رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فى لبنان.. «على الطاهر» من مقام روحى إلى أرض معركة


26-6-2026 | 15:25

.

طباعة
بقلـم: نجوان عبداللطيف

لبنان أحد الأرقام الصعبة على أجندة المفاوضات التى جرت بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، قبل يومين فى منتجع «بورجنشتوك» على بحيرة «لوسيزن» بسويسرا، حيث كان أول اختراق لمذكرة التفاهم الموقّعة بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بسبب لبنان، حيث البند الأول فى المذكرة ينصّ على وقف إطلاق النار على كافة الأصعدة بما فيها لبنان، وقبل أن يجفّ الحبر الذى وقّعت به أمريكا وايران مذكرة التفاهم، قامت إسرائيل خلال يومى الخميس والجمعة الماضيين بتصعيد ضرباتها فى الجنوب اللبنانى، ما أدى لوفاة 125 لبنانيًا وإصابة مئات ونزوح الآلاف، وهو ما استوجب ردًا قويًا من إيران بإعلان الحرس الثورى إغلاق مضيق هرمز، كما أصدر مقر خاتم الأنبياء (غرفة العمليات المركزية الإيرانية) بيانًا، قال فيه: «نظرًا إلى إخلال الولايات المتحدة الأمريكية الصريح بعهودها ونقضها للاتفاق من خلال عدم تنفيذ البند الأول، وردًا على الانتهاكات المتواصلة والمستمرة لوقف إطلاق النار من قِبل الكيان الصهيونى فى جنوب لبنان؛ نعلن أن مضيق هرمز سيُغلق أمام الملاحة البحرية.”

 

 

وعلى الفور جرت اتصالات بين مسئولين بإدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو فى إسرائيل، وأصدر نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس تعليمات للجيش بوقف إطلاق النار فى لبنان.

التصعيد الإسرائيلى الأخير ضد الجنوب اللبنانى كان فى إطار محاولاتها المستميتة للاستيلاء على تلة «على الطاهر»، والتى تصل إلى 12 هجومًا فاشلاً، طبقًا لما أعلنه حزب الله.

ما هو تل على الطاهر؟ ولماذا يمثل عقدة استراتيجية لدى إسرائيل؟

على الطاهر تل يرتفع عن سطح البحر بأكثر من 600 متر مربع، على سطح قمته مقام لأحد أولياء الله الصالحين اسمه على الطاهر، دُفن فيه منذ مئات السنين، وتحول من مقام روحى إلى موقع استراتيجى تدور حوله المعارك بين إسرائيل وحزب الله، ولأهميته كان آخر موقع تغادره إسرائيل، عند انسحابها من الجنوب اللبنانى عام 2000، وهو ضمن مجموعة من التلال، ويُعرف المكان أيضًا تاريخيًا بوجود نبع ماء يُسمى بنبع «عين الطاهر».

تقع هذه التلة الاستراتيجية شرق مدينة النبطية، وتتبع إداريًا لبلدة كفر تبنيت، وتتمتع بموقع حاكم يجعلها من أهم النقاط الجيوسياسية والعسكرية فى المنطقة لقدرتها على الإشراف على مساحات واسعة شمال نهر الليطانى على مناطق فى النبطية ومرجعيون وحاصبيا، ومن يسيطر عليها يمتلك نقطة مراقبة طبيعية كاشفة لما حولها، وتتيح له وضعًا متفوقًا استراتيجيًا كاشفًا للحدود.

ويطلقون على هذه التلة أيضا «توأم قلعة الشقيف» التى سيطرت عليها إسرائيل مؤخرًا، بعد معارك ضارية مع حزب الله، وعندما احتلت إسرائيل تلة على الطاهر عام 1984 قامت بتخريب مقام على الطاهر والذى كان مزارًا دينيًا لبعض اللبنانيين من أهل الشيعة، وأثرًا تاريخيًا معماريًا، وانتزعت قبّته، وحوّلته إلى ثكنة عسكرية، وأمعنت فى تدمير ما بقى منه قبل خروجها من الجنوب عام 2000.

خلال يومى الخميس والجمعة الماضيين تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية فى الجنوب اللبنانى من أجل السيطرة على تل على الطاهر، والمعروف أن تلك المنطقة لا يمكن السيطرة عليها من الجو بسبب تضاريسها المعقدة؛ فحاولت قوة إسرائيلية التسلل باتجاه الجهة الشمالية من المرتفع، قبل أن تتعرض لكمين نارى استُخدمت فيه الصواريخ الموجهة وقذائف الهاون والمدفعية، إضافة إلى المُسيّرات الهجومية. وخلال الكمين، جرى استهداف دبابات «ميركافا» ودُمرت إحداها، وأُجبرت القوة المهاجمة على التراجع، وكانت حصيلة تلك الاشتباكات مقتل 6 من القوات الإسرائيلية بينهم 4 ضباط، وإصابة أعداد كبيرة.

غرفة عمليات المقاومة أصدرت بيانًا أكدت فيه أن العمليات جاءت ردًا على محاولة التوغل الإسرائيلى وعلى الخروقات المستمرة من جانبها، مشددةً على أن إسرائيل لم تلتزم يومًا بأى اتفاق لوقف إطلاق النار، سواء اتفاق 2024، أو الاتفاقات اللاحقة حتى الاتفاق الأمريكى- الإيرانى الأخير (مذكرة التفاهم)، الذى نص على إنهاء الحرب فى جميع الجبهات، بما فيها لبنان.

وكالعادة عندما يتعرض الجيش الإسرائيلى لخسارة كبيرة فى قواته يفقد صوابه ويتصرف بوحشية؛ فقام بالعدوان على مناطق واسعة فى الجنوب والبقاع وفى النبطية وصور وجزين وصيدا، واستهدف منازل ومنشآت مدنية، وطبقًا لتقارير إعلامية استُشهد 124 لبنانيا فى يومين، بينهم 83 شهيدا يوم الجمعة فقط، ونحو 400 من المصابين.

وعلى الفور أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز الذى كانت فتحته تنفيذًا لأحد بنود الاتفاق، وذلك ردًا على اختراق إسرائيل لوقف إطلاق النار، والذى التزمت بتفعيله الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى الرغم من انصياع إسرائيل لطلب ترامب لوقف إطلاق النار، فإن نتنياهو أكد يوم الأحد الماضى أثناء انعقاد المفاوضات فى سويسرا، أن إسرائيل ستبقى فى المناطق الأمنية فى لبنان وغزة وسوريا.

والمنطقة الأمنية التى يقصدها نتنياهو هى الواقعة خلف ما أسمته إسرائيل بالخط الأصفر، حيث تحتل قواتها شريطًا حدوديًا فى الجنوب اللبنانى بعمق يصل لنحو عشرة كيلومترات، بدأت تتوسع بأكثر من ذلك فى مناطق وقرى الجنوب فى النبطية وصور وغيرهما.

وأعلن رئيس الأركان الإسرائيلى أن قواته ستواصل عملياتها من أجل حماية شمال إسرائيل والسيطرة على تل على الطاهر لأنه يساعد فى ذلك، وأكد أنهم لن ينسحبوا من قلعة الشقيف.

بينما أعلن نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، أن عدم انسحاب القوات الإسرائيلية من كل شبر فى لبنان غير مقبول، وأن وقف إطلاق النار مع إعطاء إسرائيل حرية الحركة يمثل عدوانًا، وأن المقاومة سترد على أى هجوم أو انتهاكات، وستستمر طالما الاحتلال قائم.

كانت إيران قد استطاعت تضمين لبنان فى صدر مذكرة التفاهم، وحققت وحدة المسارات بالرغم من محاولة واشنطن الفصل بينهم، وأصرّ الجانب الإيرانى على أن يعقد المفاوضون فى سويسرا جلسة طارئة لمناقشة موضوع لبنان، مؤكدًا التزامه بلبنان .

نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس، ورئيس الوفد المفاوض فى سويسرا، والذى يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صرح عقب جلسة لبنان الطارئة بأنه تم إحراز تقدم ملحوظ فى جهود تثبيت وقف إطلاق النار فى لبنان، لكن الرئيس ترامب أثار زوبعة فى المفاوضات بسبب تصريحاته لفوكس نيوز «بأنه إذا لم نتوصل إلى اتفاق مع إيران فسنفرض رسوم عبور فى مضيق هرمز، وإذا أغلقت إيران مضيق هرمز فلن يتمكن المفاوضون الإيرانيون من العودة إلى بلدهم”.

وقال: «على طهران أن توقف فورا وكلاءها فى لبنان عن إثارة المشاكل، وإذا لم تفعل فسنضرب إيران بقوة مجددا»، وقال إن مذكرة التفاهم مجرد تمديد لوقف إطلاق النار، وليست اتفاقا نهائيا.

وفى موضع آخر، قال الرئيس ترامب: «أشعر بخيبة أمل من إسرائيل؛ فهم لا يستطيعون فعل أى شيء دون هدم المبانى فى لبنان، وأقترب من تسليم ملف حزب الله لسوريا ومنح القوة للرئيس السورى أحمد الشرع».

وعقب تصريحات ترامب، غادر الوفد الإيرانى (محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان وعباس عراقجى وزير الخارجية) مقر انعقاد المفاوضات فى سويسرا؛ احتجاجًا على تلك التصريحات، وقال قاليباف: «من الأفضل للأمريكيين أن يكونوا حذرين فى تصريحاتهم؛ فقواتنا مستعدة للرد عليهم، نحن لا نأخذ تهديدات الأمريكيين على محمل الجد، لو نجحت تهديداتهم لما وصلوا إلى هذا المستوى من اليأس».

استطاع رئيسا وزراء قطر وباكستان الوسطاء والمشاركون فى المفاوضات لملمة الأمور مع نائب الرئيس الأمريكى، لكن يظل لبنان أحد الأرقام الصعبة فى المفاوضات، ونحن ما زلنا فى البدايات، ولم يمضِ من الـ60 يومًا مهلة الوصول لاتفاق إلا القليل، والمؤكد أن إسرائيل ستعمل على وضع العصا فى العجلات.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة