد أبدى فى تصريحات سابقة انفتاحًا على مقترحات «ترامب» لإنهاء الحرب، معتبرًا إياها وسيلة يمكن أن تشكّل أساسًا وركيزة لاتفاق سلام، بيد أنها تتطلب تنازلات من الطرفين. وفى المقابل، رأى الجانب الروسى أن الخطاب الأوكرانى ليس إلا نتاجًا أيديولوجيًا للدعم البريطانى والأوروبي، الذى يحاول أصحابه من خلاله إقناع الأوكرانيين بأنهم قادرون على مواصلة القتال لسنتين أو ثلاث سنوات أخرى.
وفى ظل هذه المعطيات المتشابكة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستُفضى ضربات كييف المتصاعدة إلى دفع موسكو نحو طاولة التفاوض تحت وطأة الضغط الاقتصادي، أم أنها ستُغذّى دوامة الانتقام وتدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد؟ لا سيما أننا أمام حرب دخلت عامها الخامس، ولم تُنتج سوى مزيد من الدماء، الأمر الذى يجعل التوصل إلى حل يضع حدًا لها أبعد منالًا. وبالتالي، يظل المدنيون على الجانبين هم من يدفعون الثمن الأغلى فى معركة يبدو من الصعب على أى طرف معرفة السبيل إلى إنهائها.