رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«بورغنشتوك».. محطة جديدة لقطار مفاوضات «واشنطن- طهران»


26-6-2026 | 15:31

.

طباعة
تقرير: أمانى عاطف

فى ظلّ أجواء من التوتر المتصاعد وانعدام الثقة بين واشنطن وطهران، والتى تزيدها تعقيدًا التحركات الإسرائيلية ومساعى رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو للتأثير فى مسار التفاوض عبر ما يُعرف بالورقة اللبنانية، اتجهت أنظار العالم إلى منتجع بورغنشتوك السويسرى الذى يستضيف جولة جديدة من المحادثات الأمريكية الإيرانية. وبين الآمال بإحداث اختراق دبلوماسى والمخاوف من تعثر المسار التفاوضى، يظل السؤال المطروح: هل ستنجح المحادثات فى تحقيق نتائج ملموسة تُقرب وجهات النظر وتفتح الباب أمام تسوية مستدامة؟

عُقدت جولة جديدة، الأحد الماضى، فى منتجع بورغنشتوك لتدشين مسار تفاوضى بين واشنطن وطهران، بمشاركة وفود رفيعة من الجانبين وبوساطة دولية بعد تأخير دام 3 أيام نجحت خلاله الوساطة «القطرية - الباكستانية» فى تذليل العقبات، ووصل وفد رفيع المستوى برئاسة رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، ومشاركة وزير الخارجية عباس عراقجى، بينما يترأس الوفد الأمريكى نائب الرئيس جى دى فانس والمبعوث الخاص للرئيس ترامب ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر.

تأتى هذه الجولة فى ظلّ ملفات إقليمية معقدة تتصدرها التطورات الميدانية فى لبنان والتوتر بين إسرائيل وحزب الله، إلى جانب القضايا المرتبطة بالاتفاق النووى الإيرانى، والتى يتوقع أن تشكل محور النقاشات الأساسية خلال المفاوضات الجارية، بالإضافة إلى ورقة مضيق هرمز الذى كانت إيران قد هددت بإغلاقه بعد التصعيد الإسرائيلى فى لبنان، لذلك يقول الإيرانيون إنهم ذهبوا إلى سويسرا ليس للتفاوض، بل لمتابعة مدى التزام واشنطن ببنود مذكرة التفاهم.

المباحثات تأتى بعد توقيع كل من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى فرساى ونظيره الإيرانى مسعود بيزشكيان فى طهران مذكرة تفاهم «إلكترونيًا» فى ليلة 17 يونيو الجارى، فلم يسبق لأى رئيس أمريكى أو إيرانى، طوال 47 عامًا من العداء أن وقّع اتفاقًا، لكن هذا الإتفاق أثار «تفاؤلًا حذرًا وإحباطًا» فى الكونجرس، فقد تردد حتى بعض الجمهوريين فى الإشادة باتفاق لم تكشف الإدارة عن بنوده بعد، وسيوقف الاتفاق العداء مؤقتًا، ولن ينهيه، وسيُحكم عليه فى نهاية المطاف بما سيحدث لاحقًا، وتأمل إدارة «ترامب» أن يُغيّر هذا الاتفاق علاقة أمريكا المتوترة مع إيران، لكن فى الشرق الأوسط غالبًا ما تصطدم الرؤى المتفائلة بالواقع المرير.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أن «الاتفاق المبدئى بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب يمنح طهران مكاسب اقتصادية كبيرة، ويؤجل فى الوقت نفسه أصعب التنازلات التى كان سيتعين عليها تقديمها فى نهاية المطاف بشأن برنامجها النووي»، مضيفة أن «الاتفاق يرفع الحصار البحرى الأمريكى المفروض على الموانئ الإيرانية، والأهم من ذلك أنه يمنح إيران استثناءات لتصدير نفطها قبل التفاوض على اتفاق نهائى بشأن برنامجها النووى، وهذا من شأنه أن يوفر لإيران شريان حياة اقتصاديًا بالغ الأهمية ما قد يعيد الحياة الاقتصادية للنظام، ويدرّ أكثر من 60 مليار دولار سنويًا، ففى السنوات الأخيرة شهد اقتصادها تدهورًا حادًا، مع انهيار العملة وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية، لذلك يشعر النقاد بقلق بالغ إزاء بند بيع النفط تحديدًا، لأنه يُلزم الولايات المتحدة برفع القيود المصرفية مؤقتًا لتسهيل تجارة النفط الإيرانية».

والخطوة الرئيسية الوحيدة التى يتعين على إيران اتخاذها هى إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الحرة لمدة 60 يومًا، مع أن الاتفاق يبدو أنه يترك الباب مفتوحًا أمام فرض رسوم بعد انقضاء هذه المدة، وهو ممر رئيسى لشحن النفط والغاز، وينص الاتفاق على إعادة حركة المرور عبر المضيق إلى طاقتها الكاملة فى غضون 30 يومًا، ويؤجل الاتفاق المبدئى عددًا من القضايا الأكثر صعوبة، مثل البرنامج النووى الإيرانى، إلى مراحل لاحقة، ويتطلب من الولايات المتحدة وشركائها وضع خطة بقيمة 300 مليار دولار لتمويل تعافى الاقتصاد الإيرانى، بينما أعلنت إدارة ترامب أن الاتفاق المؤقت يحافظ على نفوذ الولايات المتحدة على إيران، وأن الاتفاق النهائى سيتضمن التحقق من التزام إيران بالقيود النووية. كما أكدت أن رفع جميع العقوبات مرهون بتحول جذرى فى سلوك إيران، بما فى ذلك وقف دعمها للجماعات المسلحة فى الخارج.

لكن فى حين ستبقى العديد من القيود المفروضة على إيران سارية خلال الفترة الانتقالية قبل التوصل إلى اتفاق كامل؛ فمن المرجح أن تستفيد البلاد بمليارات الدولارات من استئناف مبيعات النفط، حيث شكّل انهيار الاقتصاد الإيرانى مصدر استياء للشعب الإيرانى على مدى العقد الماضي.

وفى هذا السياق أوضح الدكتور إسلام المنسى، الباحث فى الشأن الإيرانى، أن «المحادثات المرتقبة بشأن البرنامج النووى الإيرانى خلال الستين يومًا القادمة من الصعب أن تسفر عن نتائج ملموسة فى هذه الفترة»، مرجحًا تمديدها، وهو ما تسعى إليه إيران لتجنب تقديم تنازلات مؤلمة.

«المنسى» أشار إلى أنه «حتى الآن لم تبدأ هذه المباحثات بالشكل المتوقع، لأن البند الأول من مذكرة التفاهم الموقعة، والمتعلق بوقف إطلاق النار فى المنطقة بأكملها، لم يُنفذ بعد، وهو ما دفع إيران إلى عدم التجاوب مع المفاوضات بالقدر المطلوب».

وأضاف أن «مذكرة التفاهم لم تتضمن إجراءات واضحة بشأن كيفية التعامل مع البرنامج النووى الإيرانى، واقتصرت على تجديد التعهد بعدم امتلاك إيران أسلحة نووية، إلى جانب الاتفاق على مبدأ التخلص من مخزون اليورانيوم عالى التخصيب، دون تحديد آلية ذلك، سواء عبر نقله إلى الخارج أو تخفيف نسبة تخصيبه داخل إيران».

كما أوضح «المنسى» أن «هناك العديد من النقاط الغامضة التى ما زالت بحاجة إلى حسم، من بينها ما إذا كان سيسمح لإيران بمواصلة التخصيب من عدمه، وما إذا كان التخصيب سيُعلق لفترة محددة، ومدة هذا التعليق، وإمكانية استئنافه لاحقًا بنسب معينة، كما تشمل القضايا العالقة كيفية التعامل مع المفاعلات النووية خلال تلك الفترة، وتحديد المفاعلات التى سيسمح لها بالعمل، فضلًا عن آليات الرقابة والتفتيش»، مؤكدًا أن «هذه الملفات تتطلب مفاوضات طويلة ومعقدة، يصعب إنجازها خلال المدة المتبقية من الستين يومًا».

كذلك أشار «المنسى» إلى أن «المفاوضات التى أفضت إلى الاتفاق النووى عام 2015 استغرقت فترة طويلة امتدت من عام 2013 حتى 2015، موضحًا أن أى اتفاق جديد بشأن البرنامج النووى الإيرانى سيحتاج إلى مناقشات تفصيلية يشارك فيها خبراء فنيون ومتخصصون قانونيون»، لافتًا إلى أن «هناك ملفات عديدة تتطلب توضيحات دقيقة، مثل أنواع أجهزة الطرد المركزى المسموح باستخدامها وأعدادها وطرازاتها وأماكن تشغيلها، إلى جانب القضايا المتعلقة برفع العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة».

واختتم «المنسى» حديثه بالتأكيد على أنه ليس من المرجح أن تتخلى إيران بالكامل عن برنامجها النووى، لكنها قد تقبل بتعليق التخصيب لفترة محددة أو خفض نسبته، أما التخلى الكامل عن البرنامج، فيظل احتمالًا ضعيفًا، ولذلك تم تأجيل حسم هذه النقطة نظرًا لكونها من أكثر القضايا الخلافية فى المفاوضات.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة