رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حوكمة الـ«Ai» تحمــــى السيـــادة الرقميـــة


25-6-2026 | 16:08

.

طباعة
تحليل: وائل الطوخى

تلعب الخوارزميات الدور الأساسى فى إعادة رسم خرائط الاقتصاد العالمي، وتتحول فيه البيانات إلى نفط رقمى تتنافس عليه الأمم، تجد مصر نفسها أمام استحقاق تاريخى لا تحتمل التأخر فى مواجهته، فبينما تتسارع وتيرة انتشار الذكاء الاصطناعى فى قطاعات الصحة والمال والبنية التحتية، تتصاعد معها تساؤلات جوهرية منْ يقرر ومنْ يحاسب وكيف توضع قواعد للعبة لم تكتمل ملامحها؟، فمصر تدرك أن الدخول إلى عصر الذكاء الاصطناعى بلا منظومة حوكمة راسخة هو مجازفة بالاقتصاد قبل أن تكون مجازفة بالتقنية، ومن هنا تتشكل مستهدفاتها الطموحة فى بناء إطار تنظيمى يوازن بين الانفتاح على الابتكار وصون الحقوق الرقمية، ويرسخ الثقة فى المنظومة الذكية بوصفها ركيزة لا ترفا.

 

فحوكمة الذكاء الاصطناعى ليست مجرد أدوات رقابية بل هى الترجمة التشغيلية لمفهوم السيادة الرقمية فى عصر الخوارزميات، والدولة التى لا تحكم نماذج الذكاء الاصطناعى العاملة على أراضيها تكون قد تنازلت ضمنياً عن جزء من سيادتها لمنْ يملك هذه النماذج سواء كانت شركة أو حكومة أجنبية.

وتعد حوكمة الذكاء الاصطناعى أداة تحقيق بهدف السيادة الرقمية، فأى دولة تفتقر إلى حوكمة فعّالة للذكاء الاصطناعى تجد نفسها رهينة نماذج أجنبية بقواعد أجنبية وقرارات تُصنع فى عواصم أخرى، وهذا ما كشفته قضية Anthropic حين تحوّلت العلاقة التجارية إلى تبعية استراتيجية، وذلك من خلال علاقة تقوم عبر ثلاثة محاور متكاملة، وهى الحوكمة التى تُقرر ما يدخل السوق الرقمى من نماذج، وما يُحظر، وتحمى البيانات الوطنية من الاستنزاف الخفى لصالح المنافسين، وتبنى الثقة التى تحوّل السيادة من شعار إلى واقع مؤسسى راسخ.

ولا تعد حوكمة الذكاء الاصطناعى قانوناً واحداً ولا جهازاً تنظيمياً بعينه، بل منظومة متكاملة من الأطر والآليات والمبادئ التى تُحدد كيف يُطوَّر الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يُنشر وكيف يُحاسَب منْ يتحكم فيه؟ عبر أى جهة تملك صلاحية الموافقة على نشر نموذج ذكاء اصطناعى أو وقفه أو تعديله سواء كانت حكومة أو هيئة مستقلة أو شركة أو مجتمعاً من المستخدمين من خلال القواعد الحاكمة، وتشمل التشريعات والمعايير التقنية وأخلاقيات التصميم وآليات التدقيق والشفافية وكيفية التعامل مع التحيز والخصوصية والمساءلة حين يُخطئ النظام أو يُسيء؛ ليتم تطبَيق القواعد عبر رقابة مستمرة وتقييم للمخاطر وآليات إنفاذ فعلية لا مجرد إعلانات نوايا ووثائق سياسات تبقى حبراً على ورق.

وحسب «AGILE Index» مؤشر تقييم حوكمة الذكاء الاصطناعى العالمي؛ سجل حجم سوق حوكمة الذكاء الاصطناعى من 0.42 مليار دولار فى 2025 إلى 0.61 مليار دولار فى 2026 (نموا سنويا مركبا 44.5 فى المائة). متوقع الوصول إلى 26.3 مليار دولار بحلول 2030 وتعمل 47 دولة حالياً على تشريعات وطنية للذكاء الاصطناعي. منها 37 دولة لديها إطارات تنظيمية مخصصة للذكاء الاصطناعى (حتى 2024-2025)، منها 33 دولة مرتبطة بقانون الذكاء الاصطناعى الأوروبي.

وحسب لوائح الاتحاد الأوروبى تستخدم 88 فى المائة من المنظمات الذكاء الاصطناعى فى وظائف أعمالها على الأقل، لكن 8 فى المائة فقط تمتلك إطار حوكمة شاملا (ينخفض إلى 2 فى المائة فى الشركات الصغيرة)، وسجلت حوادث الذكاء الاصطناعى نحو 362 فى 2025 بنسبة ارتفاع بنسبة 55 فى المائة عن 2024، وتدير الولايات المتحدة والصين أكثر من 90 فى المائة من مراكز البيانات المستخدمة عالمياً للذكاء الاصطناعى وفى دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD) 97 فى المائة من الدول تستخدم الذكاء الاصطناعى فى الحكومة، لكن 39 فى المائة فقط تطلب تقييمات مخاطر قبل النشر.

وقد كشفت القمة الـ52 لمجموعة السبع الصناعية الكبرى فى فرنسا أن حوكمة الذكاء الاصطناعى باتت ساحة جيوسياسية لا مجرد نقاش تقني، وأن الفجوة بين الدول الكبرى حول قواعد اللعبة لا تزال تتسع ولا تضيق؛ وبحث قادة عمالقة شركات الذكاء الاصطناعى بحضور سام ألتمان من OpenAI وديميس هاسابيس من Google DeepMind وداريو أموديى من Anthropic إلى جانب قادة شركات من فرنسا وكندا وألمانيا وإيطاليا والهند واليابان تحول الحديث عن الذكاء الاصطناعى كأدوات مستقبلية إلى واقع حوكمة راهن.

وكان المحور الأكثر توتراً ملف السيادة التكنولوجية، حيث أشعلت قضية تعليق Anthropic الوصول إلى نماذجها المتقدمة امتثالاً لأوامر إدارة ترامب موجة قلق أوروبى واسعة؛ إذ كشفت كيف يمكن لأوروبا وكندا أن تجد نفسها فى موقع ضعف بالغ عند انقطاعها عن نماذج الذكاء الاصطناعى الأمريكية، فإدارة ترامب أصدرت توجيهاً لضوابط التصدير يقضى بتعليق وصول أى مواطن أجنبى إلى نموذجى Fable 5 وMythos 5 الصادرَين حديثاً عن أنثروبيك، وذلك استناداً إلى دواعى الأمن القومي، وامتد الحظر ليشمل موظفى أنثروبيك Anthropic أنفسهم من غير حاملى الجنسية الأمريكية، والملاحظة أن نموذج Fable 5 كان قد وصف عند إطلاقه بأن قدراته تتخطى أى نموذج أتاحته الشركة للعموم من قبل، لا سيما فى الكشف عن الثغرات الأمنية فى البرمجيات، وبحسب مصادر مقربة من الإدارة الأمريكية فإن الدافع كان ادعاء إحدى الشركات قدرتها على اختراق النموذج وتجاوز ضماناته، مما أثار قلقاً بالغاً حيال مخاطر أمنية محتملة.

فيما أكد مسئول أن النموذج يجب أن يظل محجوباً حتى يتم تحصين المنظومة الأمنية القومية، والمفاجأة لم تكن فى القرار وحده بل فى آليته الصادمة؛ إذ وجدت المؤسسات فى كندا وأوروبا وسائر أنحاء العالم التى دمجت هذه النماذج فى سير عملها أن الأدوات اختفت فجأة دون أى إجراءات استئناف ودون نافذة انتقالية ودون إنذار مسبق ودون أى صلاحية قانونية لهذه الجهات فى الاعتراض، وقد رصد محللون قانونيون أن هذه الخطوة تنتهك مبادئ جوهرية فى سيادة القانون من حيث العلانية والاستباقية والمشروعية؛ إذ لم يعلم المتضررون بالقرار عبر الجهات الحكومية بل عبر أنثروبيك نفسها فى غياب أى مبرر قانونى معلن.

واتحدت أصوات من مختلف التيارات السياسية أن «حرب الذكاء الاصطناعى قد بدأت»، مع التذكير بأن الذكاء الاصطناعى بات قضية سيادة وطنية، مع التحذير بأن دولة تعتمد على غيرها فى التقنية يمكن فصلها عن الشبكة بين عشية وضحاها؛ كذلك وصف الذكاء الاصطناعى بأنه بنية تحتية حيوية بمثل أهمية الكهرباء والإنترنت، فالبعض يرى أن الحادثة تُعد دليلاً إضافياً على ضرورة تعزيز أوروبا سيادتها التكنولوجية، على أن التدابير الوقائية لا ينبغى أن تكون تمييزية تجاه الشركاء، كما أن الأزمة كاشفة لفجوة هيكلية فى السيادة؛ إذ إن الاستثمار فى مراكز البيانات المحلية وحده لا يضمن استمرارية الوصول إلى النماذج حين تتدخل حكومة أجنبية، وهنا الرئيس الفرنسى ماكرون صاغ الأمر بوضوح أمام زعماء مجموعة السبع قائلاً إن قدرة الولايات المتحدة على «قطع التيار من يوم لآخر» لن تضر فقط باقتصادات العملاء الأوروبيين، بل ستضر فى نهاية المطاف بشركات الذكاء الاصطناعى الأمريكية ذاتها، وصرّح رئيس الوزراء مارك كارنى بأن الحادثة تُظهر مخاطر الاعتماد المفرط على عدد محدود من مزودى الذكاء الاصطناعى الأمريكيين.

وفى مواجهة هذا الواقع أعلنت كندا وألمانيا عن «تحالف التقنية السيادية»، فيما وقّع الاتحاد الأوروبى شراكات رقمية مع كوريا الجنوبية والبرازيل فى مسعى لتشكيل ثقل موازن للهيمنة الأمريكية والصينية معاً، أما إشكالية الخلاف حول الحوكمة نفسها فظهر بوضوح خلال التقارير التى كشفت أن أى إشارات إلى حوكمة الذكاء الاصطناعى يمكن أن تكون مخففة فى البيانات الختامية؛ إذ أبدت واشنطن معارضتها الصريحة لأى اتفاقيات متعددة الأطراف قد تُقيّد ميزتها الصناعية، كما ناقشت دول مجموعة السبع إطاراً يُقيّد الوصول إلى الأنظمة الأمريكية على الدول الحليفة الموثوقة فقط، فيما دفعت الصين من خارج الطاولة نحو إطار أممى لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وعرضت بدائل عبر مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاى للتعاون.

وكشف الدكتور محمد عزام، خبير التحول الرقمى وتكنولوجيا المعلومات، أن الحوكمة ضرورة وليست ترفاً، فالذكاء الاصطناعى ليس أداةً محايدة كالآلة الحاسبة، بل نظام يتخذ قرارات تمس حياة البشر فى القروض البنكية والتشخيص الطبى وأحكام القضاء وتوظيف الأفراد وتصنيف المواطنين أمنياً، وغيابُ الحوكمة يعنى ببساطة أن هذه القرارات تُتخذ فى فراغ بلا مساءلة، موضحاً أن هناك ثلاثة أسباب جوهرية تجعل الحوكمة حتمية: أولها غياب الشفافية إذ تعمل معظم النماذج الكبرى كصناديق سوداء لا يعلم أحد كيف تتوصل إلى نتائجها، وثانيها تركز القوة فى يد عدد ضئيل من الشركات الخاصة غير المنتخبة وغير المساءَلة ديمقراطياً، وثالثها سرعة الانتشار التى تسبق قدرة المجتمعات على استيعاب التداعيات والتكيف معها.

يذكر أن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، عبر ذراعها المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة، أعلنت عن إصدار الإطار الوطنى لحوكمة الذكاء الاصطناعى فى إصداره الثاني، إلى جانب الإرشادات الوطنية للذكاء الاصطناعى الموثوق والمسئول، وذلك فى مارس 2026. وحسب وزارة الاتصالات يمثل هذا الإطار الشامل نقلة نوعية فى مسيرة مصر نحو بناء منظومة ذكاء اصطناعى سيادية، مركزة على الإنسان، ومتوافقة مع أفضل الممارسات الدولية، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمى رائد للابتكار المسئول فى إفريقيا والعالم العربي. ويأتى الإطار متسقاً تماماً مع رؤية مصر 2030 والاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى (الإصدار الثانى 2025-2030)، ليؤكد التزام الدولة بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى كمحرك أساسى للتنمية الشاملة والنمو الاقتصادى المستدام.

ويعتمد الإطار على نهج دورة حياة كاملة (حكومية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، بدءاً من مرحلة التصميم مروراً بالتطوير والنشر وصولاً إلى التشغيل والمراقبة المستمرة. ويشمل تصنيف المخاطر إلى أربع فئات رئيسية (ممنوعة، عالية المخاطر، محدودة، ومنخفضة)، مع إجراء تقييمات التأثير الأخلاقى (AIEIA) وآليات التحقق والتقييم والتحقق (TEVV).

وتشمل الركائز الأساسية للإطار عدة عناصر أبرزها: الشفافية والمساءلة والعدالة والإنصاف والسلامة والأمان والاستدامة المجتمعية، ويعتمد الإطار على قوانين وطنية قائمة مثل قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، بالإضافة إلى التوافق مع توصيات اليونسكو ومبادئ منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD). كما يتبنى نهج «الإطار الحي» الذى يسمح بالتطور المستمر والتكيف مع التقدم التكنولوجي، من خلال خطة تنفيذية مرحلية تبدأ بمرحلة التأسيس وتبنى «الفوز السريع» لدعم الابتكار دون تعطيل النمو.

وأوضح عزام فى تصريحات خاصة لـ«المصور» أن مصر تحتاج إلى تبنى خارطة الطريق التنفيذية (Phased Roadmap) لتحقيق حوكمة متقدمة للذكاء الاصطناعي، تقوم على تنفيذ مرحلى مرن يسمح بالفوز السريع دون تعطيل الابتكار، ويشمل المرحلة الأولى التأسيس (الأشهر 1-12) إنشاء ECRAI إصدار الإرشادات الأولى (بما فى ذلك تصنيف المخاطر) وإطلاق AI Audit Lab وRegulatory Sandbox لاختبار آليات القانون الناعم، بجانب المرحلة الثانية التشغيل (الأشهر 12-24) تفعيل التقييمات الإلزامية للأنظمة عالية المخاطر ونشر البنية التحتية للسحابة السيادية، فضلا عن المرحلة الثالثة النضج والتوافق (24 شهراً فأكثر) الدمج الكامل عبر القطاعات الاعتراف المتبادل دولياً ودراسة إصدار تشريع خاص بالذكاء الاصطناعى إذا لزم الأمر.

وشرح عزام أن الآليات الداعمة والركائز الأساسية تعتمد الإرشادات الوطنية على أربع ركائز رئيسية الحوكمة المؤسسية، إدارة دورة حياة الذكاء الاصطناعي، إشراك أصحاب المصلحة والأثر المجتمعى والاستدامة وتشمل أدوات عملية مثل قوائم التحقق الذاتية برامج بناء القدرات، بما فى ذلك تعيين Chief AI Officers)) وسياسة Frugal AI الاقتصادية المناسبة للدول النامية.

وحسب وزارة الاتصالات، التنفيذ يستند إلى قوانين قائمة (حماية البيانات الشخصية رقم 151/2020 وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات) مع تطوير سياسات قطاعية مخصصة، وتتم مراقبته من خلال مراجعات سنوية و56 مؤشراً فرعياً لقياس التقدم ربع السنوي.

من جانبه كشف مهندس أحمد الليثى استشارى التحول الرقمى أن التزام مصر ببناء إطار تنظيمى متوازن وفعّال للذكاء الاصطناعى يدعم الابتكار ويحقق التنمية المستدامة، مع الاعتراف بالتحديات الرئيسية التى تواجهها الدول النامية فى هذا المجال. لافتا إلى أن أبرز هذه التحديات تتمثل الحاجة إلى تنفيذ عملى يتطلب تدريبًا واسع النطاق للكوادر البشرية، وتوفير موارد فنية متقدمة، وآليات مراقبة مستمرة للقطاع الخاص. كما تواجه مصر، كدولة نامية، تحديات متعلقة بالقدرات التقنية والاقتصادية، خاصة فى مجالات التمويل، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ومواكبة الوتيرة السريعة للتطور التكنولوجي.

وأكد الليثى فى تصريحات خاصة لـ «المصور» ضرورة أن، تولى مصر أهمية خاصة لتحقيق التوازن المثالى بين الابتكار والتنظيم، حيث تعمل على تجنب الإفراط فى الإجراءات التنظيمية التى قد تعيق نمو الشركات الناشئة والمبادرات الريادية. وتتبنى مصر نهجًا تدريجيًا مرنًا يعتمد على إطار عمل حيوي؛ يتسم بخطط مراحلية قابلة للتكيف، مما يضمن توافق الالتزامات التنظيمية مع القدرات الوطنية المتاحة ومع التطورات التكنولوجية المستمرة. مبيناً أن هذا النهج الاستراتيجى يدعم قدرة مصر على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو الاقتصادى والتقدم التكنولوجي، مع الحرص على تعزيز الشراكات الدولية وبناء قدرات وطنية مستدامة فى مجال الذكاء الاصطناعي.

ونوه الليثى بأهمية الاستفادة من التجارب العالمية فى تجنب الأخطاء السابقة وتسريع بناء إطار فعال، مؤكدا أن الإطار الوطنى لحوكمة الذكاء الاصطناعى استلهم تصنيف المخاطر من التجربة الأوروبية والمرونة العملية من النموذج السنغافورى والتكامل الاستراتيجى بين الدولة والقطاع الخاص، مع الحرص على السيادة الرقمية والتوافق مع رؤية مصر 2030.

أوضح الليثى أن هذا النهج يمكّن مصر من: تحقيق التوازن المثالى بين الابتكار والسلامة دون إفراط تنظيمى يعيق الشركات الناشئة، بجانب بناء قدرات فنية ومؤسسية بأسرع وقت مستفيدة من أفضل الممارسات، فضلا عن تعزيز المكانة الإقليمية كمركز للذكاء الاصطناعى المسئول فى إفريقيا والعالم العربي؛ مشددا أنه يساعد على ضمان توافق الإطار الوطنى مع المعايير الدولية مثل OECD ويونسكو، مع الحفاظ على الهوية المصرية والأولويات الوطنية، مبينا أن «الإطار الحي» (Living Framework) الذى تتبناه مصر يجسد هذه الرؤية المتكاملة؛ حيث يظل قابلاً للتطور المستمر مع استيعاب الدروس العالمية بشكل دوري.

ويقوم الإصدار الثانى من الاستراتيجية الوطنية لمصر للذكاء الاصطناعى على 6 محاور تتضمن 21 مبادرة رئيسية ضمن محاور خارطة طريق مصر، أولها الحوكمة والذى ينقسم إلى مبادرتين الأولى هى «النظام الوطنى التنظيمى للذكاء الاصطناعى فى مصر» من أجل نمو آمن ومسئول للذكاء الاصطناعي، يلزم إنشاء هيكل تنظيمى واضح ووضع إطار أخلاقى وإنشاء هيئة تنظيمية، ويحتاج تنفيذ المبادرة 3 إجراءات رئيسية هى مركز الذكاء الاصطناعى المسئول الذى يركز على تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعى وفق معايير أخلاقية تضمن الإنصاف والشفافية والمساءلة، وسيمتلك المركز خبرات تقنية لفهم تعقيدات الذكاء الاصطناعي، ويعزز القدرات البشرية فى مصر، مع المشاركة فى التعاون الدولى لتبادل المعرفة ومتابعة التطورات العالمية، بالإضافة إلى تخصيص الميثاق المصرى للذكاء الاصطناعى المسئول لتوفير إطار أخلاقى شامل يعالج قضايا الخصوصية، الإنصاف، والشفافية؛ حيث يلتزم الميثاق بحماية حقوق الإنسان، تعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان توافق أنظمة الذكاء الاصطناعى مع القيم الإنسانية والمعايير الاجتماعية؛ فضلاً عن قانون الذكاء الاصطناعى فى مصر، والذى يضع إطارًا تشريعيًا لتنظيم تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي، مانعًا إساءة الاستخدام مع تقليل التحيز الخوارزمي، ويشمل قانون حماية البيانات، الإشراف على عمليات صنع القرار، وضمان عدم تهديد التقدم التكنولوجى للمصلحة العامة.

أما المبادرة الثانية فهى «النقاشات العالمية والإقليمية بشأن الذكاء الاصطناعي» والتى تركز على سعى مصر، كدولة مركزية فى الشرق الأوسط، لقيادة النقاشات الإقليمية والعالمية حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من موقعها لدفع الابتكار وتعزيز الاستخدام الأخلاقى له عبر آلية تشكيل شراكات من التعاون العربى لتعزيز الابتكار من خلال سياسات داعمة تجذب الاستثمار مع تطوير حلول ذكاء اصطناعى متخصصة باللغة العربية والعامية المصرية، خاصة فى التعليم، الرعاية الصحية، والخدمات العامة، كذلك التعاون الإفريقى لتستفيد مصر من وفرة بياناتها السكانية لتطوير الذكاء الاصطناعي، وتتيح فرص التعاون مع الدول الإفريقية لتعزيز القدرات التقنية وأيضا عن طريق المشاركة العالمية؛ حيث تشارك مصر فى نقاشات المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين، لدعم قواعد عالمية تضمن استخدام الذكاء الاصطناعى بأمان وعدالة، مع مراعاة الثقافات المصرية والعربية. مثل مشاركتها فى قمة الأمم المتحدة لمستقبل الذكاء الاصطناعى (سبتمبر 2024) تعكس التزامها بهذا الهدف.

وحسب المهندس رأفت هندى وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ورئيس المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعي؛ فإن استفادة مصر الذكية من التجارب العالمية ليست خياراً بل ضرورة استراتيجية، كما تدرس بعناية النموذج الأوروبى الشامل القائم على المخاطر والنهج الأمريكى المرن الداعم للابتكار والتجربة الصينية المتكاملة والنموذج السنغافورى التوازني؛ لنأخذ من كل تجربة ما يناسب سياقنا الوطنى وقيمنا وأولوياتنا التنموية، متابعا أن هذا الاستلهام الواعى يعزز قدرة مصر على بناء إطار حوكمة سيادى يركز على الإنسان ويجمع بين حماية المجتمع وتعزيز الابتكار والتنافسية.

ويبقى توضيح أفضل البيئات العالمية فى تطبيق نماذج حوكمة الذكاء الاصطناعى بمختلف الدول.

أولا: الاتحاد الأوروبي، النموذج التنظيمى الشامل القائم على المخاطر، ويعتبر قانون الذكاء الاصطناعى الأوروبى (EU AI Act) الذى دخل مراحل التنفيذ الفعلى فى 2025-2026 النموذج الأكثر شمولاً وصرامة عالمياً، ويعتمد على تصنيف الأنظمة إلى أربع فئات مخاطر (ممنوعة وعالية ومحدودة ومنخفضة)، مع فرض تقييمات تأثير إلزامية وشفافية ومساءلة قبل النشر وبعده، ويحمى القانون الحقوق الأساسية والخصوصية مستلهماً من GDPR، ويفرض غرامات تصل إلى 7 فى المائة من الإيرادات العالمية، ويشاد به كمعيار عالمى لكنه ينتقد لثقله التنظيمى الذى قد يبطئ الابتكار، ويعكس هذا النموذج فلسفة أوروبية تركز على الإنسان أولاً والحماية الوقائية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة