رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

لقاء «بروكسل».. قمة «اختبار أولويات أوروبا»


26-6-2026 | 15:31

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

فى ظل استمرار الحرب الروسية _ الأوكرانية، وتنامى التحديات الاقتصادية مع الصين، واحتدام النقاشات حول الميزانية طويلة الأجل، انعقدت قمة الاتحاد الأوروبى فى بروكسل يومى 18 و19 يونيو، وسط مساعٍ أوروبية لصياغة موقف موحد تجاه أبرز التحديات التى تواجه التكتل.

فى مشهد سياسى واقتصادى معقد، اتفق قادة الدول الـ27 الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى خلال قمة بروكسل على تمديد العقوبات المفروضة على روسيا لمدة عام إضافى، بعد أن كانت تُجدد كل ستة أشهر، مع التركيز على قطاعى النفط والغاز، ومكافحة «أسطول الظل» الروسى، إضافة إلى العملات المشفرة المستخدمة للالتفاف على العقوبات، هذا إلى جانب اعتماد الاتحاد حزمة قرارات لدعم أوكرانيا، تشمل مساعدات عسكرية ومالية، فضلًا عن التعهد بصرف دفعة أولى من قرض بقيمة 90 مليار يورو قبل نهاية شهر يونيو، فى إطار إجماع أوروبى كامل هو الأول من نوعه منذ مارس 2025.

جاءت هذه التطورات عقب اجتماع مجموعة السبع فى إيفيان بفرنسا، الذى أسفر عن بيان مشترك وقعه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تضمن تأكيدًا على مواصلة الدعم العسكرى لأوكرانيا وتشديد العقوبات على روسيا، واعتبر الأوروبيون ذلك مكسبًا دبلوماسيًا من شأنه تخفيف حدة الخلافات التى تشوب العلاقات عبر الأطلسى، بعد أن تسبب قرار البيت الأبيض منح ثلاثة استثناءات متتالية لواردات النفط الروسى فى توتر العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.

من جانبها، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بحسب ما أفادت به «يورونيوز»، أن «الاتحاد الأوروبى يجب أن يبدأ النظر فى منح تفويض تفاوضى لإجراء محادثات سلام مع روسيا بشأن أوكرانيا، مع التشديد على ضرورة بقاء كييف فى موقع القيادة للعملية الدبلوماسية، وتأتى هذه التطورات فى وقت تتصاعد فيه التوترات الميدانية بين موسكو وكييف، عقب هجمات أوكرانية بطائرات مسيرة استهدفت العمق الروسى».

فى سياق متصل، يحاول قادة الاتحاد الأوروبى الموازنة بين الحد من الاختلالات التجارية المتزايدة مع الصين والحفاظ على علاقات اقتصادية مستقرة مع ثانى أكبر اقتصاد فى العالم. فبينما تواجه الشركات الأوروبية تحديات متزايدة فى منافسة السلع الصينية المدعومة التى تتدفق للأسواق، لا يزال الاتحاد يعتمد بشكل كبير على بكين فى توفير إمدادات حيوية، مثل الرقائق الإلكترونية والمعادن الأرضية النادرة، الأمر الذى جعل ملف العلاقات التجارية مع الصين يتصدر النقاشات الأوروبية خلال الآونة الأخيرة.

وقد أدى التدفق المتنامى للواردات الصينية إلى تسجيل الاتحاد الأوروبى عجزًا تجاريًا غير مسبوق بلغ 360 مليار يورو، ما زاد الضغوط على اقتصادات الدول الأعضاء، ولذلك يعمل الاتحاد على تعزيز أدواته التجارية الحالية واستكشاف آليات جديدة لحماية الصناعات الأوروبية، بما فى ذلك الصناعات الكيميائية والتقنيات النظيفة، غير أن مدى استعداد بروكسل لاتخاذ خطوات أكثر تشددًا لا يزال محل ترقب، خصوصًا فى ظل تحذيرات الصين من اتخاذ إجراءات مضادة إذا اتجه الاتحاد نحو سياسات أكثر صرامة.

على صعيد آخر، سلطت قمة بروكسل الضوء على انقسامات حادة بين قادة الاتحاد الأوروبى حول مسودة ميزانية التكتل طويلة الأجل (الإطار المالى متعدد السنوات) للفترة 2028-2034، حيث تسعى دول الجنوب والشرق إلى زيادة مخصصات الزراعة والتمويل الإقليمى، فى حين أعربت الدول «المقتصدة»، وهى مجموعة من الدول المساهمة الصافية التى تدفع لميزانية التكتل أكثر مما تتلقى، مثل ألمانيا وهولندا والدنمارك والسويد، عن رفضها القاطع لأى زيادة فى الإنفاق.

وقد اقترحت قبرص، التي تتولى حاليًا إدارة المحادثات بين الدول الأعضاء، خفضًا قدره 32.8 مليار يورو من إجمالي الميزانية البالغة 2 تريليون يورو، واصفةً إياه بأنه حل وسط بين الطرفين. غير أن البرلمان الأوروبي، وهو الجهة التشريعية المشاركة في إقرار الميزانية إلى جانب الدول الأعضاء، رفض المقترح واعتبره غير كافٍ، لا سيما فيما يتعلق بقطاعي الزراعة والتمويل الإقليمي.

وقد طلب قادة الاتحاد الأوروبى من الرئاسة الأيرلندية المقبلة، التى ستتولى قيادة المفاوضات بين الدول الأعضاء اعتبارًا من 1 يوليو، تقديم نص تفاوضى جديد فى أكتوبر المقبل، ويسعى الاتحاد إلى التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية بحلول نهاية عام 2026، وتجنب تمديد المفاوضات إلى عام 2027، نظرًا لكونه عامًا انتخابيًا حاسمًا فى عدد من الدول الأوروبية الرئيسية، مثل فرنسا وإيطاليا وبولندا.

وفى هذا السياق، قال الدكتور طارق وهبى، خبير العلاقات الدولية إن «وحدة المواقف حاجة أساسية لترابط الاتحاد الأوروبى»، مضيفًا أن «هناك إصرارا من الدول الكبرى فى الاتحاد لحث الدول التى تحاول الانشقاق عن الموافقة الكُلية على القرارات تحت عنوان ليس الانقسام هو ما يخدم الاتحاد، لكن عددا من هذه الدول التى تشكك بالقرارات تطلب ضمانات بعدم الانجرار إلى الدعم الأوكرانى دون أى رادع، وتحديد الخطوات المقبلة مع روسيا، أقله لإيجاد فترة زمنية كافية للعودة إلى طاولة الحوار. وخلف كل الخيارات يبقى الموقف الأمريكي، الذي هو مهم بالنسبة للاتحاد، يضعف الموقف الداعم لاوكرانيا على الصعيد العسكري. كما أن كل المفاوضات الروسية الأمريكية أقصت الاتحاد الاوروبي، وهذا ليس بمصلحة روسيا ولا أمريكا؛ لأن أوروبا رغم ضعف الإمكانيات ظلت متوحدة لإيصال وجهة نظر معتمدة دائمًا على القانون الدولي والشرعية الدولية ».

وحول التوترات التجارية مع الصين، أوضح «وهبى» أن «أوروبا ذهبت بعيدًا فى العلاقة التجارية مع الصين، وأن الصين شريك مهم فى الاستثمارات فى أوروبا، ومع ذلك، كانت هناك عدة معارك تجارية، أولها السيارات الكهربائية ذات السعر الرخيص القادمة من الصين، ومن ضمنها البطاريات للسيارات الكهربائية المستوردة بنسبة 70 فى المائة من الصين لكل صانعى السيارات فى أوروبا، والصين تلعب كل أوراقها لأنها أغرقت السوق الأوروبى ببضائعها التى بعضها مصمم فى أوروبا لشركات أوروبية ولكن بتنفيذ صينى».

وتابع: المفوضية الأوروبية، كما قالت فى قمة الاتحاد، لا تسعى إلى عقوبات بل تحاول إدارة وضع نوع من قيود وشروط مالية لاستيراد البضائع الصينية، وكل النقاشات الصينية _ الأوروبية ليست صدامية، لكنها تحسب على ألا يكون هناك أى خاسر فى هذه العملية.

وبشأن الميزانية، أوضح «وهبى» أن «الموازنة الأوروبية مرتبطة بعاملين مهمين، الأول هو القرارات السياسية للأحزاب التى تملك القرار فى دول الاتحاد، ثانيًا إلى أى مدى يدعم البرلمان الأوروبى خيارات المفوضية الأوروبية فى توزيع وصرف الموازنات، وهنا يجب أن نقر أن الانتخابات الوطنية لدول الاتحاد تغير المعايير فى دعم أو عدم دعم الاتحاد».

كما أشار إلى أن «المشكلة الكبرى هى فى ضخ الأموال فى السوق الأوروبى عبر قرارات صادرة عن البنك الأوروبى المركزى، وهذا أيضًا رغم استقلاليته فهو مرتبط باقتصادات الدول الأوروبية وقدرتها على ضبط النفقات وتخفيض الدين العام للذهاب إلى إصدار سندات دولية لضخ أموال فى السوق الأوروبى، والآن عدة أصوات أوروبية تكمل فى نوع من مقاومة خيارات الدول الكبرى الأوروبية؛ ولكنها بالمقابل تقبل بهذه الموازنات لأنها تقايض ذلك بمشاريع تنموية فى بلادها، وهنا نرى جيدًا إلى أى مدى أن وحدة القرار الأوروبى تتطلب رفع مستويات النمو فى الدول الأوروبية والتقارب فيما بينها، ولن يتم أى نجاح إلا عبر الوصول إلى نوع من تقارب فى مستويات المعاملات الاقتصادية بين الدول الأوروبية وشركائها فى الخارج».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة