بعد أيام قليلة من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار على جميع الجبهات وأبرزها لبنان، أشعل كمين «على الطاهر» والذى أسفر عن مقتل أربعة جنود من الجيش الإسرائيلى الغضب بالداخل الإسرائيلى، إذ دعا وزير الأمن القومى المتطرف إيتمار بن غفير إلى «حرق لبنان بكامله»، فيما أوضح استطلاع لصحيفة «معاريف» أن «63 فى المائة من الإسرائيليين قلقون على «مستقبل دولة إسرائيل» بعد التفاهم مع إيران».
فى المقابل، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلى داخلًا معقدًا ومشهدًا سياسيًا أكثر صعوبة، خاصة بعد توقيع الاتفاق الأمريكى الإيرانى، إذ تصاعدت أصوات المعارضة وأبرزها ما جاء على لسان زعيم المعارضة أفيجدور ليبرمان، الذى اعتبر أن بقاء الضاحية الجنوبية قائمة بعد مقتل الجنود يُعد «فشلا مباشرا» لرئيس الوزراء، ويُصادف هذا الخطاب بيئة داخلية مشتعلة ضد «نتنياهو» بالفعل قبل أشهر من الماراثون الانتخابى حيث أظهر استطلاع رأى جديد أن غالبية الإسرائيليين يعتقدون أنه يجب على رئيس الوزراء اعتزال السياسة وعدم الترشح لإعادة انتخابه بالانتخابات العامة القادمة، وهو الاستطلاع الثانى الذى يُظهر مثل هذه النتيجة هذا الشهر، ووجد استطلاع القناة الثانية عشرة أن 59فى المائة من المشاركين يرون أنه لا ينبغى لـ«نتنياهو» الترشح مرة أخرى، بينما يرى 33 فى المائة فقط أنه ينبغى عليه ذلك، فى حين لم يُبدِ 8 فى المائة رأيًا واضحًا، وعند سؤالهم عن الشخص الأنسب لقيادة حزب الليكود بعد نتنياهو، قال 18 فى المائة إنه ينبغى أن يكون وزير الاقتصاد نير بركات، وقال 9 فى المائة إنه ينبغى أن يكون وزير العدل ياريف ليفين، وقال 7 فى المائة إنه ينبغى أن يكون وزير الدفاع يسرائيل كاتس، وقال 6 فى المائة إنه ينبغى أن يكون رئيس الكنيست أمير أوحانا.
وفى الوقت الذى أشاد فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، برئيس الوزراء الإسرائيلى، فى محاولة واضحة لتهدئة التوترات بعد انتقاده المتكرر فى الأيام الأخيرة بسبب سلوك الجيش الإسرائيلى فى لبنان، وجه جيه دى فانس، نائب الرئيس الأمريكى انتقادات حادة إلى الائتلاف الإسرائيلى، واصفا ما يجرى بأنه «حالة ذعر غريبة»، فيما أشار إلى أن نتنياهو نفسه تجنب انتقاد الاتفاق، قائلًا:«ربما لأنه أكثر اطلاعًا على تفاصيله»، فى تلميح واضح إلى أن الاعتراضات داخل الائتلاف لا تعكس بالضرورة قراءة كاملة لبنود التفاهم بين واشنطن وطهران.
وجاءت تلك التطورات بعد إعلان تل أبيب مقتل أربعة جنود من الكتيبة 52 فى اللواء المدرع 401 منهم قائد الكتيبة المقدم دور جداليا بن سمحون (32 عاما)، والتى تعد من قوات الصف الأول، حيث يرى الإسرائيليون أن تعرض تلك الكتيبة لخسائر ومقتل قائدها يعنى تراجع فعاليتها القتالية، مما قد يضطر القيادة العسكرية إلى استبدالها بوحدات أخرى، وهو مؤشر على استمرار حرب الاستنزاف.
وبحسب ما نُشر بوسائل الإعلام العبرية، يعتقد قطاع كبير من الإسرائيليين أنها حرب بلا جدوى يخوضها رئيس الوزراء الإسرائيلى لإرضاء ائتلافه اليمينى المتطرف، خاصة بعدما أظهرت الإحصائيات مقتل 23ضابطًا وجنديًا منذ بدء مسار التفاهمات الدبلوماسية، إلى الدرجة التى جعلت بعض الأصوات الإسرائيلية تصف كمائن حزب الله بـ«ميدان صيد الجنود»، نتيجة تكرار عمليات الاستهداف التى تطال القوات والآليات المتقدمة على طول الحدود.
وبحسب المراقبون فى إسرائيل، فإن استمرار الاشتباكات بعد أشهر من العمليات العسكرية يعكس صعوبة تحقيق حسم ميدانى سريع، مما يضع قادة حكومة« نتنياهو» فى مأزق سياسى، فمع كل عملية استهداف جديدة تتجدد الأسئلة داخل المجتمع الإسرائيلى حول قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها المعلنة، فى وقت يواصل فيه حزب الله إظهار قدرته على المبادرة والمناورة وفرض معادلة استنزاف تجعل كلفة البقاء فى الميدان أعلى من المتوقع.
وبحسب ما نشرته القناة 12 الإسرائيلية، استعان رئيس الوزراء بالوزير السابق رون ديرمر، لتهدئة وزراء ائتلافه اليمينى الذين يطالبون بتنفيذ عمليات عسكرية واسعة فى لبنان، بعد مقتل العسكريين الأربعة، إذ يعد «ديرمر» من أبرز الشخصيات الإسرائيلية المرتبطة بملف العلاقات مع واشنطن حيث شغل منصب سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة بين عامى 2013 :2021 وبحسب القناة، فإن النقاشات داخل الاجتماعات المصغرة أصبحت خلال الساعات الـ24 الماضية مشحونة وحادة للغاية، فى ظل مطالب أمريكية بتخفيف نشاط الجيش الإسرائيلى فى لبنان.
وفى حديثه لـ «المصور»، كشف الصحفى اللبنانى محمود علوش، أن «هذا التصعيد بين حزب الله وإسرائيل نتيجة طبيعية لعدم وضوح موقف لبنان فى مذكرة الاتفاق بين واشنطن وطهران، وهو ما تستغله إسرائيل لمحاولة فرض واقع جديد فى الجنوب اللبنانى يقوم على فكرة أن أى استهداف لقواتها التى تحتل الأراضى اللبنانية هو خرق لوقف إطلاق النار».
«علوش» أشار إلى أن «البند الأول من مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية ينص على شمول لبنان فى وقف الأعمال القتالية لكنه لم يشير إلى مصير الوجود العسكرى الإسرائيلى فى الأراضى اللبنانية التى احتلتها إسرائيل خلال هذه الحرب، وبالتالى فهى معضلة سياسية، وبالطبع الملف اللبنانى قد يؤثر بشكل كبير على مسار الاتفاق الإيرانى _ الأمريكى، ويمكن أن يؤدى إلى إفشال هذا المسار فى حال لم تتمكن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، من أجل تجنب استخدام لبنان كورقة للتأثير على السياق الأمريكى _ الإيرانى».