وتجسيدًا لفلسفة الدولة المصرية السديدة فى رأب الصدع، وإزالة سوء الفهم بين الدول المتنازعة، لم تحد القاهرة قيد أنملة عن قناعتها الراسخة، ولم تبتعد مطلقًا عن إيمانها الثابت بهذا المسار إذا حدث خلاف طارئ بين دولتين أو تورطت عاصمتان فى دائرة العنف والحرب، وكذلك فى حالة سقوط القوى والفصائل السياسية فى فخ الانقسامات الداخلية بأى بلد وخصوصا الأشقاء العرب، فعلى الفور تسارع القيادة المصرية ببذل كل الجهود، والقيام بجميع المساعى لفتح قنوات التفاوض، والعودة إلى الحلول السلمية، لأن لغة القوة العسكرية مهما كانت قوة أى طرف لن تصل به إلى بر الأمان، وسيظل الجانبان يدوران فى حلقة مفرغة من الصراعات، فلا تلبث أن تنتهى جولة حتى تبدأ أخرى، وتزداد النار اشتعالا مع دخول لاعبين آخرين مما يوسع ساحة الحرب، ويضاعف الخسائر المادية والبشرية، ولن تجف الدماء ولن يتوقف نزيف الفقدان فى القدرات على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية إلا مع القبول بالهدنة والجلوس على مائدة المفاوضات، والتاريخ يعيد نفسه فى كل مرة، وللأسف فى غالبية الحروب لا نجد بين المتقاتلين، رجلا رشيدا، يدرك العواقب، ويمنع المهالك.
وقد أثبتت الشواهد المتتابعة، وأكدت الوقائع المتلاحقة أن القاهرة سباقة فى مسار التهدئة بين المتناحرين، فلا تنتظر دعوة من أحد قبل التدخل الجاد كنوع من إثبات الموقف، ولا يدور بخلدها الاستعراض الإعلامى؛ بحثا عن دور لأنها واثقة الخطى فى كل تحركاتها وتعلم أن دورها محورى، وفى ذات الوقت لا تضع شروطا مسبقة عند تقديم العون والمساعدة؛ انتظارًا لجنى مكاسب أو تحصيل عوائد بعدما تضع الحرب أوزارها، بل الهدف الرئيسى هو إسكات البنادق، والبحث عن الحلول المنطقية بلا شطط أو تطرف فى التمسك بآراء خارج حدود المعقول، لأن السياسة فن الممكن، ولا بد عند الجلوس على مقاعد التفاوض أن يتحلى كل طرف بالمرونة، والقدرة على منح تنازلات خلال النقاشات من أجل وقف التصعيد والذهاب إلى رحابة السلام والاستقرار، وهما يستحقان بلا جدال لكل شعب وحكومة، فضلا عن أهمية وصل ما انقطع من إمدادات التجارة العالمية، وإصلاح ما دمرته الحرب فى شرايين الاقتصاد العالمى، و«من لا يرى من الغربال فى حروب منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص مؤخرا فهو أعمى»، بداية من حرب غزة الغاشمة، وتوابع غطرسة حكومة دولة الاحتلال بقيادة مجرم الحرب نتنياهو وصولا إلى الحرب الثلاثية بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها من جهة أخرى، وما زالت نهايتها مفتوحة ومؤجلة حتى حين.
وهنا أجدنى مدفوعا إلى اللجوء إلى لغة الأرقام لأنها لا تكذب ولا تتجمل، بل توضح بدقة تحذيرات القاهرة مبكرا قبل وقوع المحظور بسبب جنون دولة الاحتلال بعد عملية السابع من أكتوبر 2023، فها هى التقارير الدولية تجزم بأن حرب واشنطن وتل أبيب ضد طهران كبدت الاقتصاد العالمى خسائر تتجاوز 2.2 تريليون دولار، وتسببت فى دمار هائل للبنية التحتية الإيرانية يتراوح بشكل مبدئى من 270 إلى 300 مليار دولار، وقتل وإصابة أكثر من 3500 شخص، بينما خسائر الولايات المتحدة نحو 132 مليار دولار، مع قتلى بين جنودها بالعشرات، وبالطبع دولة الاحتلال دفعت فاتورة باهظة رغم التعتيم المتعمد، فعلى المستوى الاقتصادى تسببت المعارك خلال فترات التصعيد وخاصة الـ«40 يومًا الأولى من القتال» وفقا لبعض التقديرات المبدئية فى خسائر تصل إلى 65 مليار شيكل، مع معدل تعويضات مدنية بسبب الأضرار المباشرة وغير المباشرة بموجب ضريبة الأملاك بنحو 13 مليار شيكل، أما الخسائر البشرية، فقد قتل العشرات وأصيب أكثر من 1400 شخص، بالإضافة إلى أزمة الملاحة والطاقة، نتيجة تعطل مضيق هرمز، وما خفى كان أعظم، لأن التداعيات مستمرة، والتوابع متعاقبة.
وقد حاولت القاهرة بكل طاقاتها وجميع تحركاتها أن تحول دون توسيع مساحة النيران، ونبهت قبل وقوع الخطر، مع إعلان خطوطها الحمراء لحماية الأمن القومى المصرى وعلى رأسها رفض تهجير أهالى قطاع غزة والتصدى لمخططات دولة الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية حتى تستفيق حكومة المتطرفين فى الكيان الصهيونى من وهم إسرائيل الكبرى، وتعود إلى رشدها، لكنها الحماقة التى أعيت من يداويها فى تاريخ هذه الدولة المارقة، وتعطش قادتها الدائم لسفك دماء الأبرياء من الفلسطينيين لاستهداف حلم الدولة الفلسطينية للأبد، وهذا لن يحدث أبدًا، فهم أصحاب الأرض، والدولة المصرية لهم عون وسند، ورغم المكائد الإسرائيلية الخبيثة لإبعاد المفاوض المصرى عن المشهد تارة بالشائعات والأكاذيب وتارة بهدم معبر رفح من الجانب الفلسطينى إلا أن إرادة التهدئة واحترافية التفاوض تغلبت على كل الصعاب، وهزمت جميع المخططات، وصولا إلى توقيع اتفاقية شرم الشيخ للسلام، ومهما تآمرت دولة الاحتلال ستتواصل مراحل الاتفاقية وتبدأ إعادة إعمار غزة، خصوصًا أن الوساطة المصرية بين الفصائل الفلسطينية نجحت فى تذليل الكثير من العقبات من أجل توحيد الصف الفلسطينى باعتباره أهم طرق مواجهة الاحتلال، وإجباره على الاعتراف بحق الدولتين وفقا للقوانين الدولية والقرارات الأممية.
وبنفس المنهج المستقيم، والعزيمة الصلبة فى محاصرة ألسنة النيران، والدفع إلى التهدئة سبقت القاهرة الجميع فى محاولة منع المواجهة بين إيران ودولة الاحتلال منعا لتأثيرها المدمر على المنطقة، وحتى لا تتسع الدائرة لتضم دولًا أخرى، وهذا ما حذرت منه مصر قبل حرب الـ12 يومًا بين الجانبين، ثم كررت هذا الإنذار عدة مرات، لكن بخبث ودهاء ورط مجرم الحرب نتنياهو الإدارة الأمريكية فى الحرب الإيرانية الأخيرة، فتتابعت العواقب الكارثية على الشرق الأوسط خاصة، وامتد تأثيرها إلى مختلف دول العالم، وفصول الأزمة معلومة للجميع، ولولا حكمة وجهود الوسطاء الدوليين فى مصر وباكستان والسعودية وقطر وتركيا لاستحكمت حلقاتها، ودخلت المنطقة والعالم فى دوامة من الصراع وصولا إلى حرب عالمية ثالثة أو الوقوع فى مستنقع الحرب النووية التى لن تبقى ولا تذر.
وتواصل القاهرة مسار البحث عن حل نهائى لهذه الحرب المهلكة، ويأتى فى هذا السياق استقبال الرئيس السيسى، مؤخرًا وزراء خارجية باكستان، السعودية، وتركيا، بحضور د. بدر عبدالعاطى وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، عقب انعقاد الاجتماع الرابع لوزراء خارجية المجموعة الرباعية بالقاهرة، وقد أكد الرئيس أن التطورات الإقليمية الأخيرة أبرزت محورية هذه الدول كركائز أساسية للاستقرار والأمن الإقليميين، بما يعزز أهمية استمرار هذه الآلية التشاورية وتطويرها لتصبح إطارًا مؤسسيًا فاعلًا قادرًا على صياغة حلول شاملة ومستدامة لأزمات المنطقة. كما ثمّن الرئيس السيسى التنسيق المكثف الذى جرى بين الدول الأربع خلال الفترة الماضية، مؤكدًا حرص مصر على مواصلة العمل مع السعودية وباكستان وتركيا والدول العربية كافة والإقليمية لدعم تنفيذ مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وإنجاح المسار التفاوضى بين الجانبين، فضلًا عن التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية باعتبارها شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الشامل والمستدام فى المنطقة، مع ضرورة أن الاتفاق النهائى يجب أن يضمن أمن دول مجلس التعاون الخليجى والدول العربية كافة، ويراعى شواغلها، ولا سيما احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، والالتزام بمبادئ حسن الجوار، وضمان حرية الملاحة، والتمسك بتسوية النزاعات بالطرق السلمية.
ويستمر تضامن مصر مع لبنان فى مواجهة التحديات الراهنة، وهو ما أكد عليه د. بدر عبدالعاطى وزير الخارجية خلال اتصال هاتفى مع د. نواف سلام رئيس مجلس الوزراء اللبنانى منذ أيام قليلة، مشددًا على الموقف المصرى الداعى بضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضى اللبنانية كافة، وأن المساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه يمثل خرقًا صارخًا لقواعد القانون الدولى وقرار مجلس الأمن رقم 1701، والتأكيد على أهمية دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، لا سيما الجيش اللبناني، لتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها فى بسط سلطتها وسيادتها على كامل التراب الوطني، وضرورة تحقيق حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية باعتبار ذلك الركيزة الأساسية لحفظ أمن واستقرار لبنان، ومساندة خيار الدولة وصون مقدرات الشعب اللبنانى الشقيق.
أما فى الملف الليبى، فلا تتوقف المساعى المصرية من أجل عودة الاستقرار إلى الأشقاء، والاحتكام إلى التفاوض البناء لتخرج البلاد من مأزق الصراعات، وتوحيد المؤسسات الوطنية والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر مسار ليبى ـ ليبى يفضى إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن فى أقرب وقت، وفى هذا المسار جاء اللقاء الأخير للوزير حسن رشاد رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية مع كلٍ من رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبدالحميد الدبيبة، والفريق أول صدام حفتر، ومبعوث الرئيس الأمريكى للشئون العربية والإفريقية مسعد بولس، ومصر على العهد باقية للخروج بليبيا إلى بر الأمان.
وعلى صعيد الأجواء فى السودان الشقيق، لا تكل القاهرة من مواصلة دورها المحورى فى التهدئة، وهو ما تجلى فى لقاء د. بدر عبدالعاطي، وزير الخارجية، يوم الأحد الماضى، بمسعد بولس، كبير مستشارى الرئيس الأمريكى للشئون العربية والإفريقية، عند مناقشة تطورات الأوضاع فى السودان، فقد استعرض «عبدالعاطى» الجهود المصرية الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار فى السودان والحفاظ على وحدته وسيادته ومؤسساته الوطنية، والتأكيد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد الطريق لوقف مستدام لإطلاق النار، ودعم مسار سياسى شامل بقيادة وملكية سودانية خالصة، مع ضرورة تكثيف الجهود الدولية للتخفيف من المعاناة الإنسانية للشعب السوداني.
وفيما يتعلق بالأمن المائى، شدد وزير الخارجية على أهمية التعاون وفقًا لقواعد القانون الدولى بما يحقق مصالح جميع دول حوض النيل، مؤكدًا رفض مصر للإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولى فى حوض النيل الشرقى، باعتبار أن قضية مياه النيل هى قضية وجودية لمصر.
ومن المعلوم بالضرورة أن مسارات الدولة المصرية أساسها التفاوض والتهدئة والحل الدبلوماسى مع قدرتها الشاملة على حماية أمنها القومى على الجبهات كافة والاتجاهات جميعًا، ولن يفرض عليها أحد سياسة الأمر الواقع أبدًا، وستظل خطوطها الحمراء محفوظة وعصية على الكسر، والاصطفاف الوطنى ضمانة أساسية فى معادلة القوة والردع.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء